أصدرت حكومة دبي في 14-8-2008 قانوناً عقارياً جديداً أطلق عليه اسم قانون تنظيم السجل العقاري المبدئي، وجاء هذا القانون كامتداد للعمل الدؤوب والجهد الطيب الذي قامت به دائرة الأراضي والأملاك ومؤسسة التنظيم العقاري والسلطات المختصة الأخرى لجهة تنظيم العمل العقاري في الإمارة تحقيقا للاستقرار والشفافية فيه .من المعروف أن عقد البيع والشراء هو عقد شخصي بين البائع والمشتري لا يصبح حجة في مواجهة الغير إلا بعد تسجيل التصرف موضوع العقد في السجل العقاري وبالتالي فإن مجرد توقيع عقد بيع وشراء بين شخصين لا ينشأ إلا دعوى تعويض من طرف في مواجهة الطرف الآخر كما في حالة تخلف البائع عن نقل ملكية العقار إلى المشتري، وهذا ما استقرت عليه أحكام محكمة النقض والقوانين السارية في الدولة .

جاء قانون التسجيل المبدئي الجديد ليلزم جميع المتعاملين بتسجيل العقود المبدئية حتى قبل نقل الملكية تحت طائلة بطلان التصرف لعدد من الأسباب افرزها واقع العمل العقاري في الإمارة ومنها:

- قيام بعض المطورين أو البائعين بنقل أو تحويل عقود البيع والشراء لأكثر من مشتر أو من دون موافقة المالك أو تحويل عقود بيع وشراء عقارات غير موجودة أصلاً .

- جشع بعض المطورين وقيامهم بفرض رسوم تحويل عقود بيع وشراء مبالغ فيها .

- الحد من ظاهرة مطوري العشرة في المائة الذين يقومون ببيع عقارات على الخريطة حتى قبل تسلمهم للعقار والحد من خلال ذلك من عدد المشاريع العقارية التي يوجد هناك شك في إمكانية إكمالها أو البدء ببنائها .

- الحد من ظاهرة الإنهاء التعسفي لعقود البيع والشراء وفرض تعويضات إنهاء مبالغ بها على المشترين بهذا الصدد .

- تنظيم موضوع الاختلاف في المساحات بين الوحدات المباعة على الخريطة وتلك التي يتم تسليمها خاصة إذا كان الاختلاف في غير مصلحة المشتريين .

وباختصار، فإن القانون الجديد جاء بأحكام كثيرة تصب في مصلحة المشترين والمستثمرين في السوق العقارية والتي قد يراها البعض في غير مصلحة المطورين وعليه، فسوف نتناول في ما يلي الأحكام الرئيسية في هذا القانون والنتائج العملية لتطبيقها بالصيغة التي جاء القانون بها:

أولاً: أشارت المادة الثالثة في القانون إلى وجوب تسجيل جميع التصرفات التي ترد على الوحدات العقارية المباعة على الخريطة في السجل العقاري المبدئي الذي تنشئه دائرة الأراضي في إمارة دبي وتعتبر جميع التصرفات غير المسجلة باطلة .

ويبدو أن القانون استثنى العقود الخاصة بالأراضي المباعة في الإمارة من أحكام التسجيل المبدئي الذي خص الوحدات العقارية المفرزة به . كما ألزم القانون في مادته الثالثة جميع المطورين الذين قاموا ببيع أو نقل أي حق عيني قبل صدور القانون بتسجيل جميع العقود الخاصة بهذه التصرفات في السجل العقاري المبدئي التابع للدائرة خلال فترة لا تتجاوز 60 يوماً من تاريخ دخول القانون رقم 13 حيز التنفيذ .

وفي رأينا فإن هذه الفترة هي فترة محدودة ربما كان من الأولى زيادتها أو تمديدها لاحقاً بسبب وجود عشرات الآلاف من التصرفات العقارية والمبايعات على الخريطة التي تمت في الإمارة خلال السنوات الثماني المنصرمة .

كما تجدر الإشارة إلى أن هذه المادة من القانون ألقت الالتزام بالتسجيل على كاهل المطورين حصراً، وبالتالي يثور التساؤل هنا عن مآل التصرفات التي قام بها المشترون في السوق العقارية أو البائعون من غير المطورين ومدى التزام هؤلاء بأحكام المادة الثالثة من عدمه .

ثانياً: جاءت المادة الرابعة من قانون التسجيل المبدئي بنص في غاية من الأهمية وهو الخاص بعدم قيام المطور ببيع وحدات عقارية على الخريطة قبل تسلم الأرض التي سيقام عليها المشروع .

