يقال عن الهند بأنها بلد تأملي ويقال عن الصين بأنه بلد شغّال، وفي المحصلة النهائية نحن أمام بلدين نهّابيْن آسيويين مزعومين للانتصار المعلن للنيوليبرالية. إن دخول هذين العملاقين الآسيويين إلى المسرح العالمي يغذي كل أنواع الكليشيهات والأفكار الجاهزة. لكن على نقيض هذه النظرات المسبقة والمغلوطة في غالب الأحيان، تحرص المؤلفة مارتين بولارد Martine Bulard، وهي باحثة اقتصادية مرموقة ومديرة مساعدة للشهرية الفرنسية لوموند

ديبلوماتيك، ومسؤولة عن قطاع آسيا، على وضع تطور التنين الصيني والفيل الهندي في زمن التاريخ الطويل، وتنهمك في تفكيك المحركات الخفية للتغيرات الجارية وللملامح المشتركة وللاختلافات ولمظاهر التقدم والانسدادات. وترسم في النهاية مقارنة وتوازياً محدداً وحياً ما بين الهند والصين، وذلك في كتابها الصادر حديثا عن دار فايار في باريس، تحت عنوان الصين الهند: سباق التنين والفيل

الماضي يستعيد مجده والعملاقان الآسيويان يقتحمان العالم

تعاني الهند من مشكلة تلوث الماء بسبب استخدام الأسمدة وجرف الغابات، في حين أن التلوث الجوي أقل حدة، ولو أن زيادة التصنيع والوصول الكثيف للسيارات الفردية سيضاعف من أهميته.وتقول الكاتبة إن الغرب بدأ يقلق، ولكنه يكتفي باقتراحه (على الصين والهند) الامتناع، وهو ما يجعله في وضعية مريحة. ولكن الباحثة توجه نقدا قاسيا للموقف الغربي وهي تستعرض ما ورد في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية (نوفمبر/تشرين الثاني 2007)، تحت عنوان: لا، لا، لا، لا تتبعوا الولايات المتحدة، وفيه يحثّ الصحافي الأمريكي الشهير توماس ل. فريدمان الهند على ألاّ تنتج السيارة الصغيرة تاتا بثمن 2500 دولار، الأرخص في العالم.

تقول الباحثة: نعم عنده حق، أي الصحافي فريدمان، في وصفه للأضرار الفادحة التي تتسبب فيها السيارة، واقتراح استعمال كثيف لوسائل المواصلات العامة(الباصات)، في العاصمة، لكن بشرط تحديث وتأمين السياقة(حوادث السير رهيبة في الهند). إلا أنه لا يمكننا أن نلوم هؤلاء على بحثهم عن وسائل الرفاهية التي لا نريد نحن أن نمنع أنفسنا عنها، ونحن لا نتوقف عن تقريظ نموذجنا نحن للاستهلاك. وتتحدث الباحثة عن الابتزاز الذي تمارسه الدول الغربية على الهند والصين كما على دول العالم الثالث، في ما يخصّ نقل الشركات والمصانع إلى هذه الدول.

نقل الشركات والمصانع الغربية إلى الدول الصاعدة يتسبب في بعض المشاكل. عملاق التأمين أكسا قرر تحويل جزء من خدماته المعلوماتية إلى الهند. شركة رينو(الفرنسية) نفذت اتفاقا سنة 2007 من أجل إنتاج سيارة رخيصة مع طرف هندي. كما أن شركة بيجو(الفرنسية) ستنتج مع الصين الجيل الجديد من الدراجات النارية، والقائمة تطول.، وتنقل الباحثة عن الباحث روبرت رووتورن قوله: شركات الشمال تستخدم عامل الخوف من نقل شركاتها في الجنوب كي تتفاوض وتقنع العمال بقبول أجور منخفضة.وتورد الباحثة مقارنة للأجور ما بين الغرب ودول العالم الثالث. تكتب: مقابل 100 دولار يحصل عليها العامل الأمريكي يحصل العامل الهندي على 6،1 دولار بينما العامل الصيني يحصل على 7،1 دولار بل 8،7 دولار إن كان محظوظا، أي من شنغهاي.

