أصدر القاضي الفرنسي جان لويس بروغيير، منذ أيام قليلة كتاباً عن دار روبرت لافون الباريسية، بالتعاون مع جان ماري بونتو، بعنوان ما لم أستطع أن أقوله ثلاثون سنة من مكافحة الإرهاب، والكتاب الحوار يمتد على 493 صفحة، ويتشعب وتكثر فيه التفاصيل، وهو أمر معقول،طالما أننا أمام مسألة قضائية، وبالتالي فكل التفاصيل ضرورية ويمكن أن تلعب دوراً حاسما.ولذا يحتشد الكتاب بكم هائل من المعلومات التي يمكن أن تشتت بال القارئ، إن لم يكن يعرف الشرق الأوسط وتداعيات الصراعات الدولية والطائفية والإثنية والدينية وغيرها.
بروغيير قاض منذ سنة ،1973 وهو يحقق في قضايا الإرهاب منذ أكثر من خمس وعشرين سنة. ويعتبر على المستوى العالمي، من أفضل العارفين بهذا الشأن. ليس مجرد قاض، هو نجم، ويعرف كيف يحرّك الصحافة، وقد التحق مؤخراً باليمين الفرنسي وترشح على لائحته في الانتخابات التشريعية.
عندما وصل جورج حبش للعلاج سراً في باريس
يكتب القاضي بروغيير: هو بالفعل سؤال عميق. سؤال يثير جدلا. فاللوبي الموالي لليبيا، مثلا، أراد اقناعنا بأن القذافي لا مصلحة له في ارتكاب هذه الجريمة. توجد، من دون شك، أجوبة عديدة عن هذا السؤال. في البداية يجب الإشارة إلى أن العلاقات الليبية الفرنسية كانت على الدوام صعبة ومتعارضة في إطار سياسة إفريقيا الفرنسية، وبشكل خاص، فيما يخص التشاد. وقد عرف البلدان الإفريقيان صراعات وحروبا حول منطقة تيبيستي. وقد قدمت خلاله فرنسا دعماً سياسياً وعسكرياً لتشاد في عصر الرئيس حسين حبري، كما أن القاضي يذهب بعيدا، حين يتهم ليبيا بسعيها لإلحاق التشاد بها، واعتبارها جزءاً من التراب الليبي.
هل كان العقيد معمر القذافي ضالعا في الأمر (حادث طائرة دي.سي10؟ يرى بروغيير أنه لا يمتلك أدلة على الأمر. وشعوري هو أن القائد الليبي لم يكن بالضرورة ضالعا في هذه العملية، ولكنه كان خلف الأوامر المعادية لفرنسا، ويفسح القاضي لخياله العنان فيفسر للقارئ الفرنسي كتاب القذافي الأخضر. ويربطه بالطموح الليبي والصراع مع الغرب يريد القذافي من خلال كتابه الكتاب الأخضر أن يكون ندّا لكتاب الزعيم الصيني الكبير ماو تسي تونغ، الكتاب الأحمر. ويقدم فيه القذافي رؤية كونية شاملة عن عالم مثالي تكون فيه ليبيا قطب الرحى. إلا أن فرنسا، بالنسبة له، تلعب دورا في إفريقيا الوسطى، وتمنع التوسع الليبي. كان القذافي يريد أن يحوّل هذا البلد إلى قاعدة خلفية عسكرية. يجب أن نفهم إرادة قائد الثورة الليبية، والتي تتمثل في فتح مجموع إفريقيا السوداء. المثابة هي وسيلة هذا التطور وهذا الطموح. (...) يوجد سلسلة متصلةٌ لا شك فيها بين أنشطة المثابة تحت مسؤولية موسى كوسة والعمليات التي تقوم الاستخبارات الليبية الخارجية التي يسيّرها السنوسي، صهر قائد الثورة، ويواصل القاضي بروغيير أنه في هذا السياق العام والجيو- استراتيجي والمهم جدا كي نفهم ما حدث. إنه يخفي عمليات خاصة تم التخطيط لها من قبل الاستخبارات الخاصة تحت مسؤوليتها. أشدّدُ على هذه السلسلة المتصلة ما بين الاستراتيجية الشاملة للمثابة وهذه العمليات، وأشدد على الرباط شبه العضوي بين المثابة، وهي مؤسسة على حدة، وأجهزة الاستخبارات.
