قبل أن تهدأ القضية التي أثارها شارلز فريمان، واتهم فيها اللوبي الإسرائيلي بإفشال ترشيحه لقيادة مجلس الاستخبارات الوطني، تأتي مذكرات سفير مرموق آخر لتصب الزيت على نار الجدال المحموم الدائر حالياً . السفير جون غونثر دين، يقول في مذكراته، انه على مر السنين لم يكن تحت ضغط الجماعات المناصرة ل إسرائيل فحسب، ولكنه كان أيضاً هدفاً لمحاولة اغتيال حركتها ونسقتها إسرائيل في العام 1980 في لبنان، عندما بدأ السفير دين فتح قنوات اتصال مع منظمة التحرير الفلسطينية .

أدى اشتباه دين في أن يكون عملاء إسرائيل متورطين في تحطم طائرة الرئيس الباكستاني الجنرال ضياء الحق ومقتله في ،1988 الى اعلان واشنطن أن السفير دين غير لائق ذهنياً، وأجبر دين على الاستقالة من الخدمة الخارجية بعد ان ظل يعمل فيها لمدة ثلاثين عاماً، وبعد ان ترك الخدمة العامة، أعادت له وزارة الخارجية اعتباره، وقدمت إليه ميدالية خدمة مميزة، وأخيراً شجعوه على ان يكتب مذكراته، ودين البالغ من العمر 82 عاماً، يرى الآن ان التقدير الايجابي الذي تلقاه لاحقاً، دليل على ان اتهامه بالخبل كان اتهاماً زائفاً، وهذا ما أكده فيما بعد الرئيس السابق للخدمات الطبية في وزارة الخارجية .

ودين، الذي تأتي مذكراته بعنوان مناطق الخطر: قتال دبلوماسي من أجل مصالح أمريكا، كان سفيراً للولايات المتحدة في لبنان في اغسطس/آب 1980 عندما تمت مهاجمة قافلة من ثلاث سيارات، كانت تقله مع أفراد أسرته بالقرب من بيروت .

حول هذه الحادثة، كتب دين: لقد كنت هدفاً لمحاولة اغتيال نفذها ارهابيون، باستخدام بنادق اوتوماتيكية، وأسلحة مضادة للمدرعات، صنعت في الولايات المتحدة وشحنت ل إسرائيل . ويضيف دين أسلحة ممولة ومهداة من الولايات المتحدة ل إسرائيل، استغلت في محاولة لقتل دبلوماسي أمريكي .

بعد هذه الحادثة، كثرت نظريات المؤامرة في الشرق الأوسط حول من خطط لهذا الهجوم، ولماذا كان لبنان دولة خطرة .

وقال دين ان الخارجية الأمريكية أجرت تحقيقاً، ولكنه لم يخبر بنتائجه أبداً . وفي مذكراته قال دين انه حاول معرفة نتائج التحقيق عبر الهاتف لمدة ثلاثة أسابيع، ولم يجن إلا صمتاً رسمياً من واشنطن، وعندئذ علم دين من خبراء أسلحة في الولايات المتحدة ولبنان، أن البنادق والذخائر التي استخدمت في الهجوم، سلمها إسرائيليون لميليشيات مسيحية متحالفة معهم .

وقال دين في مذكراته: أنا أعلم ومتأكد من ان الموساد كانت متورطة بشكل ما في الهجوم، وذكر انه تعرض لانتقادات حادة من الساسة الإسرائيليين ومن الإعلام، لاتصالاته مع الفلسطينيين، وأضاف دين: من دون شك، استخدمت حليفتنا إسرائيل ميليشيا عميلة لها وحاولت اغتيالي .

مذكرات دين، التي ستنشر في مايو/أيار المقبل ضمن سلسلة مذكرات جمعية الدراسات الدبلوماسية، بعد أن تمت مراجعتها وإجازتها للنشر من قبل وزارة الخارجية بعد ان اجرت عليها تعديلات طفيفة جداً، ولن تؤثر هذه التعديلات في النقاط الرئيسية لدين . والفكرة المحورية في مذكرات دين، هي ان الدبلوماسية الأمريكية يجب ان تتبع المصالح الأمريكية، وليس مصالح دولة أخرى، بغض النظر عن درجة صداقتها . في مذكراته، يبدي دين وهو يهودي فرت عائلته من الهولوكوست استياءه من مناخ وافتراض عام يشمل البعض في الكونجرس، بأن عليه ترقية مصالح إسرائيل في عمله الدبلوماسي .