وتكشف الكاتبة ان الشركات الصينية ساهمت في إنقاذ العديد من المؤسسات الأمريكية من الإفلاس، ومن دون الأموال الصينية، كان الاقتصاد الأمريكي سيكون أقل تفتحا.، في تموز/ يوليو من سنة 2007 ترأست هيلاري كلينتون، وكانت حينها مرشحة ديمقراطية للرئاسة الأمريكية، وفدا من النواب للمطالبة بإرساء الحدود الجمركية والإلحاح على إعادة تقويم اليوان (العملة الصينية). ولكن رد السلطات الصينية كان حادا. كسيا بين، مسؤول القضايا المالية في مركز الأبحاث حول التنمية (بمرتبة وزير) فسّر بطريقة علمية، لا تخلو من تحذلق، بأن الصين يمكنها أن تبيع احتياطاتها الضخمة من الدولار(مقدرة ب900 مليار على 1430 مليار من الاحتياطي المالي الكلي)، وحينها ستتسبب في انهيار العملة الخضراء. إن مثل هذا الخيار النووي، كما قال كسيا بين، محددا، لا يتمناه أحدٌ.

تنهي الباحثة هذا الفصل بهذه الخلاصة التي وإن كانت لا تمنح للصين فتحاً مبيناً، فهي على الأقل تتحدث عن قوتها في إيلام الأمريكيين، أيما إيلام. هذا السلاح المالي الصيني، سلاح ذو حدين، ما دام أن الصين بدورها ستجد عملتها وقد فقدت من قيمتها. ولكن الأمر يشهد على قوة التغيرات التي حدثت على الكوكب الأرضي. إن الصين التي لا تزال تظهر كونها شيوعية، لا علاقة لها بما كان عليه الاتحاد السوفييتي المنهار.... إن الحقيقة اليوم: القرن الواحد والعشرون لن يكون لا أمريكيا ولا آسيويا. إنه سيكون، على الأرجح، قرن القوة المقتسمة.

انتقام التاريخ

يبتدئ هذا الفصل بمقولة للديبلوماسي والكاتب الهندي فيد فياس(ولد سنة 1956) مقتبسة من كتابه: الرواية الهندية الكبيرة: لا توجد من نهاية لقصة الحياة. لا توجد سوى وقفات. إن النهايةَ، اليومَ، بعد كل شيء، ليست سوى بداية الغد.

تقول الباحثة إنه من الصعب جدا حين نتحدث، طويلا، مع صيني أو هندي، سواء من النخبة أم من غيرها، شبابا أم كهولا، ألا نسقط في الحديث عن الماضي الخالد، مرفقاً بالأمل في استعادة توازنات الماضي، حين كان البلدان يمتلكان مكانة في النظام الاقتصادي والدبلوماسي على مقاسهما.إن التفوق الهندي والصيني في الماضي يعود إلى الألفية الأولى: في سنة ،1300 كان الاقتصاد الصيني هو الأقوى على الكرة الأرضية، أي بتعبير الدخل الفردي، كما يفسر الباحث أنغوس ماديسون، الذي قام بأبحاث تاريخية امتدت على مرحلة تاريخية طويلة. في ميدان التكنولوجيا والاستخدام الكثيف للموارد الطبيعية والقدرة على إدارة إمبراطورية شاسعة، تفوقت الصين على أوروبا.

عرفت الهند نفس الأشياء: فقد استخدمت في ماضيها النافورات ذات الأصل الفارسي، كما شيدت سدودا وقنوات، واستثمرت زراعات الصيف والشتاء أنّى كان ذلك متاحا.

تكتب الباحثة: إن فكرة آسيا متخلفة لا يمكن قبولها. في سنة ،1600 أي في الوقت الذي أنشئت فيه الشركة البريطانية للهند الشرقية، أي رمز الاستعمار، كانت الهند تنتج 6.22 من الثروات الدولية، في حين أن جارتها الصين كانت تنتج 29،2 في المائة. ومجموع الدول الآسيوية (عدا اليابان) كانت تنتج مجموع 62،9 في المائة.، وتواصل الباحثة شرح الكثير من الحقائق التاريخية، التي تفند كون المستعمرات كانت متخلفة والتي تمنح شرعية للاستعمار في تحديث مستعمراته، أو ما يسمى بالدور التحديثي للاستعمار. التجارة مع باقي العالم كانت تتطور بخطة متلاحقة. وشيئاً فشيئاً كانت القوافل والسفن تنتقل من الربط ما بين شرق الصين وآسيا الوسطى، عبر شبه القارة الهندية، إلى أفريقيا وأوروبا. وكانت التنقلات تحدث على الأرض. الجميع سمع أسطورة طريق الحرير التي فتحت في القرن الثاني الميلادي، كما كانت تحدث على طريق البحر، أول بحرية صينية أنشئت سنة 1232 وتطورت إلى درجة أنها كانت تضم 52000 رجل، بعد قرن فقط من إنشائها.

