المؤرخ والكاتب البريطاني يوجين روغان يروي في هذا الكتاب العرب اطلالة تاريخية حالة العرب في العصر الحديث بدءاً من الدولة العثمانية، ثم في عهود الاستعمار وصولاً الى الحرب الباردة وحتى الوقت الراهن حيث تسعى الولايات المتحدة لإقامة نظام دولي احادي.
ويتناول روجان وهو أستاذ لتاريخ الشرق الأوسط في جامعة اوكسفورد وواضع كتاب حدود الامبراطورية العثمانية وضع العرب من اقصى المغرب حتى الجزيرة العربية، محاولاً تعريف الهوية العربية، إضافة الى الصراع العربي - الإسرائيلي وعملية السلام، وجمال عبدالناصر وصعود القومية العربية، وقوة النفط الاقتصادية والسياسية، والصراع بين الإسلاميين والعلمانيين.
لكن هناك سؤالاً حائراً يعتمل في النفس ينبغي طرحه وهو: لماذا يهتم روغان وأمثاله من المؤرخين أو المستشرقين الغربيين بالعرب كل هذا الاهتمام، فيجندوا أنفسهم لكتابة تاريخ العرب.
لا شك أن هناك رسائل بالغة الأهمية مبثوثة بين السطور، ممزوجة ببعض الخبث والسم.
الكتاب يقع في 550 صفحة، وصدر مؤخراً عن دار بنغوين للنشر.
الدول الغربية تآمرت على العرب منذ مطلع القرن الماضي
في الفصل السادس من تاريخه يذكرنا روغان بأنّ رياح الفكر القومي هبّت على المناطق العربية من الامبراطورية العثمانية مع مستهل القرن العشرين، ويقول إنّه كان من الصعب جداً على الشعب العربي في تلك الأصقاع من الامبراطورية أن يتصوّر مجرّد تصوّر قيام دولة تقوم على أساس قومي عربي وتستقل وتنسلخ عن العثمانيين بعد أن ظلت تحت حكم امبراطوريتهم قرابة أربعة قرون. نعم لقد تصوّر البعض بإمكانية قيام مملكة تتمركز في جزيرة العرب، في حين حلم آخرون بقيام دولة في مناطق عربية أخرى مثل سوريا الكبرى أو العراق.
ونظراً لأنّ هذا الصنف من العرب كانوا قلة قليلة وقد جاءت أفكارهم سابقة لعصرها جرى تهميشهم ولم يحالفهم الحظ في نشر رؤيتهم وفلسفتهم، خاصة وأنّ هذه الفئات كانت، حسب المؤلف، تتعرض للقمع والملاحقة. وأمّا أولئك الذين فكروا بانتهاج تلك الأساليب للتطوير على النمط الغربي واعتزموا متابعة بلورة أحلامهم السياسية تلك فقد اضطروا أن يكابدوا محنة النفي بعيداً عن أوطانهم.
ويطنب روغان ويسهب في الحديث عن معاناة العرب تحت حكم العثمانيين ويصور المسألة وكأنّ الناس في بلاد العرب كانت تكتوي بنار جحيم حقيقي وأنّها كانت تحلم بالفردوس المتمثل في التنوير والتحرير الغربي الآتي من أوروبا.
ويقول المؤلف إن الاستياء العربي من الحكم العثماني تنامى حتى بلغ أوج السخط بعد ثورة تركيا الفتاة سنة 1908 وانتشر الشعور بالغضب انتشاراً واسعاً في تلك الفترة بعد أن رأى العرب أن التغييرات التي جاء بها الإنقلابيون كانت مجرّد إجراءات قمعية تؤدي إلى مزيد من القهر للعرب وسلبهم لهويتهم العربية.
ودخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى متحالفة مع ألمانيا في نوفمبر/ تشرين الثاني سنة ،1914 وكانت حرباً تمنى الأتراك، حسب روغان، أن لو كانوا تجنبوها ولم يتورطوا فيها.
تقرير بانرمان
وما أن دخل العثمانيون الحرب الأولى حتى انصرفت دول الحلفاء بريطانيا وفرنسا والامبراطورية الروسية إلى تنفيذ مخططها المبيت الرامي إلى تفكيك الامبراطورية العثمانية واقتسام تركة الرجل المريض، كما كانوا يطلقون عليها في عصورها المتأخرة.
وفي هذا الفصل يتوسع روغان في الكلام على الوعد الذي يعرفه القاصي والداني ويكاد لا يجهله أحد، ألا وهو وعد بلفور الذي قطعته بريطانيا على نفسها بإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين.
