تواجه الأراضي الفلسطينية كغيرها من الدول العربية المحيطة أزمة مياه حادة جراء ما تتأثر به من عوامل مناخية وطبيعية مثلها بقية الدول العربية المحيطة، الا ان الوضع في الاراضي الفلسطينية يزداد سوءاً مع نشوء عوامل اخرى الى جوانب العوامل الطبيعية، حيث تتمثل تلك العوامل في ما تمارسه سلطة الاحتلال الاسرائيلي مما يصفه العديد من المسؤولين الفلسطينيين بالبلطجة الاسرائيلية في السيطرة على الحقوق المائية للفلسطينيين وسرقة الحصص المائية لهم بقوة السلاح وفرض قيود مشددة عليهم الى حد انهم باتوا يجدون انفسهم واقفين فوق المياه دون امكانية شربها، كما ان الاجراءات الاسرائيلية في هذا المجال تجعل الأراضي الفلسطينية تعيش ازمة نقص المياه في الصيف والشتاء .
تعمل اسرائيل على استغلال تأجيل بحث قضية المياه والحقوق الفلسطينية المائية التي كانت من بين القضايا المعلقة في ملف المفاوضات في المرحلة الانتقالية، الى مفاوضات الوضع النهائي من أجل استنزاف اكبر قدر ممكن من مياه الاحواض المائية الفلسطينية وفرض وقائع جديدة تحرم الفلسطينيين من الاستفادة او السيطرة على المياه، اضافة الى اتخاذ إجراءات تقود الى سرقة المياه من تحت اقدامهم، في حين يبقى الفلسطينيون رهينة لما تمنحهم اياه دولة الاحتلال من كميات محدودة من المياه .
وحسب المصادر الفلسطينية الرسمية في سلطة المياه، فان ثلاثة احواض مائية رئيسية موجودة في الضفة الغربية، هي الحوض الشرقي والشمالي الشرقي والحوض الغربي، يسمح للفلسطينيين وفقا لاتفاقيات اوسلو بالحصول على 118 مليون متر مكعب، اضافة الى تطوير 70 الى 80 مليون متر مكعب، الا انه بعد مرور خمسة عشر عاماً على توقيع تلك الاتفاقيات، فإن الفلسطينيين يجدون انفسهم في ازمة مائية حقيقية ونشوء وضع وصفه رئيس سلطة المياه الفلسطينية، د . شداد العتيلي، في حديث خاص لالخليج، بأنه مأساوي خاصة وان اكثر من 200 تجمع سكني فلسطيني لاتزال من دون شبكات مياه، حيث يلجأ المواطنون الى استخدام طرق بدائية في الحصول على المياه من خلال سعيهم لنقل المياه على ظهر الدواب، اضافة الى حرمانهم من الوصول الى مصادر المياه مثلما يجري في منطقة الاغوار والخليل .
وتقدر حاجة الفلسطينيين من المياه وفق القانون الدولي بما يترواح ما بين (800 الى 1000) مليون متر مكعب، الا ان واقع الحال يؤشر الى وجود عجز حقيقي في الحصول على المياه، حيث يؤكد العتيلي ان الجانب الاسرائيلي يسرق مياه الفلسطينيين، ويعمل على بيعها لهم باسعار مرتفعة جدا .
وحسب العتيلي فان سلطة المياه قامت خلال العام الماضي بشراء 50 مليون متر مكعب من الجانب الإسرائيلي لتأمين مياه الشرب فقط، حيث نجحت سلطة المياه في تأمين ما يقارب 23 مليون متر مكعب فقط من الكميات التي يحتاجها الفلسطينيون، موضحا ان من بين المشاكل التي يواجهها الفلسطينيون اضافة الى ذلك هو اقدام سلطات الاحتلال على منع الجانب الفلسطيني من بناء محطات معالجة المياه في المناطق الخاضعة للسيطرة الاسرائيلية .
