تدور قصص وأحاديث كثيرة حول الزواج الفني يكتنفها الغموض، وتلفها الشائعات والأقاويل في أغلب الأحيان، يتتبع البعض هذه الأخبار بفضول، ويفضل آخرون أن يعتبروه زواجاً عادياً، ولكن له سماته التي يفرزها الوسط، فللعمل الفني همومه وشجونه وأجواؤه الخاصة، والمشاركة في الأعمال الدرامية تتطلب من الفنان الوقوف أمام الكاميرا لساعات طويلة على مدار أسابيع وشهور أحياناً، وبالتالي الغياب عن البيت والحياة الأسرية والأولاد، ونظراً لظروف هذه المهنة الشاقة يتجه البعض للارتباط والزواج من الوسط نفسه لأن الشريك مطلع على تفاصيل العمل، فقد يؤدي ذلك إلى تفاهمهما أو على العكس غيرة أحد الطرفين من نجاح الآخر أو غيرته من أجواء الوسط نفسه، أو ربما إلى أسباب عديدة تودي بانسجامهما ويكون الطلاق حسب رأي البعض هو الوجه الآخر للعملة في الزواج الفني.
يرى البعض أن زمالة الزوجين في المهنة، وخصوصاً في المجال الفني، تنتج عنها مشكلات لا تنتهي، ويتمحور معظمها حول الغيرة والتنافس والأمور المالية والبعض الآخر يفضل الاقتران بشريك الحياة بعيداً عن أضواء الفن وفي حال كان الزوج فناناً، والزوجة بعيدة عن الوسط، تسعد لأنه اختارها وتستمد شهرتها منه أحياناً، أما العكس فغير صحيح دائماً بالنسبة للرجل، فعقدة زوج الست تلعب دوراً في هذا الإطار، ما يسهم في خلق جو من المشكلات والخلافات.
الوسط الفني السوري أقل صخباً من الناحية الاجتماعية من الوسط الفني المصري على سبيل المثال، والذي تتزوج فيه بعض الفنانات خمس أو ست مرات من الوسط نفسه، ويكون الطلاق هو الحل الأسرع غالباً لحسم الإشكالات، وبعض الزيجات لا يستمر لعدة أيام.
وعلى أية حال فكرت في الكتابة عن هذا الموضوع وجوانبه وخلفياته فاصطدمت بعائق الخصوصية عندما اتصلت بالعديد من الفنانات اللواتي اعتذرن بكل تهذيب، معتبرات أنه كأي زواج عادي، وأبدين عدم رغبتهن في التطرق لهذا الجانب من حياتهن الفنية، وأذكر منهن الفنانة سلاف فواخرجي التي اعتبرته موضوعاً جد عادي ولا تفضل التطرق إلى تفاصيله، والأمر نفسه ينطبق على الفنانة يارا صبري التي اعتذرت عن نفسها، وكذلك بالنيابة عن زوجها، وقالت إنهما تحدثا كثيراً في هذه النقطة، ولا يفضلان تكرار الكلام نفسه.
أما الفنانة ثناء دبسي فقد اعتذرت بسبب ظروفها الصحية، والفنانة سوزان الصالح عبرت عن أنه لا أهمية لحديثها حول هذا الإطار لكونها معتزلة للعمل الفني، وأشارت إلى أنه بإمكان زوجها الفنان زهير عبد الكريم أن يتحدث حول الموضوع المثار.
ولمعرفة سلبيات وإيجابيات الزواج الفني التقيت مع عدد من الفنانين، بعض هذه الآراء سجلتها خلال لقائي بهم منذ مدة، والبعض الآخر سجلت رأيه حديثاً، وهنا ما قالوه ل الخليج:
يقول الفنان زهير عبد الكريم: أنا وزوجتي الفنانة سوزان الصالح نتفهم ظروف بعضنا بعضاً، ولا يوجد عوائق أو منغصات في علاقتنا، فزواجنا ناجح على صعيد الحياة الأسرية ولا يوجد غيرة أو حساسية، فالتفاهم والحب والانسجام تسود حياتنا وزواجنا، هو زواج ريفي فهي من قرية وأنا من قرية أخرى، وليس لدينا حب الاستعراض كالنماذج الأخرى التي تفضل الحديث حول علاقة الزواج الفني والظهور في التلفزيون، أو الكتابة عن حياتهما على صفحات المجلات والصحف، ولدي ثلاثة أولاد اكتملت معهم وبهم أجمل معاني الأبوة والشراكة الزوجية، واعتزلت زوجتي الفن عن قناعة لعدم وجود أدوار مناسبة، ولأنها قررت التفرغ للبيت والأولاد.
