أصبح بادياً لكل ذي عينين أن الثرثرة شائعة بين الناس اليوم، وأن من لا يحسن الثرثرة قالوا عنه: قفل، أو قالوا عنه: غبي أو أي شيء آخر، أما هم فعند أنفسهم هم الأذكياء، والمتفتحون، الذين يستطيعون تلوين الكلام، ومجاراة الآخرين بكل لون، دون حياء، أو خجل، فهم أبناء نكتة، وهم مرحون خفيفو الظل، لأن الدنيا عندهم هي الساعة التي يعيشونها، فلم يكدرونها على أنفسهم؟ إنهم يحاولون أن ينسوا همومهم في المزاح، ويتناسون مشكلاتهم في المقالب التي يدبرونها لبعضهم البعض، وهكذا أصبح الكلام بلا داعٍ شرعي سمة الناس، وديدنهم، وأن الضحك بلا سبب شرعي، هو بضاعة المعاصرين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وإذا كانوا قديماً قالوا: إن الضحك بلا سبب قلة أدب، فإن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الْعَبْدَ لَيَقُولُ الْكَلِمَةَ لا يَقُولُهَا إلا لِيُضْحِكَ بِهَا الْمَجْلِسَ، يَهْوِي بِهَا أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السمَاءِ وَالأَرْضِ، وَإِن الرجُلَ لَيَزِل عَنْ لِسَانِهِ أَشَد مِما يَزِل عَنْ قَدَمَيْهِ) (البيهقي)، وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أَلاَ هَلْ عسى رَجُلٌ منكم أن يتكلم بالكلمة يضحك بها القوم، فَيَسْقُطُ بها أبْعَدَ مِن السماء، ألاَ هَلْ عسى رجل منكم يتكلم بالكلمة يُضْحِكُ بها أصَحابَهُ، فَيَسْخَطُ الله بها عليه، لا يرضى عنه حتى يدخله النار) (أبو الشيخ).
ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يَمْزَحُ، ولكن لا يقول إلاّ حقاً، وكان يضحك، ولكن كان جل ضحكه التبسم، وكان نهاية ضحكه أن تبدو نواجذه، أي قواطع أسنانه الأمامية، وليس فيه رفع صوت، ولا قهقهة، ونحوها، ولا ضرب الأرض برجل من الضحك، ولا ضرب رأسه، ولا فتح فمه مثلما يفعله خفيفو الظل اليوم، ولم يرقص طرباً من شدة الضحك كما يفعله قليلو العقل اليوم، ولا نحو ذلك، بل كان يَضْحكُ مما يُضْحَكُ منه، وهو مما يُتَعَجبُ من مثله، ويستغرب وقوعه، ويستندر، أي يقع على وجه الندرة، وعلى غير العادة، لا أن يستدعى الضحك من المضحكين، وأشباههم، لأن كثرة الضحك تميت القلب، وإن أَبْعَدَ الناس من الله تعالى القلبُ القاسي، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لاَ تُكْثِرُوا الْكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ، فَإِن كَثْرَةَ الْكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِن أَبْعَدَ الناسِ مِنَ اللهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي) (الترمذي وغيره).
وأما هؤلاء الفسّاق الذين لا يجدون مادة يضحكون بها أمثالهم سوى آيات القرآن الكريم، أو أحاديث الهادي البشير صلى الله عليه وسلم فهؤلاء كفرة فَجَرة، قال الله تعالى فيهم وفي أمثالهم إلى يوم الدين: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُن إِنمَا كُنا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذبْ طَائِفَةً بِأَنهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (التوبة).
وأما من يتخذ المؤمنين والمؤمنات مادة للضحك أو السخرية، فمجرمٌ معلوم الإجرام، وقد توعده الله تعالى بالعقاب الأليم في الدنيا والآخرة قال تعالى: (وَالذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مبِينًا (الأحزاب)، وقال سبحانه: إِن الذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِن هَؤُلاء لَضَالونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوبَ الْكُفارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (المطففين).
وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه، ومن حَسِب كلامه من عمله قَل كلامه إلا فيما يعنيه.
وكان صلى الله عليه وسلم أفصح العالمين، وأعذبهم كلاماً، وكان إذا تكلم تكلم بكلام مفصل، مبين، يَعُده العادّ، ولا يَسْرِد الحديث كسرد المتفيهقين، والمتشدقين، والثرثارين في عصرنا، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا كره الشيء عُرِفَ في وجهه، ولم يكن فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا بذيئاً، ولا صخاباً، ولا عَياباً، وكان طويل السكوت كثير الصمت صلى الله عليه وسلم.
وإلى لقاء آخر.
والسلام عليكم ورحمة الله بركات