أكد السفير الدكتور يوسف الحسن في ورقة قدمها خلال ندوة مرافقة لمعرض الشارقة الدولي للكتاب عقدت مساء يوم 31 اكتوبر/تشرين الاول الماضي بعنوان حوار العرب والمتغيرات الثقافية أن الثقافة العولمية تحاول تفكيك بنية ما يسمى الثوابت الثقافية، مشيراً الى ان المعرفة الحقيقية كمعيار للرقي الانساني هي الاستثمار في انتاج المعرفة وطنياً، وقال انه في ظل ثورة المعلومات والثقافة والعولمة الاقتصادية تدفقت منظومات قيم وأفكار عبر حدود الدول من دون قيود أو رقابة .

وتحدث الدكتور الحسن في ورقته عن المنظومات الثقافية البديلة التي برزت ومنها ثقافة المال، وثقافة الصورة، وثقافة الترفيه، كما اشار الى تراجع ثقافة الرأي والنقد . وتالياً نص الورقة:

(1)

في سياق التحولات الكونية العظمى، التي تجتاح العالم عمقاً وشمولاً، تجتاز الثقافة العربية في المرحلة الراهنة، منعطفات مفعمة بكثير من عناصر التحدّي، والاختراقات البنيوية والوظيفية .

البعض منا يعتقد أن الثقافة غير قابلة للاختراق، أو أنها ستبقى منيعة، وستظل صمّام الأمان الأخير لدى الشعوب المستهدفة من النظام العولمي الجديد . وقد أوجد هذا الاعتقاد حالة من الارتياح، وربما الاطمئنان عند العرب، باعتبار أن بنية الشعوب تظل لصيقة بها كجلودها . فضلاً عن اعتبار التراث العربي الإسلامي، من الثوابت التاريخية والمعرفية، الحاضرة للحفاظ على هذه الثقافة الأصيلة، وبخاصة أن اللغة العربية هي الحامل اللغوي والحضاري لهذه الثقافة .

والأمثلة من التاريخ كثيرة، تشير إلى هذا الاعتقاد:

* أخذ الإغريق الكثير عن الفرس، بعد أن سقطت المدن اليونانية، لكن اليونان عادت في النهاية إلى أساطيرها وحكمتها وفلسفتها، ونسيت ما أخذته عن الفرس .

* اليابان، أخذت عن الصين ديانتها وتقاليدها الإمبراطورية وحروفها، لكنها استعادت هويتها وتقاليدها في ما بعد .

* مصر، تأثرت بالعثمانيين، وتشبّهت بباشاواتهم وعاداتهم، لكنها عادت إلى مصريتها وهويتها الاجتماعية والثقافية .

* روسيا، في العهد الشيوعي، وبالعنف الثقافي والفكري، شلحت ثوب القيصرية الأرثوذوكسية، لأكثر من سبعين عاماً، لكنها عادت منذ عقد، أو أكثر، إلى أرثوذوكسيتها وقوميتها .

* تفرنست الجزائر، لأكثر من خمسة أجيال، لكنها ما لبثت أن عادت إلى عروبتها وإسلامها .

* كذلك، عادت تركيا، أو كادت، بعد سبعة عقود من العلمانية المتطرّفة، إلى ثوابت دينها وثقافتها .

. . . . . . . .

. . . . . . . . الأمثلة كثيرة في التاريخ وفي الجغرافيا .

(2)

قبل قرن أو أكثر، اصطدمت الثقافة العربية، بالحداثة الغربية الوافدة في ركاب الاستعمار . لكن هذه الثقافة العربية، وهي تحاول اكتشاف منظومة الآخر الثقافية، تماسكت، وبدأت تستوعب هذا الوافد الجديد، وبخاصة الانفتاح على حقائق علمية مذهلة وعلى قيم عصرية أطلقتها المدنية الحديثة، كالحرية والديمقراطية والقومية، وخرجت بأفكار إصلاحية، توازن بين ثوابت الثقافة والموروث، وبين متطلبات العصر . إلاّ أن هذا الأمر لم يطل كثيراً، تحت وقع تطورات الأوضاع في الوطن العربي وفي خارجه .

أما حال اليوم، فهو مختلف على صُعُد عدة . فالشكل الجديد للحداثة، يتخذ شكل الثقافة العولمية:

* إيقاع الضغوط أكثر تسارعاً، وأكثر سطوة .

* كثافة الضغوط هائلة، وتأثيراتها أعمق نفاذاً .

* العولمة مسلحة بأحدث طاقة تكنولوجية وعلمية وإعلامية واقتصادية .

