سرد الذات كتاب جديد يضاف إلى المكتبة العربية والى إصدارات ومؤلفات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، هذا الكتاب له خاصية وله امتياز عن باقي الكتب لأنه يتحدث حول الذات، هذا الكتاب جاء بعنوان سرد الذات .

إذاعة وتلفزيون الشارقة أجرت لقاء مطولا مع صاحب السمو حاكم الشارقة حول هذا الكتاب، وما احتواه من معلومات، وتحدث سموه حول كتاب سرد الذات بشكل مطول، متناولا عدة عقود من العمل في الشارقة .

وفيما يلي الحوار:

صاحب السمو ما هو سر اختياركم لهذا الكتاب وهذا العنوان بالتحديد، البعض يسميه مذكرات حياتي، وسيرة حياتي لماذا سرد الذات بالتحديد؟

أولا الكلمة لها مدلولها، السرد يكون للكلام الجيد والطيب، والذات ليست النفس بل ما يسمح بإعلامه وإخباره ونشره، أي أن في هذا الكتاب كثيراً من الأشياء وربما 30 في المائة من محتوى الكتب لم تدرج فيه وحذف لا يصلح للنشر، لأنه يثير الضغائن والكراهية ويثير الأحقاد، وهذا طبعا لا يجوز أن يكون الإنسان متسببا بهذه الأشياء، وسرد الذات هو الكلام أو الحديث الطيب الذي يسمح بنشره وإعلامه .

البعض يقول لماذا الآن سرد الذات في هذه المرحلة التي تعتبر مرحلة مهمة، لماذا فضلتم أن يكون في هذه المرحلة؟ وماذا سيقدم لجيل الشباب، وخاصة المطلع الذي ينتظر مثل هذه الكتب القيمة؟

هذا الكتاب يروي قصة شاب كان طفلا ثم صبيا ثم شابا ثم اكتمل، وهذه المراحل هي مراحل البناء في شخصية كل إنسان، ومن سيطلع عليه، فسيلاحظ أن هناك نقاطا كثيرة كونت هذه الشخصية منذ البداية منذ الطفولة حتى في فترة الصبا وفي فترة الشباب، كانت كلها إضافات وإضافات تكون شخصية هذا الإنسان، ومنذ البداية سيلاحظ القارئ الالتزام بالخط الوطني التمسك بالتراث والثوابت منذ الطفولة .

يمكن أن الأجواء يا صاحب السمو كانت في هذا الخط منذ البداية والظروف المحيطة بكم لذا التزمتم بهذا الخط؟

لا، هناك مسببات كثيرة هي التي تدفع هذا الإنسان، وهذا الصميم ولو وجد في مكان خاوٍ، وفي عقل الإنسان مواقع إذا تركت ضمرت، وإذا نشطت كانت منها الذاكرة والإبداع والتفكير، وأنا تربيت في بيت فيه جانب من الجدية، ووالدي كان جاداً وشديداً وعمي الشيخ سلطان بن صقر فيه الطيبة والتسامح .

صاحب السمو ذكرت والدك الشيخ محمد بن صقر القاسمي وعمك الشيخ سلطان بن صقر، وأنت تأثرت بهاتين الشخصيتين؟

أولا بالنسبة لوالدي فإنه لم يرفع علي عصا أو يداً ولم ينهرني أبداً، ولم أكن مدللاً، وبالنسبة لعمي فهو إنسان مثقف ولديه مكتبتان، وهو إنسان طيب ومتسامح .

ومن تسامحه جاءه أحد الأشخاص، اشترى لحماً واكتشف انه فاسد، وأراد أن يرجعه، فذهب إلى عمي وألقى اللحم أمامه فتناثر الدم على ملابسه، فتحرك الحرس للتصرف معه، إلا أن عمي أشار لهم بالتوقف، وسأله عن ثمن اللحم فقال الرجل دفعت كذا، فأعطاه عمي المبلغ المطلوب، هذه الصورة يتعلم منها الإنسان التسامح وطيبة الشخصية .