ولا بد أن القاضي، وهو يتحددث عن الأمر، يخلط ما بين بزة القاضي، الذي كانه، قبل أن يتقاعد، وبين بزّة السياسيّ اليميني الذي أصبحه بعد وصول نيكولا ساركوزي إلى السلطة. ويتحدث عن الليبيين وتغييرهم لمواقفهم واستراتيجيتهم الليبيون طوروا، بطبيعة الحال، استراتيجيتهم. بعد سنة 1989 تم تنويم المثابة. وأما المسؤولون الذين كانوا يظهرون بشكل كبير فقد تم نقلهم إلى مسؤوليات أخرى في جهاز الاستخبارات. (...) من حقنا الآن أن نتساءل: هل لا تزال سياسة التوسع الليبية موجودة، اليوم؟ بالتأكيد، طورت ليبيا استراتيجيتها في اتجاه النشاطية والإرهاب. قدمت في سنوات الثمانينات دعما مسلحا لعمليات تستهدف دولا عربية: دعم مجموعة أبو نضال أو المجموعات الفلسطينية المتواجدة على التراب الليبي. كما أن منظمات أخرى من مثل تنظيم كارلوس، كانت ترتبط بعلاقات وثيقة مع السنوسي، وهو لم يُخْفِ الأمر. واليوم، قلَبَ الزعيم الليبي صفحة الإرهاب. الأمر لا يقبل الشك. كما أن أجهزته السرية كانت فعالة وموثوقة في حربها ضد الإرهاب الإسلامي المرتبط بتنظيم القاعدة.
ويضيف القاضي وكأنه يريد أن يُغدق بعض المديح للقذافي، الذي أصبح صديقا لفرنسا، على طريقته في المقابل فإن الديبلوماسية الليبية، التي وُلِدت من الكتاب الأخضر التي تدعو إلى النظرية العالمية الثالثة تبدو كأنها لم تفقد من بريقها وأهميتها. كما أن طموح القذافي في لعب دور المقام الأول في إفريقيا جنوب الصحراء، ولكن أيضا في إفريقيا الوسطى وفي غرب افريقيا، لم يختف، ولكن القذافي هو رجل سياسي لا يمكن أن تكون للمرء، أو المراقب السياسي، معرفةٌ مسبقةٌ بما يمكن أن يفعله. والدليل هو أن فرنسا رحبت في زيارة تاريخية إلى فرنسا، في حين أنه رفض حضور مؤتمر قمة الاتحاد من اجل المتوسط في 13 يوليو/ تموز سنة 2008 في باريس.
يعتبر القاضي أن الموقف الليبي هو نوع من الإهانة، تتميز بها ليبيا، وهي جزءٌ من طباع العقيد الليبي، وكأنما القذافي حقق ما كان يصبو إليه: كانت لليبيا مصلحة في اعتراف دولي من قبل دولة عضو دائم في مجلس الأمن، من قبل بلد كبير.
ويستنجد بالرأي العام الفرنسي، على عادة الساسة الفرنسيين: لم يتقبل الرأي العام الفرنسي هذه الزيارة بقبول حسن. وخصوصا عائلات ضحايا دي سي ،10 الذين لم يحصلوا لحد الساعة على الرضى. فالمسؤولون الليبيون الستة يعيشون في سكينة في طرابلس. صحيح أن موقف العقيد الليبي يسمح لنا أن نتساءل عن إرادته الحقيقية في تجاوز نظرته القومية الإفريقية التي تنسجم بشكل سيئ مع عودة حقيقية إلى محفل الأمم. إن رفضه المشاركة في تنفيذ شراكة أوروبية متوسطية لا يمكنه سوى أن يثير القلق. أتصور أنه يفضّل أجندة سياسية الهدف منها فقط خدمة رؤيته السياسية عن العالم، ويعود ليضيف، وكأنه نوع من اعتراف بالفشل، بعد أن انتظروا من القذافي أن يخلع لباسه، تقريبا: يجب أن تؤخذ طموحاته الحقيقية، في نظري، بالحسبان في تطوير العلاقات المستقبلية مع ليبيا.
