الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

تركي الفيصل.. الفكرة الأخطر من الحرب نفسها!

11 مايو 2026 00:15 صباحًا | آخر تحديث: 11 مايو 00:17 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
قرأت مقال الأمير تركي الفيصل الأخير باهتمام كبير، وباحترام أكبر، فالرجل من الشخصيات الخليجية والعربية التي أكن لها تقديراً حقيقياً، سواء على المستوى الفكري أو السياسي، وصاحب تجربة طويلة في فهم المنطقة وتعقيداتها.
أتفق مع كثير مما جاء في مقاله الأخير، لكن هناك فكرة شكلت صدمة بالنسبة لي، ليس لأنها مختلفة، فالاختلاف طبيعي، بل لأنها تكشف عن أزمة أعمق من الحرب نفسها، حين قال: «ولو نجحت الخطة الإسرائيلية في إشعال الحرب بيننا وإيران، لتحولت المنطقة إلى حالة من الخراب والدمار، ولنجحت إسرائيل في فرض إرادتها على المنطقة، وبقيت الفاعل الوحيد في محيطنا».
هذا الطرح يبدو منطقياً ومقبولاً فقط لو أن الحرب بقيت بين إيران وإسرائيل، لكن ما حدث فعلياً هو أن النظام الإيراني حولها إلى حرب إيرانية - خليجية، عندما استهدف دول الخليج وأمنها ومنشآتها ومياهها بثلاثة أضعاف الصواريخ التي استهدف بها إسرائيل!
وهنا لم يعد السؤال هل ندخل الحرب أم لا؟ بل هل نقبل أن تُقصف دولنا ونبقى على الحياد؟!
هناك فرق كبير بين صراع يدور بعيداً عنك، وبين صراع تُطلق فيه الصواريخ على أرضك، فدول الخليج لم تذهب إلى الحرب، بل حاولت بكل الطرق إبعادها عن المنطقة، لكن الحرب هي التي جاءت إليها عبر النية المبيتة للنظام الإيراني بالاعتداء عليها.
الفكرة الأكثر إثارة في المقال ليست التحذير من الحرب مع إيران، فهذا مفهوم، ولا أحد عاقل يريد للمنطقة أن تتحول إلى جحيم مفتوح، بل الطريقة التي بدا فيها المشهد وكأنه يُختزل بين قوتين فقط، إسرائيل وإيران، وكأن المنطقة العربية بكل ثقلها البشري والجغرافي والحضاري مجرد فراغ بين مشروعين.
وكأن أكثر من 40 مليون خليجي، ونحو 400 مليون عربي، ليسوا طرفاً أصيلاً في معادلة المنطقة، وكأننا لا نعيش تحت مظلة قانون دولي! وكأن دولنا معزولة عن العالم وليس لديها علاقات محترمة ومصالح مشتركة مع كل دول العالم! وكأن مصير الشرق الأوسط يتحدد فقط بحسب من ينتصر بين طهران وتل أبيب!
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح، كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها تراجع إيران أو سقوط مشروعها الإقليمي مرادفاً تلقائياً لهيمنة إسرائيل على المنطقة؟ وهل فعلاً يُعقل أن العرب سيقبلون بأن يتحكم سبعة ملايين إسرائيلي بمنطقة تضم مئات الملايين من العرب فقط لأن إيران ضعفت؟
إذا كانت هذه الفكرة بدأت تتسلل إلى عقول النخبة العربية، فالمشكلة ليست أخطر فقط من الصواريخ والطائرات المسيّرة وحتى أخطر من الملف النووي الإيراني نفسه، بل إنها أكبر من فكرة السلام أو التطبيع مع إسرائيل! فهذه ليست أزمة سياسية فقط، بل أزمة وعي وثقة بالنفس!
التاريخ لا يقول ذلك أبداً، أوروبا خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمَّرة بالكامل، لكنها أعادت بناء نفسها وأصبحت قوة اقتصادية وسياسية عالمية، الصين مرّت بما عُرف بـ«قرن الإذلال»، لكنها لم تبنِ وعيها على فكرة أن الآخرين سيتحكمون فيها إلى الأبد، وحتى اليابان، بعد هيروشيما وناغازاكي، لم تتحول إلى دولة تعيش بعقلية الهزيمة، وهذا يؤكد أن الأمم التي تبقى ليست الأمم التي لا تُهزم عسكرياً، بل الأمم التي ترفض اختزال نفسها.
أما نحن، ففي كثير من الأحيان، يبدو أننا لا نناقش كيف نصنع مشروعنا، بل كيف نمنع الآخرين من السيطرة علينا، وكأن سقف الطموح أصبح مجرد «إدارة الخسارة».
إسرائيل ليست قوة خارقة، وإيران ليست قدراً جغرافياً لا يمكن تجاوزه، وكلتاهما تسعى لتحقيق مصالحها ونفوذها، كما تفعل كل الدول، لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا تريد إسرائيل أو ماذا تريد إيران، بل ماذا يريد العرب لأنفسهم؟
حين تبني دولة مثل الإمارات اقتصاداً عالمياً، ومراكز مالية، واستثمارات في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والفضاء، فهي تقول عملياً إن المنطقة ليست محكومة فقط بمنطق الميليشيا والصاروخ والحرب الأبدية.
وحين تتحول دول الخليج إلى لاعبين في الاقتصاد العالمي والطاقة وسلاسل الإمداد، فهي تكسر فكرة أن المنطقة مجـــرد ساحة نفوذ للآخرين.
التحدي الحقيقي أمام العرب ليس أن يختاروا بين إسرائيل وإيران، بل أن يخرجوا من عقلية أن المنطقة لا يمكن أن تُدار إلا عبر أحدهما، فالأمم التي ترى نفسها مجرد هامش في الجغرافيا، تتحول فعلاً إلى هامش في التاريخ.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة