الدكتور عبد المنعم رماح رئيس قسم التفسير في كلية الدراسات الإسلامية جامعة الأزهر فرع شبين الكوم وعضو اللجنة العلمية لترقية الأساتذة في الجامعة نفسها، اسم يعرفه جيدا كل طلاب جامعة الأزهر وكل دارسي علوم القرآن وعشاق الشعر العربي، فهو أحد أكبر أساتذة التفسير في جامعة الأزهر وواحد من أبرع قارضي الشعر، وفضلا عن هذا وذاك فهو نموذج حي لقوة العزيمة وصلابة الإرادة، فرغم فقده لحاسة البصر صغيرا إلا أنه تحدى إعاقته وبإصرار تجاوز عقباتها، واستطاع رغم الإعاقة أن يحفر لنفسه مكانة بارزة بين أعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر وبين محبي اللغة العربية وشعرائها .

ولد الدكتور عبد المنعم في إحدى قرى مركز إيتاي البارود محافظة البحيرة شمال مصر وكان مبصراً لكنه أصيب وهو ابن 7 أشهر بمرض في عينيه فقد على أثره حاسة البصر يقول عن ذلك: حكى لي من حولي أن عيني كانتا في غاية الجمال عند ولادتي وتعرضت للحسد من إحدى السيدات لكن ما أقطع به هو أن غياب الثقافة الصحية عن البيئة الريفية التي ولدت فيها وعدم اللجوء إلى طبيب متخصص فور إصابتي بالمرض كانت أهم عوامل غياب بصري .

كان جد الدكتور عبد المنعم من مشاهير قراء القرآن الكريم في الوجه البحري في بداية القرن العشرين، أما أبوه فكان رجلا يقدر العلم ويقف خلف ابنه منفقا من ماله المتواضع ومشجعا بكل ما يستطيع، وفي سنوات طفولته اتجه د . عبد المنعم وبتشجيع من أبيه إلى حفظ القرآن الكريم على يد أحد مشايخ قريته وما إن وصل عمره 9 سنوات إلا وكان قد حفظ القرآن الكريم كاملا، وبجانب حفظ القرآن الكريم فقد وهب الله عبد المنعم صوتاً حسناً في قراءة القرآن وهو ما جعله بين خيارين إما أن يتجه إلى قراءة القرآن الكريم في قريته والقرى المجاورة في سرادقات العزاء والمناسبات العامة ويصبح قارئاً للقرآن، وإما أن يتجه إلى الطريق الأصعب وهو التعليم الأزهري .

يقول د .عبد المنعم: أشفق أبي علي من مشقة الالتحاق بالتعليم الأزهري خاصة أن أقرب معهد أزهري سوف ألتحق به يوجد في مدينة الإسكندرية التي تبعد عن قريتي قرابة 100 كيلو متر، إلا أن إلحاحي ورغبتي الشديدة في تحصيل العلم ومساندة والدتي لي، وتدخل بعض الأزهريين من أبناء قريتي الذين أوضحوا لأبي فوائد التعليم الأزهري والمكانة التي سوف أرتقيها فيما لو أكملت تعليمي الأزهري ونصيحة الدكتور محمد البهي وزير الأوقاف الأسبق رحمة الله عليه الذي كانت تربطه صله قرابة بأبي، وكان قد اختبرني في حفظ القرآن الكريم كاملا وفي معاني الألفاظ والجمل .

وفي المعهد الأزهري انتظم د .عبد المنعم في دراسته وراح يحصل العلم بشغف متجاوزا بعض مضايقات أقرانه الذين يشاركونه المسكن، متحاملا على نفسه في أن يطلب ممن حوله أن يقرؤوا له كتبه، غير مكترث بغربته عن أهله وهو الطفل الكفيف الذي لم يغادر قريته من قبل .