دين الذي يجيد اللغة الفرنسية، بدأ خدمته الدبلوماسية الطويلة، بتدشين بعثات دبلوماسية في دول غرب افريقيا التي كانت خارجة للتو من نير الاستعمار في بداية الستينات، ثم خدم لاحقاً في فيتنام، وبعدها اصبح سفيراً في كمبوديا والدنمارك، ولبنان، وتايلاند في تايلاند كان شارلز فريمان نائباً له والهند، وخلال عمله الدبلوماسي نال دين اشادة، لأنه تمكن، تجنب حمامات الدماء في لاوس في ،1970 بأن اسهم في مفاوضات ادت لتشكيل حكومة ائتلافية مكونة من أحزاب شيوعية، وأخرى غير شيوعية .

وكان دين دبلوماسياً مولعاً بالجدل، ولا يهاب مقارعة من هم أعلى مرتبة منه، وفي الغالب كان يحمل ولا يزال آراء معارضة ومصادمة، فعلى سبيل المثال، كان دين يعتقد ان الولايات المتحدة كان يجب عليها ان تحاول التفاوض مع الخمير الحمر بدلاً من تركهم يملأون كمبوديا برعبهم الوحشي .

وعندما كان سفيراً في الهند في الثمانينات، دعم سياسة رئيس الوزراء حينذاك راجيف غاندي، الذي كان يسعى لخلق تحالف محايد في افغانستان، يحول دون انشاء المجاهدين المدعومين بالسلاح من امريكا وباكستان حكومة اسلامية متشددة .

وبعد انسحاب السوفييت بعدة سنوات، استمرت الهند في دعم نجيب الله، وهو شيوعي وقائد امني اقرب لزعماء العصابات، تركته القوات السوفييتية خلفها وانسحبت وعندما زحف المجاهدون نحو كابول، رفض نجيب الله عرضاً من الأمم المتحدة بتسفيره للهند عبر ممر آمن، وفي النهاية لقي مصرعه مذبوحاً، وعلق على عمود انارة .

ووسط أجواء نهاية لعبة السوفييت في افغانستان، خدعت الخارجية الأمريكية دين للمرة الأخيرة، فبعد اغتيال الجنرال ضياء الحق، في حادث تحطم طائرة في اغسطس/آب ،1988 الذي لقي فيه السفير الأمريكي في باكستان ارنولد رافيل مصرعه، تلقى دين في نيودلهي معلومات من مسؤولين كبار، تفيد بأن الموساد من الممكن ان تكون محرضاً على الحادث، الذي كان فيه الطيار ومساعده عاجزين عن الحركة او فقدا التحكم، وكان ثمة اشتباه كذلك في أن عناصر من الاستخبارات الهندية قد تكون لعبت دوراً .

الهند وإسرائيل كانتا متخوفتين من عمل باكستان على صنع سلاح نووي القنبلة الاسلامية . وكان دين قلقاً للغاية من هذه التقارير، ومن محاولة وزارة الخارجية الأمريكية صد واعاقة اجراء تحقيق كامل في حادثة الطائرة في باكستان بواسطة مكتب التحقيقات الفيدرالي، ولذلك قرر دين العودة إلى واشنطن لإجراء مشاورات مباشرة وبدلا من عقد الاجتماعات التي كان موعوداً بها اخبروه بأن خدمته في الهند قد انهيت، وأرسل الى سويسرا للتحفظ عليه في منزل تملكه اسرة زوجته الفرنسية مارتين دوفونيه، وبعد ستة أسابيع سمح له بالعودة الى نيودلهي لشحن امتعته الشخصية، ثم عاد إلى واشنطن حيث قدم استقالته .

وفجأة، ومن دون سابق انذار، اعيد إليه وضعه واعتباره الصحي والعقلي، واخليت ساحته الأمنية، ومنح جائزة الخدمة المميزة، وتلقى خطاب اشادة من وزير الخارجية جورج شولتز .

وبعد عدة سنوات كتب دين في مذكراته: عرفت هوية الشخص الذي امر بإصدار تشخيص زائف، يقضي بعجزي عقلياً . لقد كان نفس الرجل الذي خدعني واشاد بي بمجرد رحيلي . . انه جورج شولتز .

الأسبوع الفائت، عندما سئل دين في حوار عبر الهاتف من منزله في باريس، لماذا ألحق به شولتز الأذى، اجاب دين باقتضاب: لقد كان مجبراً على أن يفعل ذلك .

* مراسلة صحيفة نيشن في الأمم المتحدة، وعملت سابقاً مراسلة لصحيفة نيويورك تايمز وألفت عدة كتب سياسية واجتماعية .

ترجمة: محمد إبراهيم فقيري