وبالنسبة للهند، وإلى حملة فاسكو دي غاما(1498) ووصول البرتغاليين، فقد كانت تتحكم في الملاحة في المحيط الهندي وتسيطر على الطرق البحرية.وبالإضافة إلى كونهما كانتا قوتين اقتصاديتين، فقد كان العملاقان قوتين علميتين وتكنولوجيتين. إن تطور المعارف والتقنيات كان يوجد في هذه المنطقة من الكرة الأرضية. المثال الأكثر دلالة يظل هو الرياضيات، خصوصا مع رسالة العالم الهندي المتبحر أريابهاتا، التي كتبها في القرن الخامس، وأعمال تلامذته براهماغوستا وباشكارا. وقد حددت هذه الأعمال ضمن ما قامت به النظام العَشْري واستخراج الجذْر التربيعي والمكعبات، أولى مبادئ حساب المثلثات، والصفْر (الذي نسب خلال فترة طويلة إلى العلماء العرب الذين شهروه بطريقة ما). إن إسهام أريابهاتا حاسمٌ في ميدان علم الفلك. إنه يبيّن، قبل كوبرنيكوس، بعشرة قرون، أن الأرض تدور حول الشمس، وقسم السنة إلى 365 يوما، وبيّن قوة جاذبية الأرض (يجب انتظار نيوتن والقرن الثامن عشر، كي يتم الاعتراف بها في أوروبا)، وأخيرا قام باكتشاف رقم ط (النسبة التقريبية)....

وتواصل الباحثة عرض الحقيقة العلمية التي كان الصينيون قد وصلوا إليها: هذه الاكتشافات انتشرت في العالمين العربي والصيني، واغتنت بشكل متبادل. وهكذا، في القرن السابع الميلادي، سيعتبر الصيني يي كسينغ (672-717) أكبر عالم فلكي وعالم رياضيات في عصره، حسب العالم والمؤرخ جوزيف نظام، الذي قام بعمل موسوعي حول الاختراعات الصينية. لقد كرّس للأمر ثلاثين سنة من عمره، تاركا سبعة عشر جزءاً. وكانت قائمة الاختراعات مذهلة. لنذكر الورق، قبل المسيح؛ طباعة أول كتاب في العالم(ترجمة بالصينية لنصّ سانسكريتي، يعود إلى سنة 402)؛ الحفريات العميقة؛ الطباعة بحروف متحركة (قبل غوتنبيرغ بأربعة قرون)؛ صناعة الساعات الميكانيكية؛ صناعة الفولاذ، والتذويب، البوصلة(في القرن التاسع)، الجسور المعلقة، إلخ.

شيء من التاريخ

تستشهد الباحثة بأنغوس ماديسون، الذي يكتب في مُؤلفه: الاقتصاد العالمي: منظورٌ ألفي: إلى حدود القرن الخامس عشر كانت مختلف مجالات التقدم ترتبط بنقل التكنولوجيات من آسيا والعالم العربي.، ويذكر الباحث ماديسون ضمن مجالات التفوق الصيني على الغرب، بناء السفن ما بين سنتي 1405 و1453. كانت حملاتهم البحرية تستطيع الوصول إلى إفريقيا. أول حملة قادها زهينغ هي، الذي أطلق عليه لقب أدميرال بحار الغرب، تم إطلاقها سنة ،1405 قبل قرن تقريبا من فاسكو دي غاما، أول أوروبي استطاع أن يدور حول رأس الرجاء الصالح. العمليات البحرية الصينية كانت تروم إلى إبراز قوة وغنى الامبراطورية أكثر مما ترمي إلى القيام بعمليات تجارية. إن هذا الغياب للمحفزات التجارية والمالية هو ما يفسر من دون شك التخلّي السريع عن هذه الحملات وكذا التكنولوجيات المتعلّقة بها. كما أن انقسامات البلاط وتهديدات الغزو دفعت الامبراطور إلى التخلي عن البحر لفائدة اليابسة. وهكذا ستتخطى الهند الصين. وتصبح أكبر مشيدة للسفن في المنطقة. ولكن هذا لم يمنع الصين من توسيع أراضيها، ولكن الغزوات كانت تتم عن طريق البرّ. وفي نهاية القرن الثامن عشر، كانت الصين تسيطر على منشوريا ومنغوليا وتركستان الشرقية والتبت وتهيمن على فيتنام وكوريا وبرمانيا واللاوس وجزر ريوكيو(أوكيناوا).، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الهند، وتستعرض الباحثة بدايات تشكل الامبراطورية الهندية، فتتحدث عن الشكل الأول للوحدة مع امبراطورية مورايا في الهند الشمالية، 321 قبل الميلاد، ودامت إلى 185 قبل المسيح، ومن بين أهم أباطرتها البوذي أشوكا(269-232 قبل الميلاد)، وتميّز بتأليف منشورات، عبارة عن قانون للآداب موجه إلى حكام الأقاليم. وفيها يرى أن كل المعتقدات للشعوب الأخرى تستحق التبجيل لسبب أو لآخر. ويحدد بالتالي أن الملل الأخرى يجب تشريفها حسب الأصول في كل الظروف والمناسبات ويرى هذا البوذي، أيضا، أنه يتوجب إرساء علاقات ودية مع الشعوب المجاورة وتكريس قواها لفتح العقول وإرساء حكم العدالة الكونية[...]، وتنمية المناطق الخاضعة، وتكريس الضرائب لتشييد الطرقات والمستشفيات والآبار.. وتعلق الباحثة على الأمر، على هذه المقولات والحكم، بالقول: من المؤكد أنه لم يتم تطبيق هذه الأحكام، ولكنها تنمّ عن ضرورة سياسية ملحة لا تُطبق إلا نادرا في وقتنا هذا، على الرغم مما يقال لنا لامتداح ما يُسمى ب الحكامةgouvernance.. الغربية بالضرورة.