عن تلك الفترة يقول د .عبد المنعم: ما إن استقر بي المقام في مسكن قريب من معهدي الذي أدرس به حتى بدأت أواجه بعض المشكلات، فأقراني ممن يشاركونني المسكن كانوا يرفضون أن يصطحبوني إلى المعهد معهم أو أن يأخذوني حتى إلى المسجد القريب الذي كانوا يستذكرون فيه دروسهم كعادة كل الأزهريين في ذلك الوقت، أمام هذا الموقف لم يجد أبي بداً من أن أنتقل إلى مسكن آخر، وعندها طلبت السيدة صاحبة المسكن أن تضمني إلى أبنائها وترعاني رعاية خاصة بأن تصحبني بنفسها إلى المعهد كل يوم وتجهز لي احتياجاتي الأساسية من المأكل والمشرب، وكانت سيدة في غاية العطاء والكرم سهلت علي كثيراً من مشقة تحصيل العلم وأعانتني على تجاوز عقبات إعاقتي في نواحي حياتي المختلفة .

داخل معهده الأزهري وعلى أيدي أساتذة فضلاء نبغ عبد المنعم متفوقا على أقرانه المبصرين حاصداً مراكز متقدمة في كل الاختبارات والامتحانات التي يجتازونها، إلا أن مشكلة المشكلات التي واجهته في تلك الفترة كانت عدم وجود من يقرأ له فكان يتغلب على ذلك بأن يستأجر من يقرأ له تارة ويطلب من أحد رواد المساجد أوقات جلوسه فيها أن يقرأ له، وفي النهاية تعلم طريقة برايل في القراءة إلا أنها لم تكن تجدي معه لأن الكتب الأزهرية المكتوبة بهذه الطريقة نادرة جدا وغير منقحة، ولا ينسى الدكتور عبد المنعم فضل مشايخه في المعهد الذين نبهوه إلى امتلاكه موهبة في الخطابة وقرض الشعر وأرشدوه إلى طرق صقل هذه الموهبة واستمعوا منه إلى بعض أبياته واستحسنوها .

يحكي د .عبد المنعم: كان لي شيخ يعلمنا الخطابة والإنشاء اسمه الشيخ محمد عبد السميع وكان واسع الثقافة متعدد المدارك، ومن بين ما كان يعلمه لنا أنه كان يطلب منا أن نلقي في مادة الإنشاء على زملائنا ما نكتبه عن الموضوع الذي يطلبه منا، وكان يصحح لنا أسلوب الإلقاء ويحثنا على اختيار الكلمات الأجزل والأفضل في توصيل المعنى الذي نريده وأدين للشيخ محمد صابر عاشور بفضل كبير في أن حثني على حفظ الكثير من أبيات الشعر لشعراء العربية قدامى ومحدثين بعدما لمس فيّ موهبة قرض الشعر وإجادة كتابته .

وضمن العشرة الأوائل من المكفوفين على مستوى الجمهورية حصل الدكتور عبد المنعم على شهادة الثانوية الأزهرية ليعد نفسه بعدها للالتحاق بكلية أصول الدين، وعن سبب اختياره لهذه الكلية يقول: كان من بين أعلام أساتذة التفسير في جامعة الأزهر أيام التحاقي بالجامعة الأستاذ الدكتور أحمد السيد الكومي وكنت أحبه كثيرا ليس فقط لكونه من قرية مجاورة لقريتي ولكن أيضا لاتساع معارفه وشمول ثقافته وبلاغة حجته وكانت له مكانة عظيمة بين أهالي كل القرى المجاورة لنا فتمنيت أن أصبح مثله في المستقبل واخترت أن التحق بكلية أصول الدين التي تخرج فيها والتي يدرس بها .

ووسط بعض الصعوبات التحق الدكتور عبد المنعم في كلية أصول الدين في القاهرة ونبغ في تحصيل علومها وتخرج فيها بتفوق يقول عن تلك الفترة: كان لي قريب يشغل منصبا مرموقا في وزارة الداخلية أعانني على تجاوز مصاعب تقديم أوراقي، بعدها ونظرا لعدم وجود من أسكن معه أقمت في إحدى اللوكاندات القريبة من جامعتي بمنطقة الحسين وقد كان صاحبها رجل ذو فضل فخفض لي من أجرة السكن ووفر لي من أملي عليه عند حاجاتي لمن يكتب الأبحاث التي يطلبها أساتذتي في الجامعة فضلا عن تشجيعه المستمر لي، وقد أكرمني الله أيضا في تلك الفترة ببعض الأصدقاء المخلصين الذين كانوا يقرؤون لي دون كلل أو ملل .