وتتفاقم أزمة المياه في قطاع غزة مقارنة مع الوضع المأساوي اصلا في الضفة الغربية، خاصة وان الحديث يدور عن تحذيرات جادة من مخاطر تلوث الاحواض المائية في قطاع غزة، حيث اكد العتلي ان ما وصفها ب المأساة في قطاع غزة، تكون اعمق واكبر كون السكان يعتمدون في الحصول على المياه على الجزء الممتد الى اسفل القطاع من الحوض الساحلي وهو الحوض الرابع من الاحواض الجوفية المشتركة بين الفلسطينيين والجانب الاسرائيلي .
وتعتمد اسرائيل على قدراتها التقنية والتكولوجيا الحديثة في ممارسة اصطياد المياه العذبة قبل وصولها للحوض المائي في غزة الذي يستوعب فقط 60 مليون متر مكعب من مياه الامطار .
وقال العتيلي مع وجود مليون ونصف مليون مواطن في غزة فإن الحوض يجري استنزافه بصورة كبيرة خاصة وان حاجة السكان تصل الى 170 مليون متر مكعب ما يعني ان حجم الاستنزاف الجائر يصل الى 110 ملايين متر مكعب، الأمر الذي يؤدي الى تدمير الحوض ما أدى الى تحول مياه هذا الحوض الى مياه مالحة وزاد الوضع تفاقما .
واضاف ان عدم كفاءة محطات التنقية في قطاع غزة يؤدي الى تسرب 30 مليون من مياه الصرف الصحي الى الحوض الجوفي الساحلي ما يعني انه لدينا مياهاً غير صالحة للاستهلاك الآدمي في غزة .
وكان تقرير صادر عن البنك الدولي صدر في الربع الاول من العام الجاري حول تقييم وضع المياه وتنفيذ البند (40) المتعلق بالمياه ومياه الصرف الصحي ضمن اتفاقيات أوسلو، حمل الجانب الإسرائيلي والإجراءات المتبعة في لجنة ارتباط المياه التي أسست ضمن اتفاقيات أوسلو، مسؤولية تعميق ازمة المياه التي يعيشها الفلسطينيون من خلال استخدام الفيتو على تنفيذ المشاريع الفلسطينية، وتدخل الإدارة المدنية في المشاريع التي كنا نعتزم تنفيذها في منطقة (ج) وخاصة مشاريع البنية التحتية مثل مشاريع تنقية المياه العادمة، ومشاريع ردم النفايات، ما يجعل الشعب الفلسطيني الأفقر مائيا في منطقة الشرق الاوسط .
كما ان الجانب الإسرائيلي يحرم الجانب الفلسطيني من حقوقه المائية في حوض نهر الاردن، التي تتجاوز 250 مترا مكعبا من النهر نفسه حسب ما اكده العتيلي، في حين عمدت اسرائيل الى تحويل مياه نهر الأردن الى تجمعات مائية تسيطر عليها فيما بقي الجانب الفلسطيني ينتظر اليوم الذي يتمكن فيه من بناء قناة الغور الغربية .
ويؤكد المدير التنفيذي لمجموعة الهيدرولوجين الفلسطينيين، ايمن الرابي، لالخليج ان الوضع المائي في الاراضي الفلسطينية سيئ للغاية من خلال استمرار سلطات الاحتلال بمصادرة المياه والسيطرة على مصادرها، موضحاً ان كميات المياه المتجددة في الضفة الغربية لوحدها تصل الى 679 مليون متر مكعب من المياه في حين يسمح للفلسطينيين باستخدام كميات محدودة تصل الى 130 مليون متر مكعب فقط في حين ان حاجة الفلسطينيين للمياه تتراوح ما بين 500 الى 550 مليون متر مكعب .
ويرى الرابي ان الاجراءات والممارسات الاسرائيلية في السيطرة على الاحواض المائية الفلسطينية تنعكس بصورة مباشرة على النمو الاقتصادي وتطوره اضافة الى انعكاساته على قطاعي الزراعة والصناعة .
