انتشرت بصورة ملحوظة بل مبالغ فيها الأحاديث عن الآثار وتجارتها والتنقيب عنها في مصر بشكل عشوائي داخل الأراضي الزراعية والمنازل والوديان والصحارى وحتى الجبال والطرقات وفي ظل هذا الهوس يتحدث البعض عن حيازته ملايين الدولارات وربما المليارات، وهو لا يحتكم على قوت يومه وهيئته تدل على ذلك، إذ يزعم أن لديه مقبرة قدرت قيمة محتوياتها مبدئياً على حد قوله بمعدل ثلاثة مليارات أخضر (أي دولار) ولم يجد من يساعده على إخراج ما بها من كنوز. وآخر لديه كيلو من الزئبق الأحمر الحامي (أي المشع) يسعى لبيعه ليصعد بسرعة إلى عالم الأثرياء خاصة أن التسعيرة في هذا العالم الوهمي تحدد لكيلو الزئبق الحامي سعراً يساوي تقريباً 10 ملايين دولار أمريكي، ولكيلو البارد (وهو الذي انتهت صلاحيته) من 50 إلى 70 مليون دولار، جرام الأحمر الشمال (وهو الزئبق الألماني) يقدر من مليون إلى ثلاثة ملايين دولار، وجرام الذهب الفرعوني بثلاثة آلاف دولار، وأي قطعة ذهبية حسب وزنها.
أما المقابر المزعومة فلها حسابات أخرى ويكون التعامل فيها بالتقسيم، بمعنى الثلث لصاحب المكان والثلث للشخص الذي يستخرج محتوياتها والذي غالباً ما يلقى حتفه في الحفرة التي حفرها ويكون بذلك حصل على نصيبه والثلث الأخير لمجموعة الوسطاء، والذي يدفع هذه الأموال الجهة أو التاجر الذي يوصل ثمار التنقيب، إذا وجدت لجهة معينة، وغالباً ما تكون هذه الجهات هي دول عن طريق سفاراتها في مصر أو أشخاص موجودين في الخارج.
جرى العرف داخل هذه التجارة غير المشروعة على أن يقوم البائع، الذي يفترض أنه يملك بعض الآثار ولا يهم من أين حصل عليها، والمشتري بوضع مبلغ لمصداقية الحديث يبدأ من عشرة آلاف من الجنيهات حتى مائة ألف. ويكون المبلغ مع أحد الوسطاء ومن يتضح كذبه، وغالباً أو دائماً ما يكون البائع كاذباً ولا يحضر من الأصل أو إذا حضر تكون المقتنيات مزيفة ويخسر المبلغ الذي وضعه، والمشترون هم الذين وضعوا هذا الشرط للحد من النصب الذي يتعرضون له على أيدي المدعين والمقلدين لأنه يوجد أيضاً بعض الأشخاص خاصة في صعيد مصر يقلدون هذه الأشياء بإتقان.
وعندما يعلم الشخص أن المكان الذي يملكه، سواء كان منزله أو أرضه الزراعية بها مقبرة إما بالمصادفة أو بالتنقيب يبدأ في استدعاء أحد ممن لديهم خبرة في هذا المجال، والذي يبدأ هو الآخر بدوره الكشف على المكان، وبعد تأكده من وجود آثار يبدأ للتخطيط للحفر والاستيلاء عليها وفي حالات كثيرة تنشب صراعات دامية.
وهناك واقعة كبرى حدثت في الصعيد ولقي العديد من أبطالها مصرعه وما نشر في الصحف وما أكده المهتمون في محاضر الشرطة أن ما حدث نتيجة الثأر ولكن الواقع كان خلاف ذلك.
وهناك الكثير من الشخصيات العامة والمهمة على حد تعبير المشترين، يهتمون بشيء واحد وهو الزئبق الأحمر، والنوع الغالي منه يقدر ثمن الجرام منه بحوالي 50 مليون دولار، ومنه الأحمر الروحاني الذي يعثر عليه في المقابر الفرعونية ولا يوجد سوى في مقابر الملوك والكهنة كهنة المعابد، ويقدر سعر الجرام منه بحوالي 30 مليون دولار، وله عدة استخدامات فهناك ما يسمى الحلاب ويستخدمه من يزعمون القدرة على تنزيل دولارات من السماء، ويستخدم كذلك في العلاج كحقن لتجديد وإعادة الشباب للأجزاء الداخلية للجسم ويزعم أنه يطيل العمر ويعطي قوة جسدية عالية، وزبائن هذا النوع يدفعون مبالغ طائلة للحصول ولو على جرام واحد.