وهذا الشرط سوف يساعد على تأكيد جدية المطور وذلك لجهة ملاءته المالية حيث إن تسليم الأراضي في دبي عادة ما يكون مشروطاً بدفع جزء أساسي من ثمن شراء هذه الأراضي إلى ملاكها (المطورون الرئيسيون) بالتالي فإن هذه الشرط يخرج من دائرة العمل العقاري المضاربين الذين يتدثرون بعباءة المطورين .

ورغم أهمية هذا النص إلا أننا نرى انه يشكل تراجعاً عن نص المادة 6-3 من قانون حساب الضمان رقم 8/2007 التي تنص على ضرورة تملك المطور للأرض المراد بيع وحداتها وذلك قبل الشروع في عملية البيع على الخريطة والتي لم يتم تفعيل نصوص أحكامها من قبل السلطات المختصة حتى هذه اللحظة بحسب علمنا .

ثالثاً: وجاءت المادة 6 من قانون التسجيل المبدئي بنص مجحف بحق المطورين يسمح من ناحية المبدأ بالتصرف بالوحدات العقارية المسجلة مبدئياً بالبيع أو الرهن وغير ذلك من التصرفات القانونية . ولنا على هذه المادة الملاحظات التالية:

إن إمكانية قيام المشتري ببيع أو رهن العقار مرتبطة قانوناً بسماح المالك له بذلك وبالتالي فإن صياغة هذه المادة بهذا الشكل أعطت أوسع الصلاحيات للمشترين المبدئيين الذين لم يتسلموا ملكية العقار بعد وسمحت لهم بالتصرف كملاك للعقار وفي هذا تعد على حق الملكية بصفته حقاً جامعاً ومانعاً ودائماً .

إن تسجيل رهن لمصلحة دائني المشتري على عقار لم يقم هذا الأخير بدفع كامل ثمنه إلى البائع هو إجراء قد يضر بمصلحة البائع ضرراً شديداً وذلك في حال قيام الدائن المرتهن بالتنفيذ على العقار المرهون بسبب إخلال المشتري بتنفيذ التزاماته تجاه هذا الدائن، كما في عقد القرض مثلاً .

يطبق بعض المطورين الجادين في الإمارة معايير صارمة لجهة هوية المشتري الذي يؤول إليه عقد بيع وشراء عقار من مشترٍ آخر وبالتالي فإن السماح ببيع الوحدات المسجلة مبدئياً دون موافقة المالك قد يضر بهذه المعايير .

وبغض النظر عن نية المشرع من وراء هذه المادة فإنه يتوجب برأينا تطبيق أحكام قانون المعاملات المدنية الاتحادي رقم 5/1985 في هذا الصدد وخاصة المادة 605 التي تنص صراحة على أنه إذا باع شخص ملك غيره بغير إذنه لا ينعقد هذا البيع إلا بإجازة المالك . كما نصت المادة 1401 من نفس القانون على انه يتوجب أن يكون الراهن مالكاً للعقار المرهون (أي حائزاً سند ملكية) ونصت المادة 1402 على انه لا يجوز رهن ملك الغير إلا إذا أجازه المالك الحقيقي بسند موثق .

وفي رأينا فإنه في ظل غموض نص المادة 6 يتوجب تفسيرها بالتماشي مع أحكام قانون المعاملات المدنية الآنفة الذكر وذلك بما يضمن حقوق الملاك من المطورين واستقرار المعاملات التجارية بهذا الصدد .

أما إذا كانت نية المشرع هي تشجيع المصارف على دخول السوق العقارية وتمويل شراء عقارات من قبل الأفراد فإننا نرى أن القانون رقم 8 يعطي هؤلاء الممولين حقوقا على حسابات الضمان تسمح لهم بضمان ديونهم .أما في ما يتعلق بتمويل الوحدات السكنية فإننا نرى انه يمكن الاستمرار بالعمل ضمن آلية مذكرات التفاهم التي قامت كثير من المصارف التمويلية بتوقيعها مع المطورين لضمان حقوق هذه المصارف من دون تعريض حقوق الملاك من المطورين للضياع .

