شكّلت علاقة الفنان ببحثه اللوني مضمون ورشة دراسات لونية متنوعة التي أقيمت مساء أمس الأول في بيوت الخطاطين ضمن إطار الفعاليات المتواصلة لمهرجان الفنون الاسلامية طريق الحرير. وأدار الورشة الفنان محمد نوري حيث شكلت موضوعة الجدارية المرتكز الأساسي في الورشة التي انقسمت إلى قسمين نظري وعملي.
وأوضح نوري منذ البداية مفهومه الخاص للجدارية فقال: تحمل الجدران ذاكرة الأزقة والمدن، وخاصة القديمة منها، هذه الجدران التي امتلأت بكتابات الأطفال، والملصقات، وما زالت تتحدى عوامل البيئة والزمن، ومن هنا فالجداريات هي توثيق فني لذاكرة المدن فبعض تلك المدن يعود عمرها إلى مئات السنين ومنها ما زال يحتفظ بالكثير من الكتابات التي تعود إلى العصر العباسي وعصر المماليك، والفنان لديه اليوم تقنيات حديثة تمنحه القدرة على تشكيل لوحة جدارية، وتبقى المسألة الرئيسية هي الرؤية الخاصة للفنان في تشكيل جداريته.
هذا المدخل النظري للفنان نوري كان بمثابة مدخل إلى مضمون الورشة العملي إذ أخذ بالعمل على تشكيل جدارية واختار مادة الكرتون أرضية لها، وأوضح أن اختيار المادة التي سوف تشكل أرضية الجدارية تفرض على الفنان بعضا من الخيارات اللونية، وذكر أن الأرضية يمكن أن تكون من القماش أو الكرتون أو الخشب، وأن الألوان الرئيسية المستخدمة هي الأكليريك وذلك لتمتعها بخاصية الجفاف السريع وهي مواد فنية وليست تجارية، ومن ثم تأتي مرحلة تعتيق العمل لإعطاء الإيحاء بالقدم الزمني للجدارية، ومن بعض المواد المستخدمة في عملية التعتيق قشور الجوز وألوان مستخرجة من التراب والأشجار.
وأوضح نوري للحضور أهمية البحث اللوني الخاص لكل فنان في عمله على موضوع الجدارية، ذاك البحث الذي يجب أن يتضمن طريقة خلط الألوان وتحضيرها إلى جانب البحث في مدلولاتها والشحنة العاطفية التي تولدها عند المتلقي.
وعند سؤاله عن تاريخية الجدارية كفن قال: لقد عرف فن الجدار في الحضارة العربية الاسلامية، ويعود في أصوله إلى تدوين يحيى بن محمود الواسطي لمقامات الحريري ولقد استوحى بعض الفنانين العالميين أفكارهم من الجداريات العربية مثل الفنان الاسباني باتيس الذي تأثر بالمدن الاندلسية، واليوم تنتمي الجدارية إلى فضاء الفن التشكيلي أكثر من انتمائها إلى الحروفية.
وأضاف نوري مؤكدا على ضرورة البحث اللوني المستند إلى رؤية فكرية وجمالية فالجدارية حسب رأيه تمتلك كل مقومات الخطاب البصري، وأخذ على الكثير من الفنانين الذين وقعوا في اشتغالهم على الجدارية في فخ الزخرفة والتزيين.
وعما يخصه كفنان من اللوحة الجدارية قال: لا أنشد الجمال الشكلي في اللوحة، بل ما هو حقيقي، فالجمال هو مفهوم لا يتطابق مع التنميق، وإنما مع الصدق في التعبير الفني.