واضاف ان اسرائيل عمدت بعد الاحتلال عام 1967 الى تغيير الانظمة والقوانين الاردنية التي كانت نافذة في ذلك الوقت، وعملت على اصدار أوامر عسكرية وتعيين ضابط ارتباط اسرائيلي مسؤول على قطاع المياه في الأراضي الفلسطينية واعطت له كامل الصلاحيات في ادارة هذا القطاع حيث يمنع اقامة أية آبار من دون موافقته الأمر الذي ابقى هذا القطاع مرهونا بارادة هذا الضابط .
واشار الرابي الى ان الحوض المائي الغربي الذي يقع في منطقتي طولكرم وقلقيلية يعد من اكبر الاحواض المائية والذي يصل انتاجه من المياه المتجددة الى قرابة 362 مليون متر مكعب في حين يستفيد الفلسطينيون من 20 مليون متر مكعب فقط من خلال الآبار التي اقيمت قبل احتلال عام 1967 .
واضاف بقيت الأمور على حالها حتى تمت اقامة الجدار العنصري الذي هدف بالاساس الى منع الفلسطينيين من الوصول الى تلك الآبار التي يصل عددها الى 26 بئراً ما يعني حرمان جديد يتعرض له الفلسطينيون من الحصول على تلك الكميات من المياه .
ويرى الرابي ان هذه الاجراءات الاحتلالية زادت بعد توقيع اتفاقيات اوسلو التي كانت عبارة عن اتفاقيات ضمن المرحلة الانتقالية حيث تم تشكيل اللجنة المشتركة بين الفلسطينيين والاسرائيليين لاتخاذ القرارات المتعلقة بادارة قطاع المياه، مؤكدا ان المشكلة تمثلت في ان الاسرائيليين نجحوا في تلك الاتفاقيات من تثبيت الوضع القائم وربط اية تغييرات مع التوقيع على الاتفاقيات النهائية ما اتاح لإسرائيل الاستفادة اكبر قدر ممكن من هذا الواقع في وقت بقي فيه الفلسطينيون ينتظرون توقيع الاتفاق النهائي .
واضاف المرحلة الانتقالية كانت لمدة خمس سنوات لكن هذه المرحلة لم تستكمل ما يجعل الاسرائيليين يستفردون بجميع القرارات المرتبطة بادارة المياه ويتحكمون بطرق توزيعها اضافة الى ان اللجنة المشتركة ومن خلال التواجد الاسرائيلي فيها تعمل على عرقلة ورفض اية مشاريع مائية جديدة بمبررات متعددة ومتنوعة ما يعني ان الفلسطينيين باتوا يعيشون تداعيات مرحلة انتقالية لانهائية .
واوضح ان المشكلة تتفاقم حينما يتم الكشف عن حصة المستوطنين الذين يصل عددهم إلى نحو 450 الف مستوطن، يحصلون على كميات المياه من الحصة المخصصة للفلسطينيين في صورة تعكس مأساة حقيقية، اضافة الى حرص اسرائيل على اقامة مستوطنات ذات طابع استراتيجي في الضفة الغربية حيث جرت اقامتها فوق مناطق جبلية حساسة من جنوب الخليل حتى جنين في الشمال وذلك من اجل توفير الحماية لمنابع التغذية للمياه الجوفية التي توصل للاحواض المائية وحرمان الفلسطينيين من الوصول الى تلك المنابع .
واشار الى أن الحصة التي يتم تزويد المستوطنين بها من حصة الفلسطينيين المائية في الضفة الغربية تصل الى 44 مليون متر مكعب، في حين ان حصة الفلسطينيين في حالة تناقص رغم ان حقوقهم المائية مكفولة لهم في القانون الدولي وتغطي حاجتهم من المياه .
