فن العلاقة بين الطبيب والمريض

كيف يخبر الطبيب مريضه بإصابته بمرض خطير؟ إن مقولة أنت مصاب بمرض خطير قد تصدم المريض وتقلب حياته رأساً على عقب، ويبدأ يراها تنتهي أمام عينيه، ويتمنى لو يكون في حلم أو كابوس يأتي أحد ويوقظه منه، فكيف إذا سمعها من الطبيب، والأهم كيف يواكب الطبيب مسيرة علاج مريضه على المستوى المعنوي كذلك حتى لا يستسلم أو يضيق ذرعاً بالانتظار ويقدم على عمل مضر بالنفس؟

إن الأساليب الحديثة في التخاطب بين الطبيب والمريض تقوم على المصارحة الواضحة والمباشرة وتقديم الأجوبة الحاسمة بالترافق مع نتائج الفحوصات القاطعة، والطبيب في هذا المجال في موقع سرد الحقيقة، بعيداً عن كثير من التأثر الذي قد يجر المريض أيضاً إلى الانهيار والخوف، فالطبيب لكثرة ما يرى من حالات تتزايد في خطورتها وكثرة ما ترده من حلالات طارئة يواجهها، يجب أن يتسم بهدوء الأعصاب، ما يؤهله لأن يفكر ملياً في ما يجب أن يفعله، وليخبر المريض بأحواله بلا مواربة، لكن بعض الأطباء، خلاف ذلك، يرون أن المريض أهم من المرض ومن الجائز عدم إطلاعه مباشرة، بل اللجوء إلى اعلام أقرب المقربين إليه فقط، وذلك تجنباً لإحداث صدمة لديه يظن معها ان كل شيء انتهى، في حين أن الصواب يكون بربطه دائماً بخيط الأمل وإبقائه، ذا إرادة قوية إلى حين توفر علاج جديد قد يكون فعالاً وحاسماً في المستقبل. وفي ذلك يكون الطبيب في معرض مقاومة للمرض كأنه في علاقة تحد ومقاومة لقوى الطبيعة التي تشد المريض نحو الموت ومحاولاته لتخليصه منه، فالعلاقة هنا لا تنحصر فقط بين الطبيب والمريض.

وعلى كل حال، يستحسن نقل أخبار المرض العضال إلى المريض بشكل تدريجي، ما يجعله يستوعب حالته شيئاً فشيئاً، ويستنتجها محاولاً بنفسه أن يضع دفاعاته النفسية كلما تقدم في فهم الحالة التي تلم به، ويستطيع الطبيب في بداية الأمر إعطاء صفات معينة لهذا المرض الموجود وإعلان هويته بالأعراض التي ترافقه، فالبعض يفسر عدة حالات من السرطان بأنها تكاثر خلايا وحتى الناس العاديون يأنفون من ذكر هذا المرض بالاسم فيقولون ان فلاناً مصاب بذاك المرض ويلقبونه بالمرض الخبيث، والطبيب من الناحية النفسية، وفي حال إفشاء حقيقة المرض أمام المريض، طبعاً يكون في حالة غيظ، لأن من الخطأ تصوير هذا المرض بأنه فتاك ظالم، ويريد الطبيب أن يشعر مريضه بغضبه إزاء نتيجة إهمال المريض لنفسه مما أوصله إلى هذا الدرك، ويريد الطبيب أن يكون هذا المريض عبرة للآخرين، كي يأخذوا الأمور الصحية بجدية لينقذوا أنفسهم، فهناك أمراض لو اكتشفت من بدايتها لهان علاجها ولما تحولت إلى مرض عضال، وعلى الطبيب دائماً أن يفتح نوافذ الأمل للمريض من دون أن تكون هذه الآمال بعيدة المدى ومتعددة لأن المريض عندها يشعر بالتعب والضياع والاحساس بعدم القدرة على الانتظار، فيصبح أكثر احباطاً، وكذلك وجود الناس قربه يشعره بالطمأنينة وبأنه لا يزال على قيد الحياة، ولكن الدعم الأهم من هذا كله يجب أن يأتي من المجتمع بما يوفره من دعم طبي ومادي، فلا قيمة للشعور إذا لم يكن مصحوباً بأدوية فعالة وخبرة طبية، ومن دون ذلك لا يكون الدعم المعنوي للطبيب إلا تعويضاً عن فشله وخلو يديه من كل ما يجب تقديمه من خبرة وعلاجات، كما أن الدعم المادي من المجتمع يعطي المريض شعوراً بالأمن الاجتماعي والطمأنينة بأن العلاج سيصله وقد يشفى.

بيتر قشوع - الشارقة