نلاحظ هنا أن دراسة برادة المثمنة للمنتج الثقافي خلال المرحلة القومية سكتت عن القول إن المخيال السوسيولوجي لأجيال متعاقبة من المثقفين تعتز بقيمة هذا المنتج وتنظر اليه باحترام برغم غياب دراسات متعلقة بعلم اجتماع الثقافة تخبرنا بكم الإنتاج وجودته وتعبيره عن المجتمع آنذاك، نلاحظ مرة ثانية أن المثقف الفرد أحياناً ما يستطيع تقديم رؤية نهضوية تسبق حركية المجتمع، ربما تستبصرها أو تبشر بها، لا فارق، والنماذج العربية والعالمية عدة لا مجال لذكرها هنا، نحن لا نقلل من قيمة الدراسات الاجتماعية، ولكننا نرفض ذلك الربط الميكانيكي القطعي بين مكونات العملية الثقافية، وربما نلاحظ مرة ثالثة أن هناك اشكاليات عدة تتعلق بالدراسات الاجتماعية في الوطن العربي، ولا تقتصر فحسب على قطاع سوسيولوجيا الفن والثقافة.
تفرض علينا السوسيولوجيا التقليدية أن نتساءل عن كم المنتج الثقافي ونطلب ان يقوم أحد الباحثين بمقارنة المنشور من الروايات الآن بمثيله في الستينات، على سبيل المثال، الحال نفسه ينطبق على الأدبيات الفكرية، أما الجودة فهي من اختصاص النقاد الذين تورطوا في التنظير وابتعدوا عن الإفصاح عن قيمة المنتج الثقافي.
اما بخصوص ربط المنتج الثقافي بقواه الاجتماعية والتعبير عن احلام ومشاكل هذه القوى، فيفرض علينا الخيال السوسيولوجي وفق عالم الاجتماع الأمريكي رايت ميلز أن نلاحظ أنها اشكالية تتعلق بمجتمع المثقفين بالدرجة الأولى، وإذا كان العديد من الدارسين اشاروا الى صعوبات تتعلق بدراسة المجتمعات العربية، فإن دراسة المثقفين العرب كفئات وشرائح اجتماعية تمتلك رؤى وأفكاراً وسلوكيات شبه مستحيلة.
في كتابه المثقفون وعبدالناصر يشير مصطفى عبدالغني الى أكثر من 400 تعريف قدمتها دراسات مختلفة للمثقف العربي، وهنا نحن بانتظار من يرسم لنا خريطة ولو مبدئية لمجتمع المثقفين العرب الذي يعاني من تحولات بنيوية عميقة. فهذه الخريطة موجودة بالفعل، فكما هي واضحة في لحظات الحراك يمكن تلمس منمنماتها في زمن الأزمات.