* سلطان الصورة المعولمة الزاحفة عبر الفضاء، صارت بديلاً عن سلطان المدرسة والأسرة، أو المسجد، أو حتى الجريدة .

* ثورة هائلة في المعلومات والاتصال والإعلام المرئي .

في المقابل، هناك حالة شرخ عمودي، وخلخلة كبيرة، والدفاعات ضعيفة في النسيج الاجتماعي والثقافي، وحالة من اختلال التوازن، وغياب المشروع الثقافي الحضاري الجامع .

وقد صاحبت سطوة الثقافة العولمية محاولات لتفكيك بنية ما يسمّى الثوابت الثقافية، وبروز حالة ضمور وترهّل وسبات، في مراكز البحث والإبداع والعلم والثقافة، وتداعيات تسليع الثقافة، وجعلها مقترنة بمفهوم السلعة التجارية .

هذه المظاهر السلبية، من السهل علينا ملاحظتها وقياسها .

من السهل معاينة تعليمنا، مثلاً، وهو يصنع عقولاً راكدة، لا تعرف السؤال النقدي، ولا تبني فيه المناهج قيم العمل والإبداع، ولا يحثّها على التفكير والإحساس بالمسؤولية المجتمعية، وتجاه الآخر .

من السهل، مثلاً، معرفة حال الترجمة في وطننا العربي، حيث نترجم إلى العربية في كل عام، بمعدل كتاب واحد لكل مليون من السكان . في حين أن إسبانيا تترجم ألف كتاب لكل مليون من السكان . وتترجم اليابان سنوياً أكثر من 30 مليون صفحة . وتعاقدت اليابان مع كبريات دور النشر العالمية، لإصدار طبعة باللغة اليابانية من كل إصداراتها، حال صدورها بلغتها الأصلية .

أما النشر، فحدّث ولا حرج . فإن عدد الكتب المنتجة في الوطن العربي، لا يزيد على 1،1% من الإنتاج العالمي، رغم أن العرب يشكلون نحو 5% من عدد سكان العالم .

ومن الخطأ الاعتقاد بأن المعرفة، هي مجرد الحصول على معلومات، أو استيراد نتائج العلم، أو الركون في تكوين الكوادر العلمية على مجرد التعاون مع الجامعات ومراكز البحث في البلدان المتقدمة معرفياً .

إن المعرفة الحقيقية، كمعيار للرقي الإنساني في الطور الراهن لتقدّم البشرية، هي الاستثمار في إنتاج المعرفة وطنياً، وخلق التقاليد العلمية والنقدية، المؤدّية لاكتساب المعرفة وإنتاجها . فالمعرفة لا تنمو في فراغ، بل في سياق ثقافي وتاريخي ومجتمعي .

من ناحية أخرى، تبدو الصعوبة غير قليلة، في معاينة التغيّرات على المستوى الثقافي . فهي، أولاً، لا تسير في خط متصاعد، أو بصورة متواصلة . وهي، ثانياً، تسير وتؤثر بشكل بطيء، على عكس التحوّلات التي تطرأ على الجوانب المادية والاقتصادية والسياسية في الحياة البشرية . وهي، ثالثاً، تتعامل مع مفاهيم ثقافية، اتسعت وتنوّعت إلى حقول جديدة، وانتشرت صناعتها، وبرزت صناعة الإعلام فيها، وفي ترويجها بشكل غير مسبوق، حتى صارت سلعة خاضعة لمنطق السوق، وتجاوزت حدود الدول والخصوصيات . وهي، رابعاً، تلامس، أو تؤثر في مرجعيات متعدّدة للثقافة الوطنية، بدءاً من مرجعياتها العُرفية، ذات الصلة بتقاليد المجتمع وأعرافه وعاداته، والتي تخضع للتطوير والنقد معاً، ومرجعياتها الأخلاقية والتربوية، التي تشمل المثل العليا والفضائل الأساسية، وانتهاءً بالمرجعيات المعرفية القائمة على البحث والمعارف الإنسانية، والمرجعيات الجمالية، التي تتطوّر عبر الزمان والمكان .

(3)

في ظل العولمة الاتصالية، وثورة المعلومات والثقافة، تدفقت منظومات قيم وأخبار ومعارف وأفكار وأنماط حياة، عبر حدود الدول وفضاءات الأمم، ومسامات الثقافات، من دون قيود ولا رقابة . وكلها تدفقات تحمل في طياتها تفاعلات معقدة، تؤثر بشكل أو بآخر، في ثقافة الإنسان العربي وهويته . قد يأخذ بعض المجتمع بنتاجها التقني، وبعضه قد يعيد إنتاج مركباتها الثقافية، وبعضه قد يتعامل معها بحساسية، وربما بانطواء، وقد يتساكن فيها القديم مع الجديد .

لكن في كل الأحوال، ومع مرور نحو عقد أو أكثر على تفاعلات الثقافة العولمية، تمكن ملاحظة عدد من الظواهر، التي نخشى أن تتوطن في النسيج الثقافي والاجتماعي، في ضوء امتداد زحف آليات الثقافة العولمية، ومحاولاتها إعادة صياغة التواصل الإنساني، وإلغائها المكان، واختصارها للزمان، وعرضها، بل فرضها بالإغراء المسلح بتقنيات الاتصال والتوزيع الحديثة، منظومات ثقافية - قيمية بديلة .

وقد اخترت عدداً من هذه المظاهر:

(1) ثقافة وول ستريت (WALL STREET)

وهي ثقافة المال، التي صارت حلم الشباب، بعد أن كان حلم الأكفاء منهم، أن يتخرّج طبيباً أو مهندساً أو عالماً . وقد صار الحلم الآن، هو العمل في أسواق المال والسمسرة . وهي ثقافة خطرة أفسدت حتى النظام المالي العالمي للرأسمالية , وأدّت إلى جعل رجال المال والأعمال سادة المجتمع . ووضعت المكاسب الفردية والخلاص الفردي، على رأس الأولويات، ولها الأسبقية على المصلحة العامة .

وأفرزت هذه الثقافة، قيماً ومنظومات حكم مغايرة، اتسع خلال سطوتها الفقر، وارتفعت نسبة البطالة، وشاعت معها ثقافة البذخ الاستهلاكي، وعقلية المقامرة، والإنفاق غير المحدود، وغير المقبول، أخلاقياً واقتصادياً وتنموياً وسياسياً .

لقد أدّت ثقافة الوول ستريت، والمضاربات المجنونة، إلى تأليه السوق المنفلتة بلا ضوابط ولا شفافية، وأدّى ذلك إلى إضعاف الدولة ورقابتها ودورها الخدمي والتنظيمي والراعي الاجتماعي .

(2) سيادة ثقافة الصورة:

لا تعرض العولمة ثقافتها، بل تفرضها من خلال الإغراء المدعوم بأحدث تقنيات الاتصال، واللجوء إلى الصورة بدلاً من الثقافة المكتوبة .

وقد أسهم أيضاً في سيادة الثقافة المرئية، يُسرها وسهولة التعاطي معها، خلافاً للنمط المكتوب الذي يتطلّب كفاءات لغوية ومعرفية . وقد شجّعت هذه الثقافة الفرجة والاستعراض والمتعة، خلافاً للثقافة المكتوبة التي تدعو للتأمل والتفكير .

كما قدّمت الثقافة المرئية، قيمها المتعولمة، كقيم الكسب السريع، والاستهلاك، وثقافة اللحظة الزائلة، وأخرى مغايرة .

وقد أثرت سطوة الصورة في ثقافة النقد، خاصة النقد الأدبي والثقافي والسياسي، وهو النقد الذي يتطلّب جهداً علمياً، ووعياً ووقتاً وحفراً في الأعماق، لا يتوافر لمن يلهث خلف المقابلات والندوات الفضائية .

(3) ثقافة الترفيه:

شجعت وروّجت الثقافة العولمية، الذهنية الترفيهية، ووسعت آفاق المبادرة الشخصية للتسلية والترفيه، كما وفّرت وسائط اتصال حديثة للتسلية الفردية في مجالات الغناء والموسيقا والأفلام، (هاتف نقّال فيديو كمبيوتر محمول . . . إلخ) .

وفي المحصلة تراجعت ثقافة الرأي والنقد وضعفت الثقافة المدنية التي تؤسس لقيم العمل التطوعي، والعمل الجماعي، والذهنية الإنتاجية، وتقدمت ثقافة المتعة والغرائز .

كما أدى شغف الأجيال الجديدة، بأدوات العولمة من انترنت وفضائيات، الى انكماش عادة المطالعة، وأصبحت المعرفة عامة، وجرعة الثقافة (رغم سرعة الحصول عليها) ذات نوعية هابطة، وتراجع الاهتمام بالإبداع الثقافي، وخاصة الإبداع التجريبي والطليعي والجاد، في مقابل الإقبال الشره على التسلية والاطلاع العابر ونجوم الترفيه، بعيداً عن قيم الجمال والإبداع العالي .

لقد انهزمت السيمفونية أمام صرعة الغناء الجنوني، وانهزم الفن السينمائي الراقي أمام قيم هوليوود السينمائية .

(4) أُفول النخبة:

تتوجه الثقافة العولمية مباشرة إلى القاعدة العريضة من الناس، ولا تتوقف للجدل مع النخبة، بمعنى أنها شعبوية، وغيّرت النظرة إلى المرجع الذي يُحتكم إليه، أو يوجه سلوك الأشخاص وطموحاتهم . ففي العقود السابقة، كان المفكر أو المثقف أو السياسي أو الأديب أو الأكاديمي، هو النموذج المؤثر في المجتمع، أما في أزمنة العولمة، فقد أصبح النموذج (القدوة)، هو نجم الرقص والموضة ولاعب الكرة والغناء والسمسار . وفي الاستطلاعات التي تنشرها الصحف العالمية، في نهاية كل عام، عن الشخصيات المحلية أو الدولية المؤثرة في العالم، تجد الكثير من نجوم الفئات المذكورة .

ولا يكتمل المشهد، إلاّ بملمح آخر كوني، هو نوع من الضجيج الثقافي، ويشكل صعوبة أمام المواطن لالتقاط الأفكار والثقافات النازلة على رأسه وفؤاده كالمطر، حيث يصعب عليه حتى التقاط أنفاسه . وتنشأ في ظلال هذا الضجيج، علاقة متفككة بين مادة هذا الضجيج والمجتمع، يصعب خلالها صياغة أسئلة وأجوبة جوهرية عن هذه العلاقة .

(5) ظاهرة ثقافة البنى العصبوية:

يُلحظ الآن في مشهد خريطة الاجتماع الأهلي العربي، بروز او استيقاظ تكوينات اجتماعية/ ثقافية /سياسية عصبوية (طائفية مذهبية /عرقية)، تبدو منحدرة من عهد ماقبل المجتمعات الحديثة .

إن هذه البُنى العصبوية، تبدو اليوم مغلقة على بعضها، أو منغلقة على غيرها، وتحمل معها معضلات حادة تطال وحدة المجتمعات واستقرارها السياسي، خاصة حينما تتحول تلك البُنى، إلى كيانات ذات طبيعة مؤسسية في مقابل غيرها، على صعيد وعيها الثقافي بذاتها . وتكمن المخاطر في هذا الظاهرة، أن هذه الكيانات المغلقة، تسعى لتكون مكتفية بذاتها من خلال ما تستقل به من مؤسسات خاصة بها (تعليمية إعلامية تثقيفية اجتماعية إثنية أحزاب مذهبية)، تنتهي إلى مطالبة بتصميم نظم سياسية بمقتضى المحاصصة المذهبية والإثنية، وتحت شعار مايسمى المشاركة .

إن أسباب بروز هذه الظاهرة، معروفة، تبدأ من غياب المشروع السياسي الثقافي الوطني، وتنتهي في ضعف نظام المواطنة، مروراً بعوامل خارجية ضاغطة، وتلعب الثقافة العولمية دوراً منشطاً ومروجاً لهذه الظاهرة .

(6) علم بلا ثقافة:

إذا ما وافقنا على أن هناك توجهاً بصورة ما في الوطن العربي نحو الأخذ بالعلم في تعليمنا وكلياتنا ومعاهدنا العلمية، فإننا سنفاجأ بانفصال العلم عن الثقافة بمستوياتها المادية والمعنوية . ونعني بهذا الانفصال أن التعليم التقني السائد، هو تقديم العلم كقوانين فقط، حيث يرسخ في الذهن الميل نحو النظرة الجدية المغلقة والشعور بامتلاك الحقيقة، ومن ثم الاستعداد للتعصب للرأي، ورفض الرأي الآخر .

هل هذا يفسر لنا، لماذا أصبحت الكليات العلمية والتقنية مرتعاً للتطرف والغلو؟ حيث في هذه الكليات، لا انفتاح على التراث والثقافة الوطنية، ولا على الفكر النظري المعاصر، ولا مكان للأسئلة النقدية أو الحس بالتاريخ والأدب والجغرافيا . . . إلخ .