إلا أن عقبه جديدة صادفته ولم يكن له حيلة في مواجهتها يسردها الدكتور عبد المنعم بقوله: اشترطت الجامعة في من يكتب للمكفوفين في امتحان نهاية العام ألا يزيد في تعليمه على الإعدادية دون اختبار في جودة الخط أو صحة كتابته للغة العربية، مما كان له أثر في عدم وضوح الإجابة في الامتحان وبالتالي تقدير أقل مما استحق إلا أنني رغم هذا حصلت على تقدير جيد طوال سنوات دراستي الجامعية .

حصول الدكتور عبد المنعم على شهادة ليسانس أصول الدين بتفوق لم يكن يعني له نهاية مطاف تحصيل العلم، فرغم تعيينه مدرسا بأحد المعاهد الابتدائية الأزهرية فور تخرجه إلا أنه قدم أوراقه في ذات الوقت للدراسة في مرحلة الدراسات العليا بكليته للحصول على درجة الماجستير، ولم يكتف بذلك بل إنه في تلك الفترة افتتح معهداً للدراسات الإسلامية يدرس فيه قمم من علماء مصر أمثال الشيخ محمد أبو زهرة والدكتور عبد العزيز كامل والدكتور عيسى عبده عليهم رحمة الله جميعا فالتحق به أيضا طالبا ودارسا للدراسات الإسلامية .

وبين وظيفته كمدرس أزهري ودراسته للماجستير وانشغاله بالدراسة في معهد الدراسات الإسلامية، راح الدكتور عبد المنعم في جد واجتهاد يوفق بين تلك المسؤوليات وباقتدار وبدرجة جيد جدا حصل على الماجستير عن موضوع آيات حد الزنى والقذف واللعان في سورة النور . . دراسة مقارنة بين الشريعة والقوانين الوضعية، وفي العام نفسه حصل على شهادة معهد الدراسات الإسلامية بتقدير جيد جدا جامعا بين ذلك وبين شهادة من حوله بأنه مدرس ناجح لتلاميذه في المعهد الذي عين فيه .

وبعد الماجستير، لم يضيع الدكتور عبد المنعم وقتاً وانتقل إلى مرحلة الدكتوراه التي كان موضوعها قصة إبراهيم الخليل ووجه تعددها في القرآن الكريم، إلا أنه ما إن شرع في إعداد رسالته حتى حدث ما لم يكن يتوقعه .

يقول الدكتور عبد المنعم: كنت قد أكرمني الله بزوجة كانت صاحبة فضل كبير علي بوقوفها إلى جواري وتشجيعها لي وتذليلها الصعاب أمامي حتى أنها كانت تنسخ المادة العلمية التي أحتاجها بخط يدها من المراجع والكتب في المكتبات الجامعية والعامة وشاء القدر أن تنتقل هذه الزوجة الحنون إلى جوار ربها وأنا في منتصف الطريق للحصول على الدكتوراه عندها ولفترة أحسست أن الدنيا أظلمت أمامي وأني من جديد فقدت نور عيني اللتين لم أشعر يوما بأني فقدتهما وظللت على هذه الحال عامين كاملين إلى أن رزقني الله بعض الأساتذة الذين ردوني إلى صوابي وحثوني على استكمال المسيرة ووفقني الله وحصلت على درجة الدكتوراه في التفسير وعلوم القرآن بمرتبة الشرف الأولى وعمري لم يتجاوز الثالثة والثلاثين رغم سنوات التوقف التي اعترتني بعد وفاة زوجتي رحمها الله .

وما إن حصل على شهادة الدكتوراه حتى تم تعيينه مدرسا في كلية أصول الدين جامعة الأزهر فرع شبين الكوم وفي هذه الكلية راح الدكتور عبد المنعم يعطي من علمه الغزير لطلابه حتى تخرج من تحت يديه مئات الدعاة والخطباء فضلا عن العلماء في التفسير وعلوم القرآن .