رابعاً: اتت المادة 7 بنص أمر يحظر على المطورين العقاريين تقاضي أية رسوم متأتية عن بيع الوحدات العقارية من شقق أو مكاتب أو فلل أو إعادة بيعها . وهذا في رأينا إجراء طيب يقضي على بعض الظواهر الجشعة التي شهدتها السوق مؤخراً حيث قام بعض المطورين بتقاضي رسوم تصل إلى 4 في المائة من ثمن العقار من أجل السماح بإعادة بيعه ومما لا شك فيه أن هذا النص الجديد سوف يخفف من أعباء الرسوم على المشترين من السوق الثانوية مما سوف يؤدي إلى تشجيع هذه السوق وتعزيز نشاطها . كما اخرج القانون من نطاق تطبيقه الرسوم التي تفرض بخصوص إعادة بيع العقارات من الأراضي والتي لم ينص على تسجيلها المبدئي أصلاً .

خامساً: جاءت المادة 11 من قانون التسجيل المبدئي رقم 13 لسنة 2008 بنص يمنع البائعين من إمكانية فسخ عقد البيع والشراء بسبب إخلال المشتري دون الرجوع إلى دائرة الأراضي والأملاك حيث تقوم هذه الأخيرة بإمهال المشتري المخالف 30 يوماً للوفاء بالتزاماته .كما حددت المادة المذكورة مبلغ التعويض الذي يمكن للمطور استيفاءه حيث لا يتجاوز مبلغاً يساوي 30 في المائة من المبالغ المدفوعة لحساب ثمن شراء العقار ويبدو أن ما دفع المشرع لإصدار هذا النص هو رغبته في ردع بعض المطورين/البائعين من ضعاف النفوس والذين قاموا في الماضي بإلغاء عقود وقعوها دون وجه حق واحتفاظهم بجميع ما قد يكون المشتري قد دفعه على وجه التعويض .

ونخشى أن تكون هذه المادة 11 قد خالفت مبدأ العقد شريعة المتعاقدين وخاصة لجهة إمكانية الفسخ اتفاقاً أو رضاء أو قانوناً وكان من الأولى في نظرنا تفعيل دور المحاكم العقارية للبت في أي نزاع ينشأ عن إلغاء العقود أو فرض التعويضات الخاصة بذلك وذلك حيث إن القضاء هو الأقدر على الحفاظ على حقوق البائعين والمشترين وتقدير التعويض المناسب وذلك تماشياً مع أحكام المادة 390 من قانون المعاملات المدنية لدولة الإمارات العربية المتحدة .

سادساً: وأخيرا فقد تناولت المادة 12 في أحكامها موضوعاً مهماً وهو التفاوت بين مساحة العقار المباع على الخريطة وتلك التي يتم تسليمها فعليا وذلك بالزيادة والنقصان، فنصت المادة على أن الزيادة تكون من مصلحة المشتري بينما يلتزم البائع بتعويض أي نقصان مؤثر(دون أن تعرف ما هو مؤثر من سواه) .

ورغم أن نص هذه المادة جاء في مصلحة المشتري الذي يعتبر عادة الطرف الأضعف في العلاقة العقدية مع البائع إلا أنها تعدت على أحكام المادة 523 من قانون المعاملات المدنية رقم 5/1985 التي نصت إذا كان البيع على أساس الوحدة (القدم المربعة أو المتر المربع) فالزيادة للبائع والنقص من حسابه ويكون للمشتري في جميع الأحوال الحق في فسخ البيع إذا كانت الزيادة تلزمه بشراء أكثر مما اشترى وكان الأجدر في رأينا الالتزام بأحكام القانون المدني الاتحادي ووضع القواعد المنضمة والمفسرة لها عوضا عن التزام المطورين بالتنازل عن الزيادة في المساحة لمصلحة المشترين، حيث انه وفي كثير من الأحوال لا يعرف المطور المساحة النهائية المباعة على الخريطة حتى إكمال البناء وذلك لعوامل كثيرة خارجة عن إرادته وبالتالي وجب تناول كل حالة على حدة ضمانا لتطبيق القاعدة الفقهية لا ضرر ولا ضرار .

وفي النهاية فإننا نعتقد بأن هذا القانون، رغم بعض العيوب والنواقص التي شابته والتي تناولناها بالنقد والتحليل، يشكل خطوة ايجابية جديدة تجاه تأكيد ثقة المشترين والمستثمرين بالسوق العقارية لإمارة دبي، وربما يكون أهم قانون صدر حتى الآن لغرض توفير الحماية اللازمة لهم مما سوف يؤدي من دون شك إلى زيادة جاذبية السوق الثانوية لدى كثير من المشترين خاصة القاطنين منهم والعاملين في الإمارة والذين ترددوا حتى الآن في دخول السوق العقارية .

* باحث قانوني ورئيس

الشؤون القانونية في دبي للعقارات