وترى الفنانة ليلى عوض التي قررت الاعتزال حسب تصريحها لأمور خاصة من أجل الحياة الأسرية (زوجها الكاتب مازن طه من أعماله البناء ،22 سهرة سبع طوابق وكتب مرايا مع ياسر العظمة) إن هناك صعوبة للتوفيق بين الحياة الخاصة والفنية التي تتطلب عملاً متواصلاً من الصباح حتى المساء أو حتى اليوم الثاني، وفي الزواج الفني تختلف تجربة كل ثنائي عن الآخر، فهناك من يقولون بأنها إيجابية، والبعض الآخر يرون أنها سلبية، وزوجي متفهم لطبيعة عملي، وبالعكس كان عاملاً مساعداً لهذه المهنة، من خلال زياراته لي أثناء التصوير كي يطمئن علي، وكنا نتناقش في الأدوار المطروحة لي، واحتكاكه مع الوسط أتاح له الاطلاع عليه بإيجابياته وسلبياته. ولتجربة الفنانة واحة الراهب خصوصيتها مع المخرج مأمون البني وتقول: الزواج بشكل عام يحد من نشاط الفنانة لأنها لابد أن تحاول التوفيق بين عائلتها وعملها.
الفنانة واحة الراهب تقول: إن زواجي من المخرج مأمون البني دفعني للأمام لأنه ليس زوجاً فقط بل حبيب وصديق وزميل في الوقت نفسه، نتعاون في الكثير من المسائل ونتناقش في جميع الأمور الفنية، وخصوصاً الأدوار التي تعرض علي، حوارنا حولها يؤدي لقبولها أو رفضها، ولحسن الحظ أن زوجي من المهنة نفسها فهو متعاون ويتفهم ظروفي، وأحياناً يساعدني. عندما كتبت سيناريو فيلم رؤى حالمة منحني فترة شهر كامل لأكتب وجعلني أتفرغ تماماً للكتابة، وكان قد سبقها عامان فترة (تخمير للأفكار) خلال شهر جعلني لم أطبخ، وكان هو أول قارىء، وقد شجعني وأعجب بالسيناريو، وقال لي (فاجأتني) وعندها تجرأت وقدمته للرقابة وصورت الفيلم ولقي نجاحاً وإقبالاً من الجمهور، ولكن الفن بحاجة للتفرغ، وثمة ناحية سلبية نتجت عن الزواج الفني بالنسبة لي وهي أن كثيراً من المخرجين المنافسين لزوجي كانوا يعتبرونني أهم ممثلة، ولخلافهم مع مأمون بسبب المنافسة في العمل انعكس علي لكوني زوجته وتراجعوا عن رأيهم.
في اتجاه آخر يرى العديد من الفنانين أن الصعوبة تكمن في عدم القدرة على التوفيق بين الفن والمنزل الزوجي، حيث يقول الفنان سامر المصري إن زوجته خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية، وأنه طلب منها عقب زواجهما أن تجلس في المنزل وتتفرغ للبيت والأولاد ولواجباتها المنزلية لقناعته بأن دور المرأة مهم في حياة أسرتها، وأعلن أن غيرته عليها هي من أهم أسباب قراره القاضي باعتزالها وابتعادها عن أضواء الفن والوسط الفني.
ورغم حرصنا على إيراد عدد أكبر من آراء الفنانين والفنانات المتزوجين من الوسط نفسه، فإن الرغبة في عدم الحديث كانت سيدة الموقف في معظم اتصالاتنا مع فنانينا.
ونستطيع القول إن ما ينطبق إلى حد ما على ظروف أزواج المهنة نفسها ينطبق على الزواج الفني باختلاف المعايير حسب شخصية ووعي الطرفين، فإذا كان الزواج ناجحاً، تعاون كلا الطرفين على تسيير السفينة وإدارتها بدقة ودراية وحمايتها من أنواء المشكلات والخلافات الزوجية التي تفرزها الحياة الاجتماعية اليومية، والعكس صحيح فكلما تضخمت الأنا سادت الغيرة والرغبة في النجاح على حساب الطرف الآخر، وعندها سيكون المنزل الزوجي جحيماً وسيكون الطلاق هو الحل.
المسألة تبدو في الزواج الفني أكثر حساسية، لكون مجال عمله الشهرة والنجومية والأضواء، وتبقى التجارب التي يمر بها الطرفان هي المحك لصدق العلاقة ولمتانتها أو العكس لهشاشتها.
في الفن أو في أية مهنة نحن مدعوون كطرفين شريكين في الحياة الاجتماعية والمهنية لتفهم ظروف الآخر، وإتاحة الفرصة أمامه ليحقق طموحاته ولمد يد العون ولنكون سنداً وعاملاً مساعداً في نجاحاته وتحقيق انتصاراته، ولا نكون بفرديتنا وتفكيرنا الفردي إسفيناً يدق في قارب الفشل المهني أو الزوجي ما ينتج عنه مشكلات اجتماعية لا تنتهي بعيداً عن الأضواء.