أبرزت آراء الكتّاب والمبدعين الذين تم استطلاع آرائهم خلال الأسبوع الفائت في مناسبة العيد، في الكثير من الصحف العربية ومن بينها الخليجية تعدداً في الطروحات التي تلتقي عند نقطة واحدة، وهي دور الفرح كحالة فيزيائية في شحن قدرات الإنسان الجسدية والحسية التي يمكن ترجمتها في أعمال متنوعة سواء كتابية أو ترفيهية أو عملانية مختلفة.

ومن بين المقارنات الصحيحة في هذا المجال اعتبار الحزن الذي هو رديف لحالة القلق أو اليأس يؤدي بالضرورة إلى النتيجة نفسها، القادرة على توليد ميكانيزمات جديدة تعمل على إثارة العقل الباطن للإنسان، هذا العقل الذي يتم ذكره في صيغة مجاز ليعبر عن وعي مضمر يتشكل في صورة ابداعات تتفجر من تموضع الحالة الكامنة، وتعمل على تحفيز ممكنات الإبداع وملكات الخيال لدى الإنسان.

في كل من هاتين الحالتين المتناقضتين أي (الفرح والحزن) تكمن تلك القوة المضاعفة التي تؤول إلى طاقة جبارة في نفس المبدع الحقيقي وتميزه عن سائر الناس، ويتم استثمارها في صيغة أفكار مبتكرة من شأنها اختبار حساسيته في النظر إلى الأشياء من حوله. وكثر هم الفنانون والموسيقيون العالميون الذين عاشوا حالات مشابهة، مثل بيتهوفن وموتسارت وفان جوخ، أبدعوا أعمالاً تحت تأثير تلك الحالات، ومازالت أعمالهم خالدة حتى يومنا هذا.

الفرح إذاً هو ثقافة ضد الحزن، وعلى النقيض من ذلك، فإن اليأس يصبح قاتلاً ما لم يتم استثمار طاقته في صيغة إيجابية تحقق نموها المشروع في الصالح الإنساني، وتبشر بأمل يسعى للتحقق.

لقد عرف عن الشعب الياباني الذي تعرض لضغوط نفسية كبيرة بعد الحرب العالمية الثانية جراء قصف أراضيه بالقنبلة النووية إصراره على معالجة جروحه من خلال الضحك، إلى الدرجة التي أصبحت تعقد فيها جلسات خاصة للتمرن على صنع الضحكة باختيار حلقات تضم بضعة أشخاص، يبدأها أحدهم بفتح جوف حلقه ومن ثم استثارة الحبال الصوتية بغية إصدار قهقهة، تتبعها قهقهات متتالية تنتهي بضحكة حقيقية نابعة من القلب.

وقد تكون تلك طريقة مجهدة من أجل الوصول إلى ضحكة صافية حقيقية، لكنها تشكل رداً جوهرياً في وجه العالم القاسي، يفكك سحابات الغموض، فالتاريخ البشري يمكن النظر اليه باعتباره جزءاً من حكاية غنية معقدة، بدأ الإنسان بالتغلب عليها من خلال الأسطورة والحكاية، انتهاء بتطور آليات الكتابة والفنون الابداعية التي نراها اليوم، والتي تقدم ترجمة لأحلام الناس وطموحاتهم، كما تحول الأفكار المجردة إلى إداعات ملموسة تختبر قدرة الإنسان على التحدي.

إذن علينا أن نسعى لاستعادة ذاك السحر العنيد تحت قشرة العادي والباهت والغامض، لنكون الأقدر على الاشتباك مع مصائرنا ولنتقبل فكرة أننا جزء من حكاية معقدة ولكن غنية بالكلام الذي يجرجرنا إلى الفرح، ذلك الإحساس النظيف الطفولي الذي يدلنا على براءتنا.

عثمان حسن