حين كنت صغيراً أشاهد أعمال الكرتون المتوفّرة على الشاشتين الصغيرة والكبيرة، كنت مستاء من مسلسل واحد فقط هو توم وجيري.

توم وجيري لم يسترع اهتمامي او رغبتي بالمشاهدة لسبب وجيه: صانعو الشخصيات وكاتبو الحكايات جعلوا الفأر أقوى من القط وأمكر منه وهو الذي ينتصر في كل مواجهة. القط هو الذي يأكل العصي وينفجر كالبالون او يحترق او يتلقى الضرب على رأسه من الكلب صديق الفأر.

أما الفأر فمهضوم الحق، كل ما يريده من الحياة هو أن يأكل الجبنة ويعيش في جحره. لا يستطيع أن يتعرّض للقط لأنه أكبر منه لكن حين يهاجمه القط فإن لدى الفأر الكثير من الوسائل التي يجيد فيها الدفاع عن نفسه.

لم يكن هذا عدلاً. كنت أقول في بالي. القط حيوان أليف ونظيف ومحبوب. والفأر لا يؤمن له ويسبب الأمراض.

بعد سنوات قليلة أصبحت في عمر يساعدني على أن أفهم قليلاً، تساءلت وأنا أفكّر في الموضوع عما إذا كان توم (القط) وجيري (الفأر) قصد بهما تشخيص حالة سياسية: لاحظ معي المواصفات الواردة أعلاه ولاحظ أن جيري قد يمثّل اليهودي المضطهَد وتوم القط المضطهِد. لاحظ مراوغة الفأر ودفاعه عن وجوده الصغير والمصوّر كما لو كان آمناً والقوّة التي ينتصر عليها. ثم بلغ التفكير حد سحب هذه المقارنة على الوضع العربي- الإسرائيلي وكيف أن إسرائيل كانت دائما ما تقدّم نفسها للعالم على أساس أنها ضحية دول عربية عملاقة تحيط بها من كل جانب وتريد إلقاءها في البحر.

في الأسبوع الماضي حذّر مرجع ديني من الإعجاب بشخصية ميكي ماوس وربطها بالشياطين وقال إنها من جنود إبليس التي من الواجب قتلها في الحل والحرم، كما قال.

وليس لدي مشكلة في عملية قتل الفئران وشاركت فيها صغيراً ثم كبيراً وببال مرتاح. ولو كان لدي منزل في مزرعة لاستعنت بطيور البوم التي لم يعد هناك من يحميها من الاندثار لأنها أفضل من يكتشف الفأر والجرذ ويقضي عليهما. المهم ليس هنا على الإطلاق، المهم هو أن الفأر جيري ظهر 1940 والفأر ميكي ماوس في 1928 ولم يثيرا اهتمام أحد الا اليوم.

والمسألة ليست مسألة توم وجيري وميكي ماوس على الإطلاق. صحيح أن ما يعرض منها اليوم لا يزال قادراً على التأثير في الصغار لكن هناك مخاطر أكثر بكثير مزروعة في البرمجة العشوائية لكل ما هو مستورد من الصناعة الفنية الرائجة.

إنه بنفس النَفَس يمكن ضم أي شخصية حيّة وليس كرتونية الى الخطر المحدق بنمو الطفل العربي ما دام شخصية تدعو الى العنف، والأنانية، والبطولة المزيّفة، والقتل، وتعريض الأرواح البريئة للخطر، قيادة السيارات بسرعة، استخدام المتفجّرات للتخلّص من الأعداء، وتقسيم العالم الى أبيض وأسود، وأخيرا، وليس آخراً استخدام الكلمات النابية.

إنه من المسيء للطفل وللناشئة مشاهدة المرأة في الأفلام وهي تؤدي شخصيات بالغة القوّة، لا القوّة النفسية، بل القوّة الجسدية فتضرب وتهز الأبدان وتقتل إذا كان لابد وتفعل ما يفعله الرجل الذي كثيراً ما أخطأناه على أفعاله.

أي شاب سيخرج الى الحياة اذا ما نظر الى هذا الرجل وتلك المرأة وخاف منهما وحصّن نفسه بالاقتداء بهما في ذات الوقت؟

لكن الذم والمنع والتحريم لا يمنع. قد يحد قليلاً، لكنه لا يمنع.

ما الذي يمنع؟

ما قلته دائماً وردّدته: توفير السينما الراقية ذات الذوق الرفيع والفن الذي ينمّي المواهب والمواضيع التي تطوّر العقول والأعمال التي من شأنها توفير إنسان أفضل. مع السينما هناك الفنون الأخرى جميعها وكذلك الكتاب، وهي كلها معرّضة لهجوم الداعين لمحق وسحق الثقافة وترسيخ عالم مؤلّف من متطرفين فقط سواء أكانوا مع الدين أو ضده.

والمستفيد من سينما الهزل الذي نراه ينتشر في أفلام دول عربية هو ذاته الذي لا يعباً بمستقبل البلاد. ذاك الذي إذا استطاع جمع ثروة من وراء المبغضات لفعل (وكثيرون منهم يفعلون) والذي اذا استطاع قضى على الثقافة لأنها خطر عليه كونها ستنشىء مفكرين.

الأمر كله بحاجة لمراجعة، لكن الخطر، داخلي او خارجي، يمكن ضحده بالثقافة والفن السليم ونشر المعلومات. هذا وحده يتكفّل بكل شيء.

[email protected]

shadowsandphantoms.blogspot.com