وبالطبع يتغافل المؤلف عن الحدث الأهم الذي ظلّ طيّ الكتمان لأنّه يفضح الدور الاستعماري الأوروبي برمته في إنشاء إسرائيل.
سبق الحرب العالمية الأولى انعقاد مؤتمر خطير كان بمثابة المقدّمة لهذه الحرب، إذ اتخذت فيه قرارات على أقصى درجة من الخطورة وكانت في الحقبة التي تلت نتائج الحرب العالمية الأولى. وهذا المؤتمر دعا إليه حينها رئيس وزراء بريطانيا سنة 1907 هنري كامبل بانرمان، وكان هذا المؤتمر في الحقيقة إعلان حرب صليبية على المسلمين، لذا احيطت وثائقه وأخباره بالسرية المطلقة، فلا يتطرق إليه الباحثون اليوم إلا فيما ندر. وكان هنري كامبل بانرمان قد شكّل لجنة موسعة شاملة من كبار العلماء والخبراء وأساتذة الجامعات المتخصصين في كافة المجالات، مثل السياسة والاقتصاد والبترول والزراعة والصناعة والتاريخ والاجتماع وعلماء طبائع الشعوب والخبراء في شؤون الاستعمار، كما ضمت هذه اللجنة أعلام السياسة في فرنسا وبلجيكا وهولندا والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا، وكان هناك بند يتيم على جدول أعمال هذه اللجنة التي انبثقت عن المؤتمر وجرت صياغته على شكل سؤال:
ما هو الخطر الحقيقي الذي يهدد الحضارة الأوروبية؟
فكان الجواب هو: تلك المنطقة الممتدة من طنجة في المغرب إلى جاكرتا في اندونيسيا، ولا سيما الدول المحورية وسط هذه المنطقة. كانت النتيجة التي خلصت إليها اللجنة وباختصار هي أنّ أكبر خطر يهدد الحضارة الأوروبية إنّما هو الحضارة الإسلامية التي تشكّل وحدة واحدة عقائدياً وفكرياً وثقافياً وتاريخياً وبشرياً وجغرافياً. واستمرت لجان البحث في هذا المؤتمر تعمل على قدم وساق طيلة 40 يوماً لتضع خطتها الاستراتيجية للقضاء على هذا الخطر في مهده.
وكانت الخطوط العريضة لتوصيات اللجنة تدعو إلى العمل على تفتيت الامبراطورية العثمانية وتدميرها والعمل على تجزئة أقاليمها والحيلولة بكل السبل دون وحدتها، وتخريبها فكرياً وثقافياً واجتماعياً. والأهم من هذا كلّه: زرع جسم شعب غريب عن المنطقة شرقي قناة السويس لفصل المشرق الإسلامي عن المغرب الإسلامي وشماله عن جنوبه. وحددت اللجنة فلسطين لإحلال هذا الجسم الغريب لسلخ الشرق المسلم عن الغرب الإسلامي.
التخوّف من الإسلام
لقد كان هذا التقرير المتسربل بالسرّية والذي عرف باسم تقرير بانرمان هو العمدة وحجر الأساس في استراتيجية أوروبا، ومن ثمّ استراتيجية الغرب عموماً على ضفتي الأطلسي وملحقات هذا الحلف في كافة أرجاء العالم. لقد حدد الغرب عدوه وشخص ما تخيله من خطر.
تبلورت استراتيجية الغرب تجاه العرب على وجه الخصوص في مستهل القرن العشرين وقبل أن ينصرم عقده الأول.
إلاّ أن الغرب أفلح في اخفاء هذه الاستراتيجية العدوانية وظل يظهر تحركاته على أنّها مجرّد ردود أفعال على ما يقوم به العرب وما ينتهجونه من سياسات إلى أن نضجت الظروف إلى حدّ ما فشن حربه على الإسلام تحت ستار الحرب على الإرهاب.
نكبة فلسطين وعواقبها
من لم يطّلع على تقرير بانرمان الصادر سنة ،1907 والذي أوصى الدول الاستعمارية الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا، بإقامة دولة غريبة في فلسطين تكون في تناقض صارخ مع محيطها في خواصها كلها بدءاً بالديانة واللغة وانتهاءً بالسمات الحضارية والقيم لفصل المشرق العربي عن مغربه، من لم يطلع على هذا التقرير يذهب إلى توهم أنّ مجيء المستعمر الفرنسي إلى بلاد الشام واحتلال بريطانيا لفلسطين والعراق في الربع الأول من القرن العشرين كان بغرض ترسيخ أقدام احتلال دائم.