المرحلة الثانية من الوحدة الهندية تشكلت ابتداء من القرن الرابع مع توسع امبراطورية غوبتا (319-510)، التي عرفت دينامية فنية قوية، امتد إشعاعها إلى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والشرقية.

المرحلة الثالثة نشأت مع الأمراء المسلمين الذين سيحكمون الهند من 1206 إلى 1707 والمغول أكبر (1556-1605) هو الذي نجح في توحيد الامبراطورية وأرسى قواعد دولة حديثة. أقام إدارة حقيقية، مقسما الامبراطورية إلى خمس عشرة محافظة يسيرها حاكم وأربعة وزراء، مخترعا نظام تجميع للضرائب، سيستخدمه البريطانيون، لاحقا.

تستعرض الباحثة مظاهر من الحكمة الهندية، وتتحدث عن هذا الامبراطور المسلم في بلد أغلبية سكانه من الهندوس: كان واعياً بأنه يدير بلدا أغلبية سكانه من الهندوسيين، فاتبع سياسة انفتاح على النخَب غير المسلمة، وأشركها معه في الحكم. وأكّد أنه لا يمكن إزعاج أي كائن لأسباب دينية، وبأنه من حق أيّ كان اعتناق الدين الذي يشاء. ولا يفوت الكاتبة أن تذكّر أنه في هذه الفترة من التسامح الديني الذهبي في الهند، كانت فرنسا تضطهد المسيحيين البروتستانتيين.

دور الاستعمار الغربي

هذا في ما يخص الهند، أما الصين فتكتب الباحثة: أنها عرفت أيضا انتفاضات فلاحية مهمة، واجهت صعود زعماء الحرب. يضاف إلى هذا ما يسميه المؤرخ ألان روكس الرؤية المركزية الصينية للعالم، من قبل المسؤولين والموظفين الصينيين الكبار، الذين أبانوا عن نقص في الفضول تجاه الأشياء البربرية (المتوحشة). ويفسر المؤرخ أن الصين ساهمت، بطريقة حاسمة، في تشييد دول اليابان والفيتنام وكوريا، التي استعارت منها الكونفوشية والبوذية، وهو ما منحها نظرة استعلائية واستقوائية على الآخرين، وهو ما ساهم، من دون شك، في الاستخفاف بهؤلاء الأوروبيين، الذين اعتبرتهم برابرة. ولكن هؤلاء البرابرة بدأوا في كتابة صفحة جديدة من تاريخهم الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي والسياسي. حين انطلقوا لغزو أمريكا اكتشفوا مزايا التجارة الثلاثية(عبيد تم شراؤهم من القارة الإفريقية، وتم بيعهم في أمريكا لاستخدامهم كعمال في المزارع، شحنات من المنتجات النادرة في طريق العودة إلى أوروبا)، وهو ما ضاعف من الرأسمال. بالإضافة إلى الحروب التي لم تتوقف على مسرح القارة الأوروبية طوال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهو ما جعل المؤرخ البريطاني كريستوفر أي بايلي يقول: الأوروبيون أصبحوا الأفضل حين يتعلق الأمر بالقتل.