وفي دراسة اعدها الائتلاف الفلسطيني من اجل النزاهة والمساءلة في قطاع المياه الفلسطيني، واعدها الخبير الفلسطيني في المياه ، د . عبدالرحمن التميمي، فإن قطاع المياه في فلسطين يعتبر من أهم القطاعات التنموية، مؤكدا ان هذا القطاع بات محل جدل سياسي واقتصادي واجتماعي، نظرا لتعرضه للتشويه الإداري والتشريعي في فترات الحكم التركي، والبريطاني (والأردني والمصري) والاحتلال الإسرائيلي، وبعد مجيء السلطة جرت محاولات لمراجعة منظومة إدارة هذا القطاع، ولكن كون السيطرة على مصادر المياه من الاحتلال الإسرائيلي فقد تمت إعاقة إمكانية تنظيم القطاع بشكل يخدم الأهداف الاستراتيجية للشعب الفلسطيني .
وفي اطار الوصف لوضع المياه والتحديات التي تواجه هذا القطاع بالإضافة الى الإطار القانوني والترتيبات المؤسساتية لقطاع المياه، فقد اظهرت الدراسة أن مصادر المياه في الضفة الغربية تتألف من المصادر المتجددة للمياه العذبة القادمة من التجمعات المائية الجبلية، والتي تقدر بحوالي 650 مليون متر مكعب سنويا، إضافة إلى المياه السطحية الجارية في الوديان، والتي تقدر كميتها بحوالي 70 مليون متر مكعب سنويا .
واشارت الى ان الحوض المائي الساحلي يعتبر المصدر الوحيد للمياه في قطاع غزة، وهو عبارة عن حوض سطحي يزود جميع محافظات قطاع غزة بالمياه، ويمتد شمالا داخل إسرائيل، وتقدر كمية المياه المتجددة في هذا المصدر بحوالي 45 مليون متر مكعب سنويا .
كما يتمتع نهر الأردن بقدرة طبيعية لتوفير معدل تدفق سنوي يصل إلى حوالي 115 مليون متر مكعب سنويا، وتمتد ضفاف هذا النهر إلى كل من لبنان، وسورية، وفلسطين والأردن، وقد قدرت حصة فلسطين السنوية من مياه حوض نهر الأردن بحوالي 20% من مجموع التدفق السنوي، وكنتيجة لقيام الإسرائيليين بتحويل مياه الجزء الأعلى من نهر الأردن، لم تعد تنحدر من بحيرة طبريا أية مياه عذبة، وبالتالي فان الكمية ضئيلة التي تصل إلى الأرض الفلسطينية .
وحسب تلك الدراسة التي اعدت في الاشهر الاولى من هذا العام فان مجموع الاستهلاك الفلسطيني للمياه الجوفية في الضفة الغربية يقدر بحوالي 120 مليون متر مكعب سنويا . ويستخدم منها حوالي 86 مليون متر مكعب سنويا (71%) في ري حوالي000 .90 دونم من الأراضي الزراعية، وتستخدم الكمية المتبقية ( 34) مليون متر مكعب لأغراض الاستهلاك المحلي والصناعي، في حين بلغ مجموع استهلاك فلسطينيي قطاع غزة للمياه حوالي 125 مليون متر مكعب سنويا 70 مليون منها لأغراض الزراعة .
واشارت الدراسة الى ان إسرائيل تسيطر في الوقت الراهن، على حوالي 85% من المياه الجوفية المتوفرة للشعب الفلسطيني، علاوة على أنها تنكر على الفلسطينيين حقهم في مياه نهر الأردن ووديان غزة، وقد أدت هذه السياسة الإسرائيلية إلى حدوث أزمة مياه حادة في فلسطين بشكل عام، ومحافظات قطاع غزة بشكل خاص .
ورأت تلك الدراسة ان الخصوصية التاريخية للوضع المائي في الضفة الغربية ومحافظات قطاع غزة تسببت في حدوث قيود في الطلب على المياه، فبشكل عام تواجه عملية توفير المياه عقبات ناجمة عن قيود فنية وسياسية، علاوة على ذلك فإن قرابة 30% من التجمعات الفلسطينية غير مشمولة بالخدمة، وبالتالي فإنه لا يمكن التنبؤ بالاحتياجات المائية المستقبلية استنادا إلى الطلب الراهن على المياه .