إذاً كان يحب الشيخ سلطان؟

هو يحبنا كلنا، أنا بالذات كنت معه، وكنت مع أولاده أكثر في كلا البيتين لأنهم كانوا يسكنون معنا في بيت واحد، وبيننا الصداقة والاخوة والحمد لله .

الشيخ سلطان بن صقر كانت لديه ليست مكتبة واحدة، بل كان لديه مكتبتان وانت ذكرت في كتاب سرد الذات بأنك كنت محباً للكلمة المقروءة ومحباً للكتاب ونحن الآن كلنا في الحقيقة حتى هذا النهج حسب الكلمة المقروءة وكنت مراسلاً جيداً ومتواصلاً مع مكتبة المؤيد في البحرين . هل تحدثنا حول حب الاطلاع كيف صقل شخصية الشيخ سلطان حب الاطلاع وحب الكتاب؟

الشيخ سلطان عنده مكتبة في الحصن يزورها عندما يكون متواجداً في الحصن، والمكتبة الأخرى في بيته، في البيت الغربي المحتوى تفتح حجرة النوم للشيخ سلطان وأنا نفس الشيء، مكتبتي تفتح على الممر أمام حجرة النوم، بالضبط مثل ما كان عمي هكذا، أي لا تفارق الكتاب .

أي أنها حياتك، هي بداية يومك ونهاية يومك . . أنت أمام الكتاب، وحتى لو تخرج أمام المكتبة، فهذه المعطيات الواحد يرثها ممن سبقوه .

الحاجة الثانية: أنا حصلت فرصة بأنني أطلع على الكتب الموجودة بعد وفاته، لأنه أخذ فترة لنقل جثمانه من لندن الى الشارقة، فأنا كنت أطلع على هذه الكتب، وكنا نحن في سن متقاربة، وكنت أحمل الكتب وأسجلها، الحاجة الثانية لما كنت بالمدرسة كان لدي مكتبة، لذلك تجدني لدي كتب، إن كان هنا أو في المدرسة والحمد لله فرصة للإنسان يوجه من خلالها النشء أن يطلع وأن تنفع المعرفة من الكتاب، حتى الموجود الآن على أجهزة الحاسوب نعتبرها كأنها كتاب، لكن المعرفة لن تأتي إلا بالجهد .

أضرب لك مثلاً أن ابني هو صغير أعطيه مثلاً درهماً وأراه يتصرف خطأ أقول له آخذ منك الدرهم، يقول خذه، أقول له: لا أنا أعطيتك أمس معلومات وأريد أن آخذها، هل تأخذها في يدك، قلت أنا أحضر حفاراً ونحفر مخك ونخرج المعلومة، قال: ما ممكن . . لا أحد يستطيع إذا كانت معلومة في مخك أن يأخذها منك .

إذاً، تربى هذا الطفل على هذه الفكرة، أن هذا العلم الذي تحصله لا يمكن لأحد أن يأخذه منك . المال يأتي ويذهب، لكن العلم والمعرفة لا يستطيع أحد أن ينتزعهما من عقلك .

صاحب السمو هل كانت هناك نوعيات معينة من الكتب تستميل قلبك بشكل أكثر؟ وكنت أذكر أنك أنت الذي تسرد القصص والحكايا؟

هذه الكتب لم تكن رائجة في تلك الفترة حتى لما كنت في المدرسة كانت الكتب تأتي من مصر عن طريق عدن أو الهند دائماً تأخذ فترة طويلة حتى تأتي، لكن الكتب مثل سيرة عنترة بن شداد، حسن البصري، وأبوزيد الهلالي، لما تكن تأتي، أنا أخذت العناوين من مكتبة عمي الشيخ سلطان، فراسلت مكتبة المؤيد في البحرين، فكانت ترسل الكتب، فكونت المكتبة كان عمري تقريباً حوالي 11 سنة والحمد لله يعني كونت شخصيتي من البداية .

تفاجأ صاحب مكتبة المؤيد بالشيخ سلطان بن محمد القاسمي أمامه، كيف كانت المفاجأة هو يظن أن هذا الشخص كبير لأن الكتب التي أخذتها فيها من الكتب عنوانان من مكتبة عمي فأنا لما أرسل أطلب مثلاً الشوقيات يظن هو أني شخص كبير، وهذا كبير على طفل أن يطلع على هذه الأشياء .