الاستعمار الغربي لم يكن فقط مُهدما للاقتصادات. إنه أيضا، وكما أشار إلى ذلك بافان ك. فارما: عامل تفكيك هوياتي. المٌستعْمَرُون يصبحون موضوع فضول داخلي وينتهي بهم الأمر إلى استبطان الصور النمطية عن أنفسهم التي يقدمها المُستعْمِرون أو المُستوطِنٌون. إنه سحقٌ ثقافي يظل راسخا في الذاكرات.

إننا نشهد، حاليا، في الهند كما في بريطانيا، تعددا للأشغال التي تستهدف مختلف وجوه الكولونيالية.

تقول الباحثة إنها لا تريد الادعاء بأنها تسرد ولا أنها تحسم هذا النقاش التاريخي والسياسي. لكنّ ثمة حقيقة لخّصها جيدا الكاتب ويليام دالريمبل William Dalrymple، بالقول: إذا كانت الامبراطورية البريطانية سهّلت أشغال السقي وأتاحت إنجازات تقنية كبيرة، من دون نسيان الوظيفة العامة، فإنها أشرفت على التدمير السياسي والثقافي والفني للهند، وعلى تدمير ثقة الهنود في أنفسهم.، وتَطَلبَ الأمرُ انتظار عقود عديدة من أجل الانطلاق في البحث عن الهوية الضائعة، من خلال اقتفاء طرق منحرفة أحيانا. ولكن الطريق مفتوحة.

وفي نهاية هذا الفصل تعود الباحثة إلى الاستعانة ب ويليام دالريمبل حين يكتب: إن الانبثاق الحالي للصين والهند ليس سوى عودة إلى التوازن القديم. إن إهانة الأمس غذّت شعورا قوميّا حيّا. دينامية اليوم تمنح الأمل في عالم يكون فيه لآسيا مكانُها الكامل.

النمو عند أقدام الصلصال

يبدأ كونفوشيوس، الفيلسوف الصيني العظيم، هذا الفصل بِحِكَمِه: إذا كنتم تفكّرون بتعبير سنة فازرعوا البذور؛ وإذا كنتم تفكرون بتعبير عشر سنوات فاغرسوا شجرة؛ وإذا كنتم تفكرون بتعبير مائة عام فَرَبّوا الشعب.

على الرغم من الإنجازات الاقتصادية المثيرة للزهو في كلا البلدين، فإن المسؤولين يُظهرون بعض القلق إزاء نفسية شعبيهما.وتقول الكاتبة ان التذمر قوي في الصين، وحتى المسؤولون السياسيون الصينيون لا يريدون إخفاءه الآن. وعلى الرغم من التصريحات المهدئة للرئيس الصيني هو جينتاو، قبل انعقاد المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر/تشرين الأول ،2007 حول البناء المتدرج ل مجتمع متناسق، فإنه خلال المؤتمر وعلى الرغم من سرده لنجاحات الحكومة، فهو دقّ ناقوس الخطر: يجب أن نكون واعين تمام الوعي بوجود فارق، لا يمكن تجاهله بين ما أنجزناه وبين ما ينتظره الشعب منا. [...] إن قدرة الحزب الشيوعي على ممارسة السلطة ليست على ما يرام.

النمو الاقتصادي أو ما تسميه الباحثة بالدينامية الاقتصادية، أحدثت بعض الاختراقات ولكن الفجوة بين الأغنياء والفقراء لا تفتأ تزداد.