اغتيال شهبور بختيار
يتطرق الكتاب أيضا لمسألة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني الأسبق شهبور بختيار في العاصمة الفرنسية وكانت عملية خططت لها إيران بشكل مباشر، وهي قوة دولتية تنخرط وتقود عمليات إرهابية مستخدمة جهاز استخباراتها.
يقوم الإسرائيليون بالأشياء نفسها، وهو سؤال طرحه الصحافي على القاضي، ولكن القاضي لا يبدو أنه يلتفت له، لأنه كان مستغرقا بالشأن الإيراني إنه تصور غير مقبول، فيما يخص إيران. إنه يروم بشكل حصري أهدافا سياسية. من أجل إدامة السلطة الإيرانية.
لم يكن اغتيال شهبور بخيتار أول اغتيال سياسي إيراني، بل سبقته وتبعته جرائم أخرى في نظر القاضي: بختيار ليس الوحيد. في 7 ديسمبر/ كانون الأول من سنة ،1991 تم اغتيال مصطفى شفيق، وهو عضو من العائلة الملكية الإيرانية في المنفى، في باريس. ليس فقط العائلة الملكية من كانت تُستَهْدَف بل حتى الذين شكلوا أحزابا معارضة. ومن طهران أعلن آية الله خلخالي تهديده للمعارضين. وأضاف أن فدائيي الاسلام سيواصلون أنشطتهم في أوروبا والولايات المتحدة من أجل رصد الأشراء ومعاقبتهم على أفعالهم.
يقول القاضي يوجد لدينا، بالفعل، انطباع بأن هذه الاغتيالات المبرمجة تأتي استجابة لنوع من الفتاوى، غير المكتوبة في نظام ذي وجهين. الباسدران- قلب النظام- أو أجهزة الاستخبارات المرتبطة بالباسدران، تبدو، ظاهريا، وكأنها غير مرتبطة بالحكومة الإيرانية أو بالجهاز السياسي المرئي. السلطات الأجنبية تتحدث إذاً مع نظيراتها، أي البنية السياسية، من دون أن يكون لها منفذ حقيقي إلى قلب السلطة. القرارات تغيب عن الساسة حين تتهم النظام أو مصالحه الاستراتيجية. الدليل، هو أن قراراً يتخذ من قبل الاستخبارات يمكنه أن يتعارض مع المصالح الموضوعية لإيران - وهو ما وقع في قضية شهبور بختيار- وتسبب في خسائر جانبية.
ويمنح القاضي نفسه موقعاً كبيراً ومُؤثّراً: الضغوط القوية جداً التي مارستها الدبلوماسية الإيرانية والتي جعلتني مسؤولا عن تأزم العلاقات الإيرانية الفرنسية، في حين أنها كانت نتيجة لاشتغال سيّئ لجهاز الدولة الإيرانية. وهذه الديبلوماسية (الإيرانية) لم تكن قادرة على التحكم في مجموع الجهاز، وبشكل مؤكد الاستخبارات السرية، التي كانت تتْبَع منطقا آخر...
