أثار الهجوم الذي قام به حوالي 350 من عناصر الكردستاني على موقع عسكري في نقطة الصفر على الحدود التركية مع العراق وإيران، ردود فعل عنيفة في الشارع التركي لأنه جاء بعد العديد من بيانات رئاسة الأركان التي قالت إن الجيش التركي الذي يقوم بعمليات برية وجوية منذ 16 ديسمبر/كانون الأول الماضي قد دمر جميع مواقع ومراكز ومخيمات الحزب الكردستاني شمال العراق. كما أثار الهجوم الذي بدأ في ساعات النهار ضد موقع محصن جدا، نقاشا مثيرا في الأوساط الاعلامية والسياسية والشعبية التي تساءلت كيف استطاع المسلحون الأكراد القيام بمثل هذا الهجوم الجريء، ودفع المسؤولين الأتراك لبحث سلسلة من التدابير والاجراءات العملية العاجلة التي ستتخذها أنقرة قريبا في هذا الموضوع.
يعرف الجميع أن الكردستاني قد قام بهجومه الأخير ليثبت للجميع أنه مازال قويا ويملك المبادرة ضد تركيا على الرغم من كل إمكانياتها العسكرية الكبيرة جدا، حيث أضاءت واشنطن وبغداد وأربيل لها الضوء الأخضر للقيام بعملياتها البرية والجوية ضد مواقع الكردستاني شمال العراق. وأراد الكردستاني من هذا الهجوم أن يقول أيضا لكل القوى الأقليمية والدولية إنه مازال ورقة مهمة في مجمل معادلات وحسابات المنطقة طالما أن واشنطن تضع العديد من السيناريوهات ضد إيران، حيث يضم حزب العمال الكردستاني حوالي 700 من أكراد إيران كما هي الحال بالنسبة لسوريا، حيث يضم الحزب حوالي 1000 من أكراد سوريا أيضا. في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني لا ولن يتعاون مع أنقرة بشكل مباشر ضد الكردستاني الذي سيبقى ورقة مهمة بيده ويد أكراد العراق عموما للمساومة بها مع أنقرة في موضوع كركوك التي يعيش فيها التركمان. وسبق للبارزاني أن قال إنه إذا استمر حديث الأتراك عن كركوك فنحن أيضا سنتحدث عن دياربكر وهي المدينة التي يعتبرها الأكراد عاصمة كردستان تركيا.
ودون أن تمنع كل هذه المعطيات الحكومة والدولة التركية من التفكير بتدابير جدية وعملية سريعة لحسم موضوع الكردستاني مهما كلفها ذلك. وهو ما قاله الرئيس عبدالله جول للرئيس العراقي جلال الطالباني خلال حديثه الهاتفي معه ليلة أول من أمس، حيث يعرف الجميع أن أنقرة تخطط لعمليات برية وجوية شاملة ضد الكردستاني في شمال العراق الذي يخطط الجيش للبقاء فيه الى أن تضع القوات الأمريكية والميليشيات الكردية العراقية والجيش العراقي حدا نهائيا لتواجد عناصر الكردستاني هناك. ودون أن تتجاهل أنقرة اقتراب موعد الانتخابات البلدية العامة في مارس/آذار المقبل حيث يخطط رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان للسيطرة على جميع محافظات ومدن جنوب شرق البلاد التي يسيطر عليها الآن أتباع حزب العمال الكردستاني. ويتخوف أردوغان من أن يستفز العمل العسكري التركي ضد الكردستاني في شمال العراق، وكذلك العمليات العسكرية المستمرة في جنوب شرق تركيا، الشعور القومي لدى الأكراد الذين صوت الكثير منهم لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية في يوليو/تموز الماضي، وذلك بسبب مقولات أردوغان الايجابية فيما يتعلق بحل المشكلة الكردية سياسيا وسلميا وأخويا في إطار القواسم الدينية المشتركة. وهو ما يسعى حزب العمال الكردستاني لعرقلته لأن مثل هذا الحل سيكون كافيا لإنهاء شعبيته في جنوب شرق تركيا حيث نجحت حكومة أردوغان في حل الكثير من مشاكل المنطقة الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتعليمية والخدمية. في الوقت الذي يغيب فيه عن أنظار الكثيرين أن المشكلة الكردية في تركيا ليست بهذه البساطة والسهولة، طالما أن القوى الإقليمية والدولية مازالت كما كانت منذ 100 عام تتدخل في هذه القضية.