قسم السكان الذين يعيشون بأقل من دولار واحد يوميا تقلص ما يقرب من عشر نقاط ما بين 1999 و2004 في بعض الولايات الهندية مثل البنجاب أو كيرالا نزل هذا الرقم إلى مستويات غير مسبوقة، أي إلى 6 في المائة في البنجاب وإلى 12،7 في المائة في كيرالا. ولكن في مجموع البلد فإن الفقر المطلق(أقل من دولار واحد يوميا) يظل كبيرا بحيث أنه يمس هنديا واحدا من بين ثلاثة هنود (34،3 في المائة)...، الوضعية في غاية البؤس: في المجموع، 80 في المائة من الهنود يتوجب عليهم أن يعيشوا بأقل من دولارين يوميا. وحدها قلةٌ زهيدة قادرة على تذوق مزايا الاستهلاك الجماهيري على الطريقة الغربية.، إلا أن ثمة شيئاً تحرص الباحثة على توضيحه بخصوص وضعية صعود القوتين الآسيويتين، وهو أن الهند على الرغم من أنها أكثر فقرا من جارتها الصين(أكثر فقرا مرتين)، فإن عدم المساواة فيها يبدو أقلّ منه مقارنة بالصين. فحسب مؤشر جيني Gini للبنك الدولي، الذي يرسي سلّما ينطلق من صفر(المساواة الكاملة) إلى 100(عدم التساوي المطلق)، فإن الهند تتموقع في مستوى 32،5 بينما تأتي الصين في درجة 44،7. وللمقارنة فالولايات المتحدة الأمريكية تأتي في مستوى 40،8 وفرنسا في مستوى 32،7.. صحيح أن الصين تظل تحت الأرقام القياسية لدول أمريكا اللاتينية ( 59،1 للبرازيل و58،6 لكولومبيا و57،1 الشيلي) أو الدول الإفريقية (57،6 لجنوب إفريقيا و50،6 في نيجيريا ).

الوضعية لا تبشر بخير، وهي دليل على أن الشعب كله لا يستفيد من النمو الاقتصادي الذي يُسيل لعاب حتى الدول الغربية، خصوصا في هذه الفترة القاسية من الركود الاقتصادي العالمي.صحيح، تقول الباحثة، أن مؤشر جيني، الذي يتيح مقارنات دولية، لا يحلل سوى فروق الاستهلاك، إلا أنه غير كافٍ لقياس حجم التصدعات الاجتماعية. وهكذا فحين نأخذ بعين الاعتبار خصائص أخرى من الحياة اليومية، من قبيل الوصول إلى العلاج والمدرسة، ونأخذ بعين الاعتبار أيضا بمؤشر التنمية البشرية(على الرغم من مظاهر قصوره)، فإن الهند تجد نفسها في أسفل السُلم في المرتبة ،126 أي بعيدا عن الصين(مرتبة 81) وبالكاد فوق برمانيا(مرتبة 130) أو بنغلاديش(مرتبة 137).

الهند لا تكرس ما يكفي من الأموال للصحة، فقط 8،4 في المائة من مجمل الناتج الداخلي، أي أقل بكثير من الدول المتقدمة(11 في المائة) ولكن مثل الصين التي تظهر نتائج أفضل. الهند تتوفر على 6 أطباء بالنسبة لكل 1000 مواطن، مقابل 1،5 عند الجار الصيني.وتتفوق الصين على الهند في كثير من الأشياء والميادين، وهو ما تستعرضه الباحثة. نجحت الصين في محاربة الأمية: 91 في المائة يعرفون القراءة والكتابة والعدّ. (...) قسم كبير من الأطفال (90 في المائة حسب برنامج الأمم المتحدة للتنمية) تتمدرس. ومبدئيا القانون في الصين يحرم تشغيل الأحداث الذين لم يتلقوا تسع سنوات من الدراسة الإلزامية. ولكن في الصين، كما تقول الباحثة: من السهولة الالتفاف على القوانين، التفاف لا يعرف حدا.

تأتي الهند، بشكل مباشر، خلف الصين في عدد الشباب في السلك الثالث من التعليم الجامعي، مظهرة مستوى عال من تكوين نُخَبِها.

تصل الكاتبة إلى مسألة العمل النقابي فترى وضعيتها السيئة في البلدين، وإن كانت الحالة في الصين أكثر قتامة، بسبب من ارتباط التنظيمات النقابية بالسلطة السياسية وبالحزب الشيوعي الصيني.

على خلاف المنظمات الصينية المرتبطة بالسلطة، فإن النقابات الهندية نشيطة، وخاصة في القطاع العام. يتعلق الأمر بمنظمات تخوض نضالات حقيقية، وبشكل خاص، من أجل حقوق المرأة، بما في ذلك أثناء العمل حيث تقل أجورهن عن أجور الرجال، وأحيانا يتعرضن لسوء المعاملة أو يمنعن من ممارسة بعض الوظائف (كنادلات في مقاه).

الحصيلة قاتمة شيئا ما في بلد التنين وبلد الفيل. إلا أن أجور الكوادر العليا في المناطق الأكثر تطورا ازدادت بقوة، في البلدين معا. هل يتعلق الأمر بوميض أمل للمستقبل؟