تقول إحدى الأغاني التي وردت في فيلم لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية : أريد أن اتسلق أعلى قمة لأحتسي الشراب، لكن في القمة هناك من ينتظر ليسجنني. هكذا كانت نوعية الطرح الانتقادي للمخرج الإيراني بهمن غوبادي في فيلمه الذي عرض أول أمس ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في المهرجان.
الفيلم رصد واقعي للمجتمع الايراني وسعيه للانفتاح على العالم، وهو نقد سينمائي محكم لحدود حرية التعبير، اختار الكاتب أن يجسدها من خلال مجموعة من جيل الشباب في سعيهم الحصول على ترخيص لفرقة إندي روك ايرانية. الفيلم مستند على وقائع وأشخاص حقيقيين كما أوضح المخرج الذي لامس هذا العالم الخفي في ايران بنفسه بعد ان منعت السلطات منحه الترخيص لتصوير فيلم قبل ثلاث سنوات، أخذا بنصيحة بعض المقربين داخل عالم هذا النوع من الموسيقى، ومنها خرج بقصة الفيلم.
شخصيات الفيلم الرئيسية فتاة مغنية تدعى نيغار وعازف جيتار خرج لتوه من السجن ويدعى أشكان، يسعى الاثنان للمشاركة في مهرجان الموسيقا في فرنسا ولندن، ولا بد من رخصة للفرقة وجوازات سفر لأعضائها. ضمن هذه الاطار الفني تتحرك الشخصيات، ويضفي الشاب الضالع في عالم الموسيقا الخفية نادر مسحة كوميدية على الفيلم من خلال أدائه العفوي، ويخاطب نيغار معلقا على مشروعها الموسيقي انت لست فقط متمردة بل تريدين صنع موسيقا خاصة بك أيضا ويكون دليلها إلى الموسيقيين والمغنين في الخفاء. إنها ايران الخفية، حيث الاستديوهات الخاصة بتسجيل هذه الموسيقا تتم في أقبية المباني وحتى في حظيرة الحيوانات بين الأبقار ليتداخل صوت هذه الحيوانات مع أصوات بروفات هذه الأغاني في مشاهد لا يقصد منها الاضحاك أو نقد الأوضاع السياسية، بل لتصوير قوة الحياة لديهم، ويصور الفيلم كيف أن المنع والحظر بقرار رسمي ينتج نقيضها في الخفاء، وهو ما ظهر من خلال شخصية مزور الأوراق الرسمية المحترف ديفيد الذي يمنح جوازات سفر إيرانية لكلّ من يريد الخروج إلى أية دولة، وتختلف الأسعار حسب استقرار البلد، حيث تكون أرخص التأشيرات إلى أفغانستان بسعر خمس دولارات بينما إلى أمريكا يصل السعر إلى 25 ألفا. الفيلم ليس حبكة مشوقة تتضمن خطوطا كثيفة للأحداث تلتقي في نقطة معينة ولا يتضمن معادلة تبحث عن حل في النهاية، بل يمكن وصفه بانه تصوير ليوميات موسيقيين يحاولون تحقيق ذاتهم، لكن هدف المخرج يبقى أبعد من ذلك، فقضية الفرق الموسيقية ليست أولوية حتى بالنسبة له ضمن اجندة الحرية التي يتحدث بها في كل مكان والتي كلفته الهجرة من ايران والعيش في نيويورك حاليا، لكن جزئية الموسيقا هذه حتى تصبح ممكنة ومتاحة فإن سلسلة من الاصلاحات التي لا بد منها قبل ذلك، وبالتالي فإن إيران لا تحظر الفرق الموسيقية، هي التي تحترم حرية التعبير السياسي والثقافي أولا. وبالتالي الموسيقا الحرة ستكون من نتائج الديمقراطية . فالموسيقا في النهاية ليست هي ما يشغل فكرة الفيلم الأساسية، وأثناء البروفات قام المخرج بتحويل الأغاني إلى كليبات من خلال صور خاطفة تظهر الأوضاع الصعبة التي يعيشها الناس في الأحياء الشعبية الفقيرة. واللافت أنه لم يظهر أي مسؤول إلا من خلال الصوت فقط، حرص المخرج على إخفاء وجوههم، كما في الحوار الذي يدور بين المسؤول الأمني وبين نادر الذي قبض عليه بتهمة الترويج لأفلام ممنوعة، هنا يظهر الفيلم كيف لمن يريد العيش في ايران أن يؤقلم عمله مع السياسة مثل نادر الذي يرتجي المسؤول بقوله :منذ أن فرضت أمريكا الحصار علينا، قاطعت أفلامهم لكن لدي أفلاما رائعة مثلهم، وأدعوك ان تتابع هذه الأفلام من وجهة نظر فنية. نهاية الفيلم جاءت مستقاة من التراث ، حيث يقفز أشكان من النافذة في المبنى الذي يقام فيه حفلة موسيقية ليتفادى الوقوع في يد الشرطة التي اقتحمت المكان، فتقوم خطيبته نيغار بالاقدام على الانتحار هي الأخرى في محاكاة للملحمة الكردية سيامند التي ترجمها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي إلى العربية. ما أراده المخرج من الفيلم قاله من خلال الأغاني.
يختلف أسلوب بهمن غوبادي في هذا الفيلم مقارنة بأفلامه السابقة، وباستثناء المشاهد الخاطفة التي كانت تظهر مع الأغاني التي كان يؤديها أعضاء الفرقة المفترضون، فإنه لم يستطع الكشف عن عبقرية استخدامه للكاميرا كما في فيلمه زمن الخيول المنتشية عام 2000 والتي نال عنها جائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان السينمائي، والحوارات بين الشخصيات بدت كثيفة على غير العادة. بعيدا عن الناحية الفنية والاخراجية الناجحة عموما، يمكن طرح عدة ملاحظات حول فكرة الفيلم، وهي موسيقا إندي روك، فهي موسيقا ليست شرقية بامتياز، والآلات المستخدمة فيها غربية تماما، ولا تعطي الايقاع الشرقي في أي شيء، ولدى مقارنتها بالموسيقا الايرانية الساحرة كتلك التي يغني على أنغامها معين أصفهاني، أو حتى الموسيقا الكردية الذي ينتمي المخرج إلى فضائها الثقافي، لكنه آثر أن يكون حامل فكرته إندي روك، وإذا أضفنا لها بعض المشاهد الأخرى، يمكننا القول إن الفيلم صنع ليعرض للغربيين.