كانت مارتين تحلم في طفولتها أن تصبح يوماً ما مهرجة على المسرح، لكن والدتها اصرت أن تصبح طبيبة وبالفعل حققت أمنية والدتها وغدت طبيبة أسنان تمارس مهنتها نهاراً أو تتفرغ كلياً لتشبع هوايتها التي طالما حلمت بها في المساء .وتقول الدكتورة مارتين: والدتي كانت تحمل دبلوماً في الادارة وتهوى البيانو أما والدي فولد في الجزائر وكان يطلق عليّ لقب شعاع الشمس وكان مهندساً ومخترعاً، كما كان يهوى التصوير، ورغم هوايتهما إلا أن والدي كانا يحاولان تربيتنا أنا وأختي تربية صارمة تعتمد على تحمل المسؤولية لا سيما والدتي التي كانت لا تتصور أن تعمل احدانا في عمل غير علمي لأنها كانت مقتنعة بضرورة أن تعمل المرأة وتكسب رزقها بمعزل عن زوجها .

تشير مارتين الى أنها ولدت في العام 1957 وعاشت فترة الستينات بكل عنفوانها وثورتها الثقافية والموسيقية، وتقول: عندما كان اصدقائي يستمعون الى موسيقا الروك، كنت لا أحلم الا بالشعر والتعبير بالجسد، ولذا قمت بتكوين فرقة مع اصدقائي وكنا نمثل مسرحيات هزلية، كما كنا نتعلم الرسم إضافة الى التمثيل بلغة الجسد .

وتضيف: عندما تقدمت الى شهادة الثانوية العامة كنت احمل في جعبتي كل هذه التجارب، ولذا فإن أفضل درجاتي كانت في مادة الرسم حيث حصلت يومها على الدرجة الكاملة وعندها وجدت ان حلمي في طريقه الى التحقق فإما أن أصبح فنانة وإما لا شيء . إلا أن الرياح سارت بما لا تشتهي السفن بالفعل فقد كانت دراستي الجامعية هي الطب حسبما أرادت والدتي لي . وهنا اخترت أن أدرس طب الأسنان لأن الدراسة لا تدوم لأكثر من 5 سنوات مقابل 7 سنوات في الطب العام . والواقع أن اختياري لطب الأسنان كان نابعاً من ميولي الفنية .

وفي السنة الرابعة كنت اتدرب على أناس يبحثون عن علاج رخيص لأسنانهم وكنت بدوري أستفيد من هذه التجربة كي ادعم خبرتي العملية في مجال الطب وفي التعرف الى الناس عن قرب لأن مسألة التواصل مع الناس كانت تروق لي كثيراً لا سيما في ادخال السرور على أنفسهم ورسم الابتسامة على شفاههم .

وفي الوقت نفسه، كنت اتابع دراستي في مجال المسرح في باريس وكانت المحاضرات تنتهي عند منتصف الليل . وفي العام 1980 انهيت دراسة طب الأسنان برسالة جامعية حول الفم والأسنان من خلال الحملات الاعلانية، كما انجزت رسالة عن مصمم الرقص الألماني فيليب بينابوخ وبالتالي فقد غدوت طبيبة أسنان وفنانة في الوقت نفسه .

وتتابع مارتين سرد حكايتها بالقول: وجدت لنفسي وظيفة في احدى العيادات المتخصصة في طب الأسنان حيث كنت أعمل 3 أيام في الأسبوع بمعدل فحص 20 مريضاً في اليوم، أما بقية أيام الأسبوع فكنت حرة أمارس فيها هوايتي مع نخبة من الكوميديين والموسيقيين، والواقع أن الحياة ابتسمت لي لفترة طويلة، فأثناء دراستي للفنون التشكيلية تقابلت مع طالب يدرس العلوم السياسية وكان الحب من النظرة الأولى، وعلى اثر ذلك تزوجنا وبدأت أعمل في المسرح وأقدم عروضاً هزلية في المساء لكن الدور الذي كنت احلم به هو دور الأم، وهذا ما تحقق لي عندما رزقت بطفلين، ففي هذه المرحلة بلغت سعادتي أوجها وكان علي أن اضع حداً لحياتي البوهيمية التي كنت لا ازال اعيشها مع زوجي .

وفي العام ،1996 وجد زوجي وظيفة في مجال الصحافة وكان مجبراً على العمل بها لزيادة مواردنا علماً بأنه كان لا يحب هذه المهنة، أما أنا فاضطررت أن اضع حداً لعملي في عيادة الأسنان لأن صاحبها كان نصاباً ولم احصل إلا على مبالغ زهيدة منه الأمر الذي زاد من الضغط المادي علينا وزاد في ديوننا، وهنا اضطررت كذلك مجبرة لأترك العمل في المسرح لاتفرغ لمهنتي في طب الأسنان تماماً واعتني بطفلي الصغيرين خاصة أن زوجي كان منهمكاً في عمله حتى إنه لم يكن يجد الوقت الكافي لنا كعائلة . في خضم هذه الأوضاع المعيشية احسست أن الحياة بدأت تعاندني جداً بعدما ان فتحت لي ذراعيها تماماً، لكن ما العمل؟ فهذه هي الحياة، فالتعب والضغط النفسي والأعباء الكثيرة لا سيما المادية منها اثرت في حياتي وحياة زوجي خاصة أنني كنت مجبرة على العمل في عيادة ثانية كطبيبة للأسنان لأزيد من دخل العائلة على مدار الأسبوع بأكمله حتى أيام العطل، اللهم إلا بعض أيام الأحد .

وحتى لا تذهب هوايتي التي اسرفت عليها الكثير من الجهد والوقت، كنت استغل يوم الاحد لأعود إليها ولكي اخرج قليلاً من ضغوط الحياة اليومية كطبيبة أسنان . ولقد استمررت على هذا المنوال لخمس سنوات، استطعت خلالها أن اسدد ديوني كلها تقريباً وأن اتخلى عن الوظيفة الثانية كطبيبة أسنان وأكتفي بنصف دوام بمعنى أنني عدت الى ممارسة مهنة طب الأسنان لثلاثة أيام في الأسبوع أما بقية الأيام فكنت اكرسها للفن ولهوايتي التي طالما أحببتها وهو ما كنت أحلم به بالفعل . وفي هذه الاثناء تعاقدت مع اختصاصية في تدريب المهرجين كلود فيالا التي استطعت بفضلها أن أحسن مهاراتي الإبداعية كمهرجة وممثلة مسرح كوميدية .

وفي العام ،2007 حدث تحول كبير في حياتي حيث استطعت أن انشئ مؤسستي الخاصة رحلة ممتعة واكتب عروضي المسرحية، الى درجة أن العروض الهزلية غدت محببة كثيراً الى المشاهدين وأصبحت جزءاً من حياتي واستطعت باصراري ورغبتي في تحقيق النجاح أن اتغلب على العقبات الكثيرة التي واجهتني وعائلتي واحقق حلم والدتي وحلمي وأن احافظ على عائلتي لأنني أردت بالفعل ان اعاند الحياة كما عاندتني، فهل تراني سأنجح دوماً في معاندتها، هذا ما لا طاقة لي به، لكن على الانسان ان يحاول حتى الرمق الأخير .