لكن لحبي لها وعندي بعض المال أشتري من مصروفي الكتب فاستغرب .

صاحب السمو لم تكن القراءة والكتابة الشيء المحبب للطفل أو الشاب سلطان وإنما كان الشيخ سلطان في الرياضة نجده نشيطاً وفي الكشافة نجده قيادياً وفي المسرح نجده فاعلاً كذلك، هل هذه الأشياء كلها بنت شخصية الشيخ سلطان؟

الحمد لله أنا كنت إذا أخذت الكتب من المدرسة أول يوم خلال أسبوع أكون أنهيت المنهج وأنا لا أحب أن أذاكر إلا في الصحراء، أقرأ الكتاب أني إذا أحل مسائل الرياضيات وأنا أمشي في الصحراء .

هل كنت تحب الرياضيات؟

الرياضيات نعم، كنت أحب الرياضيات، كنت أدرس في ثانوية دبي وكان الأستاذ خريج بغداد الأول على الدفعة مع مرتبة الشرف، وحببنا بالرياضيات حتى إذا أتى مفتش من الكويت سألنا أسئلة وكانوا يريدون وضع الامتحانات، فكانت أصعب الامتحانات فقال للمدرس هل هذا من الطالب أم من الأساتذة؟ فقلنا نحن: من الاثنين، قال: اجلبوا كراريس للطلبة لأطلع عليها . فنحن تعودنا ألا نكتب على الكراسة وإنما حل المسألة على طول حل المسائل وهو يتبع الحل لما شاهد الكراسة فقال المفتش ما هذا غير مرتب غير منظف فأنهى بعثته، فقال له يا أستاذ العلم في الرأس وليس في الكراس، انت كيف تعاقبني على ذلك، يعني هكذا حببنا المدرس في الرياضيات في تلك الفترة .

صاحب السمو . . كنا نتحدث حول الأنشطة التي كنت مولعا بها، الكشافة، الرياضة، المسرح، بنت شخصيتك؟

الحمد لله الانسان يعني يعطي حتى لما اشوف الجمعية التعاونية لا أحد يذهب اليها وكنت أذهب كل شيء حتى في اذاعة المدرسة في كل حاجة يعني تكون الشخصية وأنا بكون عندي حوالي 60 كشافاً، أنا أطبخ، أذبح، أسلخ، اعمل كل حاجة، أقوم بكل شيء، الحمد لله المدرسون كذلك يحبون هذا الشيء .

مرحلة مهمة جداً صاحب السمو ذكرتها في كتابك . أتصور كذلك كانت مهمة جداً في بناء شخصيتك ألا وهي القرب من الافكار القومية الوحدوية من أين جاء الارتباط الأول بالفكر القومي الوحدوي؟

هذا أتى من المدرسين في البداية لم يكن الفكر موجوداً والذي له ممارسات ضد الانجليز كنا نسمع منه كلمات تذمر كذلك تعطى الشرارة الأولى في الكثير من هذا الشأن .

ولذلك عندما أتى المدرسون بدأوا وليس المصريين، الأستاذ محمد ذياب الموسى وهو من الناس الذين خرجوا من فلسطين، وذلك درسنا في طريقة أننا أكبر من سننا، كنا نروح نلعب كرة طائرة وفي المساء يأخذنا ويعشينا، وكنا أصدقاء، هو ليس أكبر منا وهو قريب من سننا، لذلك زرع فينا حب الوطن وهذه الاشياء، هذه الأمور يمكن الواحد ان يبحث فيها .