هل تغيرّت إيران، اليوم، كما تغيّر القذافي، على طريقته؟، لا يرى القاضي أي تغيير في السياسة الإيرانية، بل يعبر عن القلق. ما يثير القلق هو أن هذا النظام ما زال مستمرا. والدليل الأكبر هو إعادة، مشكوكة فيها، لانتخاب الرئيس أحمدي نجاد في يونيو/ حزيران 2009. مدينة قُم (مقر السلطة الدينية) سمحت بإجراء الانتخابات، بل وسمحت حتى ببداية الاحتجاج الذي بدأه أنصار موسوي. ولكن حين تقوى الاحتجاج، واتخذ صبغة وطنية، تدخل آية الله خامنئي بشكل مباشر من أجل وقف الحركة ومن أجل منح شرعية للقمع. وهو بهذه الطريقة كشف عن الوجه الحقيقي لإيران رجال الدين، ويستنتج إذاً فإن النظام الإيراني لم يتغير بشكل جوهري. ونرى الأمر أيضاً في العراق حيث يستخدم الإيرانيون بصفة سرية قوة القدس، وهي قوة نخبة عسكرية خاصة، لها تبعية للباسدران وليس للجيش النظامي. وقد انخرطت هذه الوحدات في دعم التمرد ضد الأمريكيين.
للقاضي موقف في كل الأشياء، ويحاول أن يظهر بأنه يعرف كل الملفات. ويمنح إيران قوة استثنائية من يعرف الأوساط الإيرانية جيدا يمكنه أن يعرف قدرة الإيرانيين على التمويه والإخفاء. ويمكننا أن نخشى أنه في حالة مواجهة أزمة نووية أو أزمة جيو سياسية أو سياسية كبيرة، يمكن لإيران أن تلجأ إلى استراتيجيات غير مباشرة من خلال الالتجاء إلى عمليات من نوع إرهابي.
ويرى بروغيير ان إيران تخيف الغرب، كما أن رئيسها الحالي يثير الكثير من سوء الفهم الغربي، أيضا الرئيس أحمدي نجاد يريد في سياق سياسي وجيو سياسي آخر، وهو سياق الحرب في العراق، أن يجمع تحت راية إسلام متحد ومحارب للغرب الكافر، الإسلام السني من خلال تخصيص إندونيسيا، السنية، بأول زيارة له. يتعلق الأمر باستمرارية سياسية ملفتة، بعيدا عن المظاهر والإعلانات، يجب على القوى الغربية أن تتأملها. خصوصا وأنّ إعادة انتخاب الرئيس الإيراني كشفت الخط المتشدد للنظام. والبرنامج النووي الإيراني يندرج في استراتيجية القوة هذه.
جورج حبش في فرنسا
علم القاضي بروغيير عن طريق الإذاعة، يوم 30 يناير/ كانون الثاني ،1992 بوجود القائد الفلسطيني الراحل جورج حبش في باريس، كان في حالة خطيرة وكان يتلقى الإسعافات. تساءل القاضي مع نفسه: هل يتعلق الأمرُ بهذا المسؤول من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الفصيل المنشق عن منظمة التحرير الفلسطينية، والمنخرط، مثل المنظمات الفلسطينية في جبهة الرفض، في مسار إرهابي؟ قاس القاضي خطورة الأشياء إن استقبال زعيم منظمة مسؤولة عن العديد من الاعتداءات على أرضنا يهمني شخصيا. وكنت بصدد التحقيق في قضية العثور على مخبأ أسلحة في غابة فونتينبلو، منسوبة إلى تنظيمه.
يستعرض القاضي حياة القائد الفلسطيني بكثير من التفاصيل، ولا يفوته أن يصل إلى هذه النتيجة التي لا تروق الغربيين: بينما يعتبره الغربُ إرهابيا بالغ القسوة، فإن الفلسطينيين يرون فيه وجهاً تاريخياً لحركة المقاومة.
وأول فكرة راودت القاضي الذي تحقق، عن طريق مسؤول في إدارة الأمن الوطني، من أنه بالفعل جورج حبش، هي التحقيق معه حول مسألة السلاح الذي عثر عليه في غابة فونتينبلو. ولا بد من التأكيد على أن مَقْدم جورج حبش إلى باريس تم بناء على قرار اتخذته جيورجينا دوفوا، وكانت مستشارة لرئيس الدولة (مسؤولة الصليب الاحمر الفرنسي في حينه ووزيرة سابقة). والغريب أن لا أحد أخبر الرئيس الفرنسي بالأمر، وكان حينها في زيارة إلى بلد خليجي. كل السلسلة التي يعود إليها القرار لم تقم بواجبها. وحين أخبر قائد شرطة باريس الرئيس فرانسوا ميتران بمقدم حبش، كانت المحاورة قاسية ووجد قائد شرطة باريس صعوبة في تبرير القرار. ما الذي كان عليه موقف القاضي، خصوصاً وأن صيداً ثميناً أصبح تقريباً بين يديه؟
أصدرتُ إنابة قضائية من أجل الاستماع إلى جورج حبش في المستشفى بخصوص قضية أسلحة غابة فونتينبلو. سيتم الأمر تحت نظام حراسة. موقفي لم يتغير: لستُ مسؤولا عن وصول حبش، ولا أعرف شيئا عن العلاقات السياسية أو الإنسانية التي قادت إلى استضافته على أرضنا؛ الأجندة القضائية مستقلة عن الأجندة السياسية. لكنه ما دام في باريس فعليّ أن أتلقى شهادته. لحد اللحظة، لا يتعلق بإدانته، كما قيل حينها، ولكن باعتقاله، وبالاستماع إليه كأي كائن متهم بأفعال إرهاب. حول هذه النقطة أنا صارم ولا أحد يستطيع أن يمنعني من فعل ذلك.
حين يستعرض القاضي الأمور والتفاصيل لا يمكن سوى أن يشكك في بعض الأشياء التي يذكرها، أحيانا يحكيها على شكل رواية مشوقة، ومن ضمنها أن حبش كان مريضاً جداً (كان أحيانا يغمى عليه) وأن السوريين خافوا أن يموت في بلدهم: فكروا (أي المسؤولين السوريين)، وقالوا: إذا كان سيموت، فليَمُت في بلد آخر. إذْ بسبب أهمية الرجل، لا أحد يريد أن يُتهَم بأنه وراء موته. وفجأة، ما أن استعاد حبش وعيه حتى نصحه السوريون بالذهاب إلى تونس مقر منظمة التحرير الفلسطينية - لاستشارة طبيبه الشخصي، وأرسلوه في طائرة عسكرية. (...) طبيبه هو الآخر خاف أن يموت جورج حبش بين يديه. بحث عن بلد قادر على استقباله وعلاجه، فوجد أذنا صاغية في شخص جورجينا دوفوا.
من سرّب خبر مجيء جورج حبش إلى فرنسا؟ يرى القاضي بروغيير أن الأمر متعمدٌ لوضع فرنسا في وضعية حرجة. تحدث البعض عن مناورة إسرائيلية لمعاقبة فرنسا على علاقاتها الجيدة مع الفلسطينيين.. لا أحد يعرف. الكثير من الناس كانوا بالضرورة على علم بوصوله، ولكن القاضي كان يعرف أن توقيف جورج حبش لن يمر من دون عقاب. نستطيع أن نخشى من ردات فعل عنيفة جدا، بل وتفجيرات منظمة من قبل تنظيمات فلسطينية راديكالية. لو أن جورج حبش تم توقيفه في فرنسا فإن خطّا أصفر تم اجتيازه في نظرهم، معاهدة عدم الاعتداء تم نقضها. استجوابه كان سيعتبر خيانة. كان الفلسطينيون مقتنعين بأن قدوم حبش إلى فرنسا تم بموافقة من الرئيس ميتران. فضلا عن ان حبش كان يفكر بنفس الطريقة. وقد قدم إلى باريس كما سنرى- مع وثائقه البالغة السرية، وهي وثائق رفض أن يتركها في تونس. كان واثقا، ومقتنعا من أنه سيستفيد من حق اللجوء. أما القاضي فقد كان عليه أن يطبق القانون، كما يحلو أن يقول. لم يكن قائد شرطة باريس من أنصار الاستماع إلى حبش.
