يحوي القرآن الكريم بين صفحاته وآياته كل تفاصيل مراحل الخلق البشري.. بينما كان الجهل يبسط ظلامه على عقول البشرية جمعاء.. والناس يتخبطون بين نظريات ومفاهيم لا علاقة لها بالحقيقة ولا نصيب لها من الصحة.. والأمر المثير للخشوع فعلا هو أن المراحل الصحيحة موجودة متكاملة بألفاظ وعبارات ووصف دقيق منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان، في كلمات الخلاق العليم.
فقد نص القرآن الكريم قبل قرون طويلة بكلمات صريحة واضحة على أن خلق البشر يتم على مراحل من خلال أطوار متتابعة متلاحقة.. واستخدم القرآن في عرضه لمراحل الخلق مصطلحات علمية دقيقة، لم يقف العالم على عتبة المعرفة بها إلا منذ مائة عام أو أكثر قليلا، فكل هذه الحقائق لم تكن معروفة لدى علماء البشر غير المسلمين، فمنهم من كان يعتنق النظرة الإغريقية بأن الجنين يتخلق من دماء الحيض، ومنهم من تجاهل الإسهام الوراثي للأنثى، ومنهم من كان يعتقد أن الحمل منذ بدايته يحتوي على كائن بشري متكامل الخلق.. أما القرآن الكريم فقد عرض لعملية الخلق من خلال أطوار ومراحل متتالية منها السريع ومنها البطيء منذ البداية حتى النهاية مثل سلالة من ماء مهين نطفة علقة مضغة، وبتسميات تنطوي على تحديد دقيق للخصائص والوظائف الأساسية مثل وصف الرحم بأنه قرار مكين.
في القرآن الكريم وحدة متماسكة في الحديث عن الخلق ومراحله وأطواره، ولا تتغير فيها المفاهيم ولا الألفاظ، مهما تكررت الإشارة إليها في آيات الذكر الحكيم، فنحن أمام حقيقة علمية صحيحة دقيقة لا تختلف مصطلحاتها ولا تتعارض ألفاظها.
ومن هذه الآيات عن المفهوم الأساسي في الخلق:
بلى وهو الخلاق العليم (يس: 81).
إن ربك هو الخلاق العليم (الحجر: 86).
وقد خلقكم أطواراً (نوح: 14).
وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً (مريم: 9).
وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه (فصلت: 47).
في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث (الزمر: 6).
لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً (الشورى: 49 50).
ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (المؤمنون: 12).
فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب (الطارق: 5 7).
هو الذي خلقكم من تراب (غافر 67).
فجعلناه في قرار مكين (المرسلات: 21).
أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة (الكهف: 37).
من نطفة خلقه فقدره (عبس: 19).
فخلقنا العلقة مضغةً (المؤمنون: 14).
فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة (الحج: 5).
فخلقنا المضغة عظاماً (المؤمنون: 14).
ثم نكسوها لحماً (البقرة: 259).
الذي خلقك فسواك فعدلك (الانفطار: 7).
ثم أنشأناه خلقاً آخر (المؤمنون: 14).
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (التين: 4).
القرار المكين
وكلما تقدم العلم وارتقت المعرفة وأمكن للعلماء دراسة بداية الخلق والحياة بالتقنية الحديثة أصبح ممكنا رؤية الوقائع التي تحدث منذ بداية الخلق وتصوير مراحلها وأطوارها المتتابعة بدقة متناهية منذ إخصاب البويضة حتى تكون الجنين. وفي غضون ذلك يظهر الإعجاز الإلهي لبيان آيات القرآن في خلق الإنسان، إذ تبدأ نقطة البداية في الخلق من بين الصلب والترائب، والحيوان المنوي للرجل هو الذي يحدد بإرادة الله نوع الجنين وجنسه ذكرا أم أنثى.
أما المرحلة الثانية فهي النطفة التي وردت في سياق آيات كثيرة ذكرنا بعضها.. إذ تكرر ذكرها اثنتي عشرة مرة في القرآن الكريم.. فعندما تحمل المرأة يحدث التغيير الأعظم في الرحم.. فيزداد حجم الغشاء المبطن للرحم وتنمو الأوعية الدموية ويزداد عدد الغدد الرحمية، وتتهيأ التربة الخصبة كي تتلقى الزرع والغرس الجديد، وما ان ينتهي الحمل والولادة أو السقط حتى يعود الرحم أدراجه خلال النفاس إلى ما كان عليه صغير الحجم لا يتسع لأكثر من ملليمترين، لا يزيد على خمسين جراماً.
وتبدأ النطفة في هذا القرار المكين، عندما تتحد نطفتا الرجل والمرأة حيث تتم عملية المشبح أو الإلقاح باتحاد النطفتين وتكوين النطفة الأمشاج التي تسير نحو الرحم في رحلة عكسية على مدى ثلاثة أيام حيث تكون بطانته مهيأة تماما لانغراس النطفة الأمشاج فيها، حيث إنها تحفر لنفسها فيه حفرة ثم تتعلق عليها، متمتعة بالتغذية المؤمنة، والحماية الكاملة.