صاحب السمو كذلك من المسائل التي يجب أن نقف عندها، وكان لها حيز كبير في الكتاب، قيادتكم لبعض المظاهرات في تلك الفترة، سواء تلك التي كانت تعارض فتح مكتب لإسرائيل في طهران، كذلك المظاهرات التي قمتم بها تأييدا للرئيس جمال عبدالناصر أيام العدوان الثلاثي، هذه الأشياء ألم تكن تخلق إحراجا للحاكم في تلك الفترة؟

لا الحاكم في تلك الفترة الشيخ صقر بن سلطان رحمه الله، وكان هو قوميا زرع في البلد المد القومي ليس وحده حتى في ناس من التجار والمفكرين، وربما رحمه الله عندما يسأله الإنجليز كان ينكر ويعارض مثلا، والإنجليز شدوا عليه، وراح أمسك واحداً وقال اضربوه هكذا، مع انه لم يعمل شيئاً، فتم ضربه ظلما وعدوانا، فهذه الحادثة ماذا يمكنه يعمل، كذلك هناك حادثة حصلت لمدرس وكان يدرس أبناء الحاكم في ذلك الوقت وسبق أن ذكرتها اسمه فايز أبو النعاج وهو فلسطيني، ومن الناس الذين تم إبعادهم، توسطه لدى الإنجليز لم يشفع له، وتم ترحيله .

الأسفار صاحب السمو التي قمتم بها في هذه المرحلة توقفتم عندها في سرد الذات، كسفركم إلى إيران ورحلة الحج إلى باكستان، كان لها اثر في هذه المرحلة، وذكرتم الكثير من القصص حولها؟

هذه كانت فرصة، الأسفار من هذه المنطقة هي كانت أول مرة اخرج إلى البحرين، ولم نكن ننتقل إلا إلى المناطق القريبة كرأس الخيمة والشارقة، وهذه السفرات تمنح مشاهدة أناس وبلدان ويكتسب منها الإنسان الكثير، ورحلة إيران كانت فرصة، وقمنا بها كطلبة مع الراحل تريم عمران تريم، والدكتور عبدالله عمران تريم .

صاحب السمو لمصر شأن كبير في حياتك ما الذي تعنيه مصر بالنسبة لصاحب السمو حاكم الشارقة؟

عندما زرنا مصر كانت مصر تغلي وتتكون ونحن تكونا مع هذا التكوين المصري سنة 1965 في الفترة الأولى لم يكن الاتحاد الاشتراكي وكان الاتحاد القومي وكانت اجتهادات 1965 بلورت الفكرة القومية عند جمال عبد الناصر وبدأ الطرح لتكوين أمة عربية لها سماتها ونحن كنا نشرب من هذا الطرح .

ولمصر مخزون تراثي كبير والناس لا تلاحظ هذا الآن، وأنت عندما تلاحظ تكوين الشارقة تجد أن الإناء ينضح بما فيه، ولمصر اشياء كثيرة ولم أذكر في الكتاب ما يشوه مصر، فمصر جميلة والشعب المصري يمكن أن يخرج منه الكثير .

ولن تكون أمة عربية رلا بمصر لأن مصر هي الملتقي هي النواة، وكل أمة تريد أن توحد نفسها، يجب أن تكون لها مكانة .

نحن كعرب مصر هي التي وحدتنا، تجربة فاتت ولها أخطاء ولنا أمل أن ترجع مصر إلى نفس النهج السابق، ونحن يجب أن نكون مشاركين . كل ما تريده إسرائيل الآن هو تفتيت هذه الدول، مصر وسوريا ولبنان تحاول إسرائيل تفتيتها، صراعنا مع إسرائيل ليس صراع سنة أو سنتين إنه صراع طويل الأمد، ونحن ليس لدينا الصبر، نريد النصر السريع .

وأوجه كلمة في هذا اللقاء للمسؤولين والأمة العربية: قليلاً من التواضع، قليلاً من التخلي عن الأنا، قليلاً من التشتت، نتمنى أن نمشي في الوطن العربي من دون بطاقة .

صاحب السمو كلمة أخيرة؟

أتمنى أن يكون هذا الكتاب حاملاً فكراً لكل عائلة أن يربوا أولادهم ويعطوهم النشاط والعلم والمعرفة، ونحن في تجربة الشارقة نبين كيف نعتني بالطفل ونربيه على حب الوطن وسيتم رصد تجربة الشارقة في كتاب لاحق .