نحن في 30 يناير/ كانون الثاني، الوقت ظهراً، ويسود المستشفى جو من التوتر والتهيج. وأول ما فكّر فيه القاضي بروغيير هو تجريد حرس حبش من أسلحتهم. زوجة حبش هي الأخرى أرادت أن تؤخر حركتنا. أكثر من مائة صحافي يتكدسون أمام باب المستشفى. كان ثمة عائق آخر وهو الطبيب، رئيس القسم، ومن أجل أن يغطي نفسه، سلم بحذر شهادة تعتبر أننا نضع حياة مريضه موضع الخطر إذا وضع تحت المراقبة، وهنا يُصعّد القاضي من جرأته وعنترياته:
حينها قمتُ بتعيين خبيرين، متخصص في القلب وآخر اختصاصي في علم الأعصاب، للتأكد من أن حالة جورج حبش الصحية متوافقة مع وضعه تحت المراقبة في مكان صحيّ، وقررتُ، على الرغم من كل شيء، مع تبليغه بالأمر، في انتظار رأي مختلف من اختصاصيين.
نحن إزاء وضعية كافكاوية حقيقية: وجدت نفسي وحدي المسؤول في وضعية بالغة التوتر: رجل، من الناحية الموضوعية، مريض جداً، ويوجد في مكان استشفائي، وعلى الرغم من وضعه تحت المراقبة فإنه لا تأثير على العلاج الذي يُقدّم إليه. رئيس الأطباء يبدو كأنما الأوضاع تجاوزته، مناخ سياسي ثقيل جدا وضغط إعلامي لا سابق له. وفي نظام الأولويات، فإن حالة صحة جورج حبش هي الأساس. لكن حول هذه النقطة طمأنني بعض الخبراء. ومن هنا فإن تحريراً سريعاً لجورج حبش يمكن أن يوافق الجميع، وخصوصا الذين عرّضوا بلادنا من خلال السماح له بالمجيء. ولكن العدالة لا يجب أن تعطي الانطباع بأنها تراجعت أمام ضغوط سياسية أو لوبيات أجنبية. الطريق الوحيدة التي يجب اتباعها، في هذا السياق المرئي، تتمثل في تطبيق القانون. ولكن خط حركتي يبدو ضيقاً جداً.. إمّا أن الأطبّاء يعلنون أن وضعه تحت المراقبة غير متلائمة مع حالتها، وفي هذه الحالة فيتوجب رفع المراقبة، أو يعتبرون الأمر ممكنا فحينها سأواصل تحقيقي. على كل حال يتوجب صدور رأي مسموح به. لا أريد أن أعطي الانطباع بتحرير حبش لأسباب سياسية. قراري يجب أن يكون، من الناحية القضائية، لا غبار عليه. وفي مبالغة كبرى من القاضي، لم يكتف القاضي بتعيين خبيرين، بل ستة خبراء. ويصف صعوبة الموقف والمسؤولية: عدتُ إلى بيتي وفي رأسي الخشية من عمليات عنيفة تطلقها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين انتقاما من استجواب جورج حبش. وللمفارقة، فإن القاضي سيُتهَم بكونه وضع فرنسا في حالة صعبة في حين أن الأمر يتعلق بالاستماع إلى شخص سمح السياسيون له بالدخول إلى فرنسا. تدخل الرئيس ميتران الذي كان في زيارة إلى سلطنة عمان، في الموضوع، من خلال تشديده على أن تواجد حبش يجب أن يكون قصيرا على التراب الفرنسي، وأضاف بأنه إذا طالبت العدالة الفرنسية بمعلومات فستمنح لها، أرضى القاضي بروغيير الذي لم ير فيه أي دعم له أو مد اليد، وإنما الرئيس يُذكّر ببساطة بالقانون.