ويشير العلماء إلى أنه بعد تكون النطفة الأمشاج تنتج عنها التطورات التالية في البداية الحقيقية للخلق أو وجود الكائن الإنساني.. فبعد ساعات من تخلق إنسان جديد في خلية إنسانية كاملة تبدأ عملية أخرى تتحدد فيها الصفات التي ستظهر على الجنين في المستقبل وهو ما يسمى بالصفات السائدة، ويتم تقدير أوصاف الجنين وتحديدها، وتحديد الذكورة والأنوثة وهو ما يشير إليه القرآن الكريم في قوله: وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى (النجم: 45 46). وبإلصاق النطفة تبدأ مرحلة الاستقرار التي أشار إليها الحديث النبوي يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين يوما أو خمسة وأربعين يوما.. فالرحم هو مكان لاستقرار النطفة وسكن لها ولمراحل الجنين اللاحقة لمدة تسعة أشهر، وبالرغم من أن طبيعة الجسم أن يطرد أي جسم خارجي فإن الرحم يؤوي الجنين ويغذيه، يحمله بعضلاته وأوعيته ويتمدد ليتلاءم مع نموه، وتتوافر به أفضل الظروف للاستقرار إذ يؤكد القرآن أنه قرار مكين أي مثبت بقوة، محاطا بالعظام والعضلات والأربطة التي تثبته في الجسم.
العلقة والمضغة
وفي مرحلة التخليق، يتكون هذا الطور من أربع مراحل هي العلقة والمضغة والعظام واللحم، والتي أوردها القرآن الكريم بالتفصيل والإحكام والدقة في قوله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفةً في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقة مضغةً فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (المؤمنون: 12 14).
وهذه المرحلة من التخليق تمتد من بداية الأسبوع الثالث حتى نهاية الأسبوع الثامن، وأهم ما يميزها هو التكاثر السريع للخلايا ونشاطها الفائق في تكوين الأجهزة، فيتأتى وصف التخليق دقيقا معبرا عن طبيعة التغيرات للعمليات الخارجية، وعن المظهر الخارجي للجنين حيث يتميز كمظهر إنساني في الأسبوع السابع نتيجة لانتشار الهيكل العظمي ثم بناء العضلات في الأسبوع الثامن.
ويؤكد علماء الأجنة، أن النطفة تفقد شكلها لتتهيأ لأخذ شكل جديد هو العلقة والذي يبدأ بتعلق الجنين بالمشيمة ثم يبدأ في التغذي من دماء الأم، ووجدوا أن التعبير القرآني علقة يعتبر وصفا متكاملا عن المرحلة الأولى من الطور الثاني لنمو الجنين ويغطي بكل دقة الملامح الأساسية الخارجية والداخلية.
ثم استعمل القرآن الكريم لفظ المضغة للطور التالي وصفا للجنين في هذه المرحلة التي يبدو فيها مثل قطعة لحم حجمها بمقدار ما يمضغ، في تحول سريع من العلقة إلى المضغة، وأوضح علم الأجنة مدى دقة اختيار القرآن لتسمية المضغة إذ يبدو الجنين وكأنه مادة ممضوغة عليها طبعات أسنان.
العظام واللحم
وفي بيان رائع دقيق يذهب بعقول العلماء يستعرض القرآن الكريم مراحل وأطوار الخلق البشري خلال عملية الحمل كلها بأسلوب سهل وواضح، واثبت العلم الحديث أن العظام لا تتطور معا في آن واحد في الجسم وإنما هناك برنامج زمني لتكونها، وينتقل شكل الجنين من مرحلة المضغة التي لا تحمل شكلا آدميا إلى مرحلة العظام التي يغلب عليها شكل الهيكل العظمي المميز للإنسان بداية من عظيمات الأذن الداخلية خلال المرحلة الجنينية إلى أن تكتمل مراكز النمو للعظام الطويلة للأرجل.
ويشهد الأسبوع السابع مرحلة انتشار الهيكل العظمي في جسم الجنين ويبدأ نمو عظام الأطراف.. ويتخذ الجنين في بدء مرحلة العظام المظهر الإنساني الذي يميزه عن غيره من الأجنة.. وعندما تتكون عظام الهيكل فإن الطبقة المتوسطة التي تتشكل منها العضلات تبدأ في التجمع وتكسو أجزاء الهيكل العظمي.
ثم تأتي مرحلة الكساء باللحم حيث تظهر العظام لتتميز هذه المرحلة بكساء الهيكل العظمي باللحم في جميع جوانبه فتتعدل الصورة الآدمية للجنين وتتناسق الأعضاء بصورة أدق وبذلك يبدأ الجنين بالحركة في نهاية الأسبوع الثامن، وهذه مرحلة متميزة في التركيب والتناسق والصورة وقدرة الجنين على الحركة، وهنا يأتي النص القرآني دالا على التتابع السريع بين المرحلتين وتشير الآية الكريمة إلى أن مرحلة الكساء باللحم تمثل نهاية لمرحلة من مراحل نمو الجنين، لتبدأ بعدها بفترة مرحلة أخرى هي النشأة في الأسبوع التاسع وتتميز بتطور الأعضاء والأجهزة ونفخ الروح ومقاييس الجسم وتحديد الجنس.
وهكذا وقبل أن تعرف الإنسانية الأجهزة والآلات المعقدة بقرون طويلة وقف القرآن شامخا يتحدث وحده عن مراحل الخلق البشري بأوصاف معجزة ومنهجية علمية وترتيب دقيق ليقف العلماء أمام مصطلحاته بكل خشوع وإجلال لله، ونردد معهم قول الله تعالى: فتبارك الله أحسن الخالقين.