وهناك استخدام آخر خيالي لكن يجذب كثيرين وأغلبهم من الشباب، يقوم على أن يضع الشاب قليلاً من الزئبق في خاتم يضعه في إصبعه، وإذا وقعت عين امرأة على الخاتم، حتى وإن كان ذلك في مكان عام، أصبحت أسيرة له، وبذلك يكون فتنها أو أغراها جماله ويستطيع الحديث معها وربما هي التي تحضر له لمخاطبته.
ويوجد أيضاً ألوان أخرى للزئبق منها الأبيض ويسمونه أبيض مشبر، وغالباً ما يكون موجوداً في المحولات الكهربائية الألمانية القديمة، بجانب الأحمر، وأيضاً يوجد منه الأزرق والأصفر، وأحياناً تخلط هذه الأنواع بألوان أخرى.
وهذه الأنواع رخيصة، فعلى سبيل المثال، يقدر سعر الجرام من الأبيض بحوالي 12 ألف جنيه وهذا لم يمنع أيضاً الكثيرين من اللهث خلفه للحصول عليه.
بسام الشماع وهو خبير في الآثار أكد أنه لا يوجد من الأصل شيء اسمه الزئبق داخل المقابر الفرعونية، وأن القدماء المصريين لم يستخدموه في ممياواتهم موضحاً أنه منذ 22 عاما يعمل في هذا المجال وقام بالنزول في مقابر كثيرة ولم ير مثل هذا الزئبق من أول مقابر الملوك والكهنة حتى الفقراء منهم. ويعتقد أن هذه بدعة ابتدعها بعض النصابين للضحك على السذج من الناس.
ونفى أيضاً وجود ما يسمى لعنة الفراعنة، التي شاع في فترة أنها وراء وفاة كل من يكشف عن مقبرة ويخطو بها أولى خطواته.
وهناك أحاديث كثيرة عن الزئبق المشع الذي يقال إنه يدخل مصر من فلسطين عن طريق رفح، وهو نوع محظور دولياً لاستخدماته النووية وما به من أضرار جسيمة على البيئة، والقانون المصري يعاقب كل من يتداوله بالإعدام شنقاً، وبالرغم من ذلك هناك اشخاص يحصلون على هذا الزئبق ويضعونه في محاليل كيميائية لتبريده، ويقوم بعض المشعوذين بالعمل على تهيئته للاستخدام بوساطة الأشخاص المستفيدين منه استفادة مادية كبيرة، إذ وفق مزاعمهم، يقومون بتسخير جني عليه لفترة محدودة، وهي الفترة التي يتم خلالها بيعه ثم بعد ذلك يذهب مفعوله.
والكيلو منه يدفع فيه 10 ملايين دولار ثم يباع بعد ذلك بالجرام الذي يتراوح سعره بين 20 و30 مليون دولار.
التلفزيون الألماني كنز
روج الكثيرون خلال الفترة الماضية، لمزاعم عن احتواء التلفزيونات الألمانية ماركة فيلبس القديمة وتحديداً المنتجة في الستينات والراديو الخشبي من الماركة نفسها على الزئبق، وما زالت هذه المزاعم تدفع البعض، للبحث في هذه الأجهزة، ولم يجدوا بها شيئاً بعدما أفسد الجميع تلفزيوناتهم الشخصية أو القديمة.
وكان السائد أن سعر الزئبق من مليون إلى مليوني دولار، وأن التلفاز يحتوي تقريباً على ثلاثة جرامات من الزئبق الأحمر الذي يسمى (الألماني).
حياة أو موت
المحزن في موضوع الهوس بالآثار أن الكثيرين، وغالبيتهم من الوسطاء الذين سعوا خلف المكسب السريع خسروا الكثير، فمنهم من باع أرضه ومنزله، ومنهم من ترك بيته وأهمل عمله وأسرته، وفي النهاية لم يجن سوى الحسرة والندم، والأغرب أيضاً أن هؤلاء يعرفون العقوبة القانونية لمثل هذه الأمور.