إلا أن كل القرائن تشير إلى حقيقة أنّ هذا الاحتلال كان يرمي إلى تهيئة كل الظروف وتمهيد كل السبل لإقامة مثل هذا الكيان الذي أجمع الغرب على ضرورة قيامه لدرء ما شخصوه من خطر الإسلام الذي أوهمهم خبراؤهم بأنّه أكبر الأخطار التي تهدد حضارتهم.
وروغان في كتابه حين يتحدث عن نكبة فلسطين لا يحاول الربط بين تجزئة الوطن العربي وتقاسم الدول الأوروبية لبلدانه بعد انهيار الدولة العثمانية وبين الدور الذي لعبته الدول الاستعمارية الكبرى في تنفيذ توصيات تقرير رئيس وزراء بريطانيا هنري كامبل بانرمان.
قضية فلسطين
يبدأ روغان حديثه عن قضية فلسطين من تاريخ يناير/ كانون الثاني من عام 1944 عندما أعلن، حسب تعبير المؤلف، متطرفون يهود الحرب على بريطانيا. ويحاول الكاتب أن يوهم بأنّ صراعاً حقيقياً تفجّر بالفعل بين اليهود في فلسطين والاحتلال البريطاني متعامياً عن حقيقة أنّ المهمّة الخفية للانتداب البريطاني على فلسطين إنّما كانت في الحقيقة إعداد المسرح لتنفيذ وعد بلفور الذي فضحت الثورة البلشفية أمره بعد قيامها في روسيا.
ويرى المؤلف أنّ نكبة فلسطين كانت لها آثار مزلزلة على السياسات العربية في المنطقة. فالدول العربية الناشئة التي ظهرت بعد سقوط الخلافة وهزيمة العثمانيين وانحسارهم لتقع المنطقة العربية التي أوغلت في الحلم بقيام مملكة العرب التي يحكم فيها العرب أنفسهم بأنفسهم سرعان ما خاب فألها وتبددت آمالها بعد أن صدمها احتلال بريطانيا لفلسطين واحتلال فرنسا للبنان وسوريا.
ويتطرّق روغان إلى مسلسل الإنقلابات في سوريا ويقول إنّ نكبة فلسطين أذنت بنهاية النفوذ الأوروبي في العالم العربي، فالمشكلة الفلسطينية إنّما صنعت في أوروبا.
صعود القومية العربية
يقول روغان في كتابه إنّ العالم العربي دخل حقبة الحرب الباردة وقد استولت عليه الحمىّ الثورية. فثمّة سخط تأجج في نفوس العرب بعدما رأوا من تواطؤ الغرب، بزعامة أوروبا يومها، ضد قضاياهم المصيرية وعلى رأسها قضية فلسطين. ومن هنا نشأت نزعة مناهضة الامبريالية واستردت حيويتها منذ بداية حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ويذكر المؤلف أن الأعمال العدائية ضد بريطانيا وفرنسا بدأت تظهر في مصر والأردن والعراق.
إلاّ أن الساسة القوميين الأوائل سرعان ما انفض الناس عنهم، حسب المؤلف، بعد أن استاءت الأوساط الشعبية منهم واعتبرتهم موالين بشكل أو بآخر للحكم الاستعماري البريطاني. ولم يكن جيل الضباط الشبان في الجيوش العربية الناشئة بمنأى عن هذه التيارات وعن هذا الحراك في عصر عصفت فيه حمىّ السياسة وصار يجنح نحو الثورة وإحداث التغيير ولو بالقوة.
وفي ذلك العهد غلب على الشعوب شعور غامر بالوحدة، فلسانهم واحد وتاريخهم واحد وثقافتهم واحدة وهي تستمد في معظمها من الماضي الإسلامي، حسب روغان، وهي ثقافة شارك المسلمون فيها من ليسوا بمسلمين. واجتاحت الناس آنذاك رغبة بإزالة الحدود، وهي حدود لم تكن شعوب تلك المنطقة تعهدها في عصر العثمانيين إذ هي حدود مصطنعة رسمتها القوى الاستعمارية لتجزئة العرب. وهكذا نشأ وعي بضرورة تحقيق الوحدة العربية وإقامة كومنولث جديد يقوم على الروابط التاريخية والثقافية المتينة التي تربط بين العرب وتجعل منهم أمّة واحدة.
ومن نواح كثيرة كانت مصر، كما يرى المؤلف هي الجبهة الأمامية لهذه التطورات.
