أكد مهدي إبراهيم محمد، عضو المجلس الوطني السوداني، وزير الإعلام السوداني الأسبق، وسفير السودان الأسبق في الأمم المتحدة وواشنطن، أن قرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن توقيف الرئيس السوداني عمر البشير هو قرار جائر ألغى وظيفة مجلس الأمن الدولي في رعاية العدل والسلام، وهي وظيفته الأساسية، وتحول الى وظيفة أخرى وبدلاً من أن يمارسها بذاته كلف بها المحكمة الجنائية الدولية، التي ليست جزءاً من النظام الدولي الذي أنشأته الأمم المتحدة. كما أن العديد من دول العالم ليست أعضاء فيها مثل الصين والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، والتي تشكل ثلاثة من خمسة من أصحاب قرار الفيتو في مجلس الأمن الدولي، إضافة الى العديد من الدول الإفريقية والآسيوية والأمريكية الجنوبية، و20 دولة عربية من بينها السودان، والتي تكون بذلك غير معنية بكل القرارات الصادرة عن تلك المحكمة.

أشار المسؤول السوداني في تصريحات ل الخليج أثناء زيارة إلى أبوظبي الى أن هذا القرار الذي جاء بغياب كامل للسودان ومن دون أن يعطيه حق الدفاع، يؤكد هذا النمط من المحاكم التي تقيم قراراتها على رأي واحد وهو رأي الاتهام بعيداً عن حقوق الدفاع، كما ألغى هذا القرار حقاً قديماً ثابتاً ومعترفاً به في النظام الدولي وهو حق السيادة للدولة على مواطنيها، حيث تسري محاكماتهم على أرضهم، علماً أن دور المحكمة تكميلي لا يقوم إلا حين لا تملك الدولة قرارها وليس لها مؤسسات عدلية، أو أنها لا ترغب في محاكمة من ثبت لومه، كما ألغت المحكمة من تلقاء نفسها بهذا القرار المجحف الحصانة الممنوحة لرؤساء الدول، وهو أمر في صلب النظام الدولي، ولا يمكن إلغاؤه إلا بقرار يصدر من ذات المؤسسات التي كفلته.

مسرح للتهريج

وأضاف: ان المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية أوكامبو قد حوّل المحكمة الى مسرح للتهريج، بل حوّل الساحة الدولية كلها الى هذا المسرح، يمارس فيه مهامه التي خرجت عن أطر القانون جملة وتفصيلاً، بتعبئة للرأي العام الدولي وإعلانه بأنه سيجبر السودان على الامتثال لقرارات المحكمة على مسمع ومرأى من العالم أجمع، ومن مجلس الأمن، والاتحاد الأوروبي، علماً بأن القانون يتطلب من المدعي العام أن يقصر دوره ليكون بينه وبين المحكمة وليس على المسرح السياسي العام، مشيراً الى أن صمت هذه المؤسسات عن هذه الممارسة المخلة بثوابت العمل القانوني، جردت المحكمة ومن يقف وراءها من مصداقية العمل العدلي، وأظهر منحاها السياسي وسعيها للانتقام، ولذلك كان طبيعياً أن يرفض السودان قراراتها، وأن يباشر حقه كدولة ذات سيادة واستقلال في عمل مدروس دبلوماسياً وسياسياً وإعلامياً وقانونياً كي يعرف الرأي العام الدولي كل هذه الحيثيات ويفضح هذه الممارسة الخطيرة التي يراد لشعوب العالم الثالث كله أن يكون هدفاً لقراراتها على رؤسائه، وقد أثمرت هذه التحركات مواقف قوية على مستوى القارة الإفريقية بقيادة الاتحاد الإفريقي، تفهماً لموقف السودان ومؤازرة له وسعياً للدفاع عنه في الأروقة الإقليمية والدولية، قناعة بانتقائية قرارات المحكمة بل واستهدافها للأفارقة على وجه الخصوص.

أضاف مهدي إبراهيم: وهذا الموقف أيضاً هو موقف دول عدم الانحياز التي منحت الرئيس السوداني رئاستها في ظل هذه الظروف وعياً منها برمزيته في النضال وتأمين معاني الاستقلال السياسي والاقتصادي ومواجهة كل محاولات الترقيع التي تسعى الدول الكبرى لفرضها عليه، كما أثمرت هذه الجهود بحملاتها الواسعة بإعلان البرلمانات العربية والإفريقية انحيازها الى جانب السودان، فضلاً عن النقابات المهنية والشبابية والطلابية والنسائية، بالإضافة الى العديد من رجال القانون وأصحاب الضمائر الحية الذين وقفوا يفندون ممارسات هذه المحكمة الجنائية المجحفة بحق الشعوب.