يتحدث القاضي بروغيير، المعروف بتوجهاته اليمينية، عن الرئيس فرانسوا ميتران: لمْ ألتقِ أبدا بالرئيس فرانسوا ميتران، ولكن بمناسبة قضيتين أو ثلاث قضايا حاسمة - ومن بينها قضية دي سي 10 جاءني منه دعمٌ حاسمٌ. كان ميتران يعرف أني لم أكُن من القريبين منه ولكنه كان يعتبرني خادما كبيرا لبلدي. البعض، من المهووسين، تساءلوا إن كان يوجد نوع من صفقة أو عقد سري بين الرئيس وبيني، إنْ لم أكُن جزءاً من هذه الدوائر المتحّدة المركز بالغة التعقيد من العلاقات التي تحيط برئيس الدولة، لم يكن أي شيء من كل هذا، لقد فهم ميتران أن العمل القضائي وحده يمكن أن يتيح لفرنسا الخروج، بكرامة، من هذه الخطوة السيئة.
جاء قرار الخبراء الستة ليعلن، بوضوح، أن زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في وضعية لا تسمح له بالتحدث وتحمل استنطاق.
بمرارة أوقف القاضي بروغيير وضع جورج حبش تحت المراقبة، بعد ستة وثلاثين ساعة. ستة وثلاثون ساعة سوف أتذكّرها طول حياتي، صار الزعيم الفلسطيني حرّاً طليقاً، ولكني أحرص، فقط، ألا يستفيد من دعم الدولة الفرنسية كي يغادر أراضينا. ستأتي طائرة أجنبية لتحمله إلى تونس.
هل يتعلق الأمر بطرد؟
بمرارة يرد القاضي المتهيج: لا، لا نطرده. هو حر في تحركاته. هو الذي اختار العودة إلى تونس لمواصلة العلاج فيها.
يتصور القاضي بروغيير نفسه وكأنما انتصر في هذا التحدي. الانتصار على رجل مريض جدا، أتى إلى فرنسا، لأن مسوؤلين كباراً سمحوا له بالمجيء، وها هو يرحل قبل أن يستكمل العلاج. أن يكون ميتران على علم أم لا، فهذا شيء آخر. ثم من قال إنه ليس على علم، خصوصا حين نعرف أن فرانسوا ميتران قادر على تغيير وضعية بأخرى، ماكيافيلي حقيقي، وقد أثبت ذلك طول حياته، أليس هو الذي أطلق النار على نفسه، حين كان لا يزال مُعارضا عنيدا للجنرال ديغول، وصوّر الأمر بمثابة محاولة اغتيال هو ضحيتها؟
العدالة اشتغلت في شفافية ووضوح. وغادر حبش بلادنا بحرية وعبر طريق قانونية، ويحاول القاضي أن يسبغ نوعا من التشويق البوليسي على استيلاء الشرطة الفرنسية على بضائع حبش، أو وثائقه السرية جدا، في باريس. وقد تطلب الأمر، كما يقول القاضي، تجريد حارس شخصي فلسطيني من سلاحه. وهكذا أتيح للقضاء الفرنسي الاستيلاء على وثائق رفض حبش تركها في تونس حتى في عهدة أقرب المقربين منه. ولأن الحكيم جورج حبش في عهدة ربه، الآن، فإن القاضي بروغيير يسمح لنفسه بذكر محتويات صيده الثمين، في حوائج حبش السرية: اكتشفنا قائمة طويلة جدا من الأسماء ومن أرقام الهواتف وعناوين كل المراسلين وأيضا اتصالات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في العالم. كما حصلنا على دفتر عناوينه لسنة ،1991 وقائمة مواعيده. وكذا اتصالات مع مبعوثي العديد من دول الخليج والدول العربية وهي مسألة
منطقية-، وأيضا العديد من دول أوروبا الشرقية: يوغسلافيا وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الديمقراطية والاتحاد السوفييتي.. وحتى بعض الشخصيات الكوبية.