وهنا في هذا الفصل يشيد روغان بشخصيات علمانية مصرية يرى فيها المؤلف رموزاً للنهضة في مصر بوجه خاص ويسمّي منهم د. نوال السعداوي التي كانت غريبة على الفكر القومي في بداية حقبة الخمسينات من القرن العشرين ثمّ ما لبثت أن انخرطت فيه لفترة حيث كان زخم الشعور الشعبي العام يتوق إلى التغيير.
كان الرئيس جمال عبدالناصر من أبرز الشخصيات التي نفخت روح القومية العربية. وفي حقبة الخمسينات صعد تيار الناصرية المشبع بالفكر القومي وانتشر انتشار النار في الهشيم، لا سيّما وقد ارتبطت هذه النزعة بشخصية مفعمة بالسحر الذي يشدّ الجماهير، ألا وهي شخصية عبدالناصر الذي ملأ دنيا العرب في تلك الحقبة وشغل الناس.
وفي حقبة الستينات انقسمت البلدان العربية إلى دول تدور في فلك الغرب وأخرى تدور في فلك الاتحاد السوفييتي.
وفي عام 1958 قامت وحدة بين مصر وسوريا وهلل العرب لقيامها إذ رأوا فيها تجسيداً لأحلامهم في تلك المرحلة ونواة لبدء رحلة تحرير فلسطين.
إلاّ أنّ الأمل سرعان ما تبدد بقيام الانقلاب في سوريا بفصم عرى الوحدة وحدث الانفصال سنة 1961.
وتوالت من بعدها خيبات الأمل التي توجت بهزيمة حزيران/ يونيو 1967.
وبلغ المدّ القومي أوجه سنة 1970 التي شهدت اندلاع حرب بين النظام الأردني والفدائيين الفلسطينيين تمخضت عنه آثار كارثية بالنسبة للشعب الفلسطيني عموماً ولجأت بعدها معظم المنظمات الفلسطينية إلى لبنان لتبدأ حقبة جديدة تتهاوى على مدى سنواتها تيارات كانت قد جعلت القومية العربية مرتكزاً لها في تصوراتها واستراتيجياتها.
وفي مرحلة من المراحل جرى تزاوج مؤقت بين التيارات القومية والاشتراكية، إلا أنّ الاشتراكية العربية كان لها تأثير أكبر ونفوذ أعظم في مصر وساهمت في انقسام العالم العربي.
وشهدت بداية حقبة الستينات استقلال الجزائر وهو حدث أنعش النزعة القومية في العالم العربي، إلا أن التيار القومي أخذ يتقهقر رويداً رويدا لا سيّما بعد وفاة جمال عبدالناصر سنة 1970.
قوة الإسلام
يستهل روغان الفصل الأخير من كتابه الذي عنون له بقوة الإسلام بإيراد حادث المنصة ويتحدّث عن مقتل السادات والظروف التي أحاطت باغتياله، ويشير إلى الدلالة في توقيت قتله وهو الذي أطلقوا عليه في يوم من الأيام لقب بطل العبور.
ويروي المؤلف حكاية الاغتيال بشيء من التفصيل ويتوقف عند الصرخة التي أطلقها خالد الإسلامبولي وهو يوجّه طلقاته القاتلة إلى السادات ويقول: لقد قتلت الفرعون.
كما يركّز روغان على مقولة الصحافي المصري الشهير محمد حسنين هيكل وهو يتحدّث عن جنازة السادات فيقول: هذا الرجل الذي تفجّع الغرب على موته ورثاه وأبّنه وأسبغ عليه ألقاب البطولة ووصفه بالحكمة وبُعد النظر، هذا الرجل لم يجد بين بني وطنه وبني جلدته هذا القدر من الحداد المفعم بالحزن.
ويمضي المؤلف في محطاته في هذا الكتاب ليوحي لنا بأنّ القوة الثورية الكامنة في الإسلام بقدر ما تبدو قوة تحريرية مقاومة لأشكال الظلم بقدر ما هي قوة تخريبية تزعزع استقرار البلاد وينمو في تربتها الإرهاب.
وفي هذا الفصل أيضاً يتحدث عن الجهاد الأفغاني في حقبة الثمانينات وما تمخض عن هذه الظاهرة التي كانت تحظى بدعم من الأنظمة العربية المحافظة من آثار وما ترتب على هذا من نتائج.
وتتسارع وتيرة عرض الأحداث في الفصل الرابع عشر من الكتاب ليفضي بنا روغان إلى مسألة ولادة المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان وظهور حزب الله.