موقف عربي موحد

وحول الموقف العربي أكد مهدي إبراهيم أن الموقف العربي موحد في هذه القضية ويرفض هذه الإجراءات ويسعى الى تأجيلها في مجلس الأمن، وكذلك كانت المبادرة العربية التي تقدمت بها دولة قطر من خلال اتخاذ موقف موحد من القضية، مشيراً الى ضرورة أن تعطى لهذين المسارين كامل الفرصة لبلوغ السلام بدلاً من أن ندخل في مسار ثالث جديد يعقد من خلاله مؤتمر دولي تفرض خلاله الدول الكبرى خياراتها الظالمة على أمتنا.

وأضاف: ان السودان ماض في تحقيق التنمية في كافة المجالات، حيث حقق العديد من النجاحات سواء في استخراج النفط وإنشاء ثلاثة خطوط لأنابيب النفط طول كل واحد منها 1600 متر، وثلاث مصافٍ، بما يحقق الاكتفاء الذاتي، بل وقام بتصدير النفط الى دول العالم، كما انخرط في مشروعات التنمية الكبرى، مثل إنشاء شبكات الاتصال الحديثة، وشبكات الكهرباء، والسدود، وبناء قاعدة للصناعة المدنية الثقيلة، والصناعات الدفاعية، حيث ارتفع نمو الاقتصاد السوداني من واحد تحت الصفر الى ما بين 7 الى 11% خلال السنوات العشر الأخيرة، بل وأصبح السودان واحداً من الدول العشر الأوائل على مستوى العالم في النمو الاقتصادي.

الانتخابات

وأضاف، من المقرر أن تنظم انتخابات برلمانية تاريخية في السودان، حيث ستضمن انتخاب برلمان لكل ولاية سودانية، على أن تمثل المرأة بها بنسبة 25% كحد أدنى، وكل هذه النجاحات لم ترق للمؤسسات الدولية التي تدعي اهتمامها بالسلام العالمي وحقوق الإنسان، وأن هذه المؤسسات لم تعد متناغمة مع هذه الأدوار الرئيسية المهمة، وليست منسجمة مع هذه المبادئ النبيلة التي يتطلع إليها العالم، مشيراً الى أن موقف الصين وروسيا جاء مغايراً تماماً لمواقف الدول الغربية الأخرى، بل جاء مناصراً للشعب السوداني وقضاياه.

وقال مهدي إن السودان سيظل يواصل جهده في مجلس الأمن ليؤكد للعالم أنه مع العدالة، ولكنه في ذات الوقت مع السلام، والسلام مقدم على العدالة إذا وقع تضارب بينهما، لأن السلام هو الذي به تتوقف الحروب، وتحقن الدماء، وتحفظ سلامة الأرواح والممتلكات، وبه تتحقق التنمية والنهضة.

الجرائم الأمريكية

وقال: إن الإدارة الأمريكية التي أبادت شعب فيتنام، ودمّرت أرضه وزراعته وغاباته من دون أن يفكر أحد في مساءلتها، بل إن الولايات المتحدة هي التي قصفت مدينتي هيروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية، وكانت أول من يستخدمها ضد البشر، وهي التي غزت العراق على مرأى ومسمع من الدنيا ومجلس أمنها فأزالت نظامه، ووضعت يدها على ثرواته، ونهبت تاريخه، وقتلت مليون مواطن وشرّدت أكثر من ستة ملايين من أبنائه، ودمّرت مؤسسات دولته، وداست كل قيم حقوق الإنسان، بل وفعلت مثله في أفغانستان، وظلت المحاكم الجنائية الدولية ساكتة صماء، بل وعمياء وعرجاء لا تطالها.

وأشار المسؤول السوداني الى أن إسرائيل ومنذ أكثر من ستين عاماً تحتل الأراضي الفلسطينية، وتقتل الشعب الفلسطيني وترتكب مجزرة بعد مجزرة، ولم تتجرأ المحاكم الدولية على النظر في صنعها. لذلك حين تكون مؤسسات العدل انتقائية ومزدوجة المعايير، وتطال البعض وتعجز عن أن تطال الآخرين، يفقد الحديث عن العدل معناه، وهذا هو الذي عرفه السودان ويقف في وجهه.