وحينما نتذكر أن ثروة الأمم، تكمن في تعليمها، وهي ثروة غير ملموسة، وتشكل نحو 77% من الدخل العالمي، فإن السؤال الذي يطرح علينا، هو أي نوع من التعليم نريد؟

هل يكفي أن تعمم العولمة ثقافة الخلاص الفردي، والمصلحة الذاتية، من خلال ترويج علم بلا ثقافة، فيقبل عليه العالم، ونحن جزء منه، ويتم تغييب التفكير والإحساس بالمسؤولية تجاه الآخر؟ لقد استدركت بعض الجامعات مؤخراً هذه الإشكالية المتعولمة، فقامت كلية الطب في جامعة شيكاغو، بفرض مساقات إلزامية في الأدب والفنون والعلوم الاجتماعية، كذلك فعلتشةح الشهيرة، بعد أن أدركت هذه الجامعات، بأن تحديات القرن الواحد والعشرين مختلفة . . وقام بعضها بالطلب من طلابها في السنة الأولى بقراءة كتاب (جلجامش) . وشجعتهم على التأمل في الثقافات المتنوعة، والتحدث والتعبير والنقد، وإعداد الطالب للتفاعل الايجابي مع مجتمعه .

إن العالم اليوم لا يواجه مشاكل تقنية، وإنما التحدي الأكبر، يتمثل في فقدان الإحساس بالمسؤولية، حيث يبتعد الضمير الإنساني عن العقل .

(7) الخطاب الثقافي العولمي:

حمل الخطاب الثقافي العولمي، مفردات جديدة، فالمستهلك حل محل المواطن، والسلعة الثقافية حلت محل المنتج الثقافي، . . . وغيرها .

كما دخلت مصطلحات جديدة، كالمجتمع المدني، والجندر، وحقوق الأقليات والتنوع والتعددية .

من ناحية أخرى، أدى التطور الهائل في وسائل الإعلام المرئي والمقروء، نظماً وإدارة وإمكانات، إلى أن يصبح خطابها الثقافي المعولم، هو المؤسسة التربوية والتعليمية التي حلت محل الأسرة والمدرسة، فهي التي تلقِّن الأجيال، منظومات مسلكية ومعرفية وقيمية مغايرة، بغض النظر عن ماهية المعلومات والأنساق القيمية التي تتدفق .

لقد تراجع دور المؤسسات (أسرة مدرسة مسجد تجمعات أهلية إعلام محلي . . . إلخ)، التي كانت تصوغ قيم الأفراد، وتعيد إنتاج وعيهم وسلوكهم، في إطار وعي وسلوك الجماعة الوطنية والدينية والاجتماعية التي ينتسبون إليها، وتشكل في نهاية الأمر، شخصيتهم الجماعية، وتحميها من المؤثرات والمفاعيل الخارجية .

إن عدد الساعات التي ينفقها الجيل الجديد يومياً للمشاهدة التلفزيونية أو الانترنت، هي أضعاف الوقت الذي ينفقه في تلقي التربية والتثقيف من المصادر والمؤسسات التقليدية .

هل الجديد المعولم ، يبني شخصية متزنة ومتوازنة للمشاهد، بأبعادها الروحية والعقلية والخلقية والحس بالجمال وخدمة المجتمع، ويبلور انتماءه وهويته الوطنية، ويوفر له القدوة الحسنة والنموذج الأفضل ؟

أسئلة واضحة، وأجوبتها لم تعد محيّرة .

. . . . . . . . . أكتفي بهذه الظواهر السبع، التي أخشى أن تتوطن في نسيجنا الثقافي والاجتماعي، ولنتذكر أن الممانعة حتى الآن، لمثل هذه الثقافة العولمية، لم تتجاوز حدود (الانطواء)، كشكل من أشكال مقاومة التذويب، وقد اتخذ هذا الانطواء عدة أشكال لإثبات الاختلاف عن الآخر العولمي، من بينها الدفاع السلبي عن النفس، من خلال الانكفاء إلى الماضي، ورفضاً لقيم العصر، وعلى سبيل المثال، عاد البعض إلى الصوفية وخاصة في بلاد المغرب العربي، كما عاد البعض إلى اللباس التقليدي، وزاد التمسك بالحجاب وغير ذلك .

كما اتخذ البعض وسائل أكثر حدة، مثل الغلو في التدين، والتعصب العرقي، ورفض الأجنبي . .إلخ، ويبقى السؤال الجوهري، ما العمل؟ هل نبقى أمام هذا الطوفان مشدوهين فاغري الأفواه، أم علينا امتلاك الإرادة المستندة إلى وعي بمخاطر هذه المتغيرات، والمشاركة الفاعلة في صنع الموقع الثقافي والمجتمعي الذي نريد في مسار هذا العصر؟

. . . . . .

أقول قولي هذا . . . واستغفر الله لي ولكم .

والسلام عليكم .

_