وهنا عند هذه النقطة يكتشف القارئ الممحص المتدبّر للكلام مرّة أخرى مدى ما يتمتع به المؤلف من خبث وخطورة في تناول القضايا. يقول روغان: لم يكن الصراع ضد إسرائيل والولايات المتحدة بالنسبة للشيعة في لبنان سوى وسيلة لغاية. فالهدف النهائي الذي كان حزب الله يضمره، وأفصح عنه في مناسبات نادرة إنّما كان إقامة دولة إسلامية في لبنان. إلاّ أنّ الحزب كان يظهر دائماً عدم رغبته بفرض مثل هذه الدولة على لبنان بالقوة. ويقتبس كلاماً لأحد قادة الحزب يقول فيه أواسط الثمانينات: لا نريد للإسلام أن يحكم في لبنان بالقوة، إذ إنّ المارونية السياسية هي التي تحكم في الآونة الراهنة.
إلاّ أنّ المؤلف يمضي ليعد بعض إنجازات المقاومة الإسلامية في لبنان، والتي كانت باكورتها اسقاط اتفاقية 17 أيار/ مايو، وكانت هذه ضربة موجعة لإسرائيل.
ويقول روغان إنّ الصراع في لبنان أثبت أنّه كان هزيمة كبرى منيت بها الولايات المتحدة في مناخات الحرب الباردة وأجوائها حين احتد التنافس بينها وبين الاتحاد السوفييتي.
غير أنّه، حسب المؤلف، لم تتح للسوفتيين فرصة الفرح بما أحرزوه في لبنان والشرق الأوسط من انتصارات على الصعيد السياسي والدبلوماسي، إذ لم تأت سنة 1979 حتى كان السوفييت قد احتلوا أفغانستان ليخوضوا هناك صراعاً امتد لعقد من الزمان وأنهكهم وجرّهم في نهاية المطاف إلى هزيمة منكرة على أيدي المقاتلين الأفغان الذين آزرهم المقاتلون العرب، الذين تدفقوا على أفغانستان وساهموا بشكل كبير في دحر الاحتلال السوفييتي.
ويتطرّق روغان إلى ذكر د. عبدالله عزام الذي كان أحد أبرز القادة العرب في القتال الأفغاني ضد السوفييت والذي أثّر إلى حد بعيد في الفكر الجهادي عن طريق ما ألفه من كتب وما كان يلقيه من محاضرات.
الخاتمة
أراد مؤلف الكتاب يوجين روغان أن يوحي في خاتمة تاريخه عن العرب بأن تاريخ البشرية إنما بدأ بهجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول من عام ،2001 وهي أحداث يقف عندها الكتاب ملياً، كما صنع في المقدمة حين ركز على اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري ثم انثنى ليتخذ من اغتيال الصحافي الكاتب والمؤرخ سمير القصير منبراً تسلل إليه لتمرير مقولاته، وفي هذا كله دلالته بالطبع.
يخرج المؤلف ضربة 11 سبتمبر/ أيلول عن سياقها التاريخي لوهلة متناسياً سجل المظالم الحافل، ومتجاهلاً عن عمد تاريخاً زاخراً بجرائم الغرب عموماً والولايات المتحدة على وجه الخصوص بحق الوطن العربي الذي يضن عليه حتى بهذا الاسم.
وفي الخاتمة أيضاً يتجلى بين السطور أحد الهموم الكبار التي تسكن وجدان المؤلف، ألا وهو صرف همّة العرب عن سكة المقاومة بتزهيدهم بثمار رفع السلاح في وجه العدو الغاشم والتقليل من شأن المقاومة التي جعلت جيش الحرب الإسرائيلي ينسحب بليل من جنوب لبنان تاركاً عملاءه فيما كان يسمى جيش لبنان الجنوبي لمصيرهم.
ويغمز روغان من قناة المقاومة سواء في فلسطين أو لبنان فيقول في خاتمة كتابه: بالنسبة للأحزاب الإسلامية، درّت عليهم مقاومة اسرائيل منافع سياسية. وفي الحقيقة تيقنت حركة حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان أنهما طالما واصلا بإصرار تسديد ضربات للدولة اليهودية، فإنهم سيضمنون بهذا النهج قطعاً فوزهم بأوسع دعم سياسي شعبي، لذا تراهم يتشبثون بهذا لأنهم لمسوا ما تمخض عن هذه المقاومة من فوائد ومكاسب. وهم مؤمنون أيضاً بما يقومون به من عمل، وترسخت لديهم القناعة بأن القتال ضد إسرائيل لتحرير أرض الإسلام إنما هو فريضة دينية. وفي صيف سنة 2006 صعدت حماس وصعّد حزب الله الهجمات ضد اسرائيل، فماذا كانت النتيجة؟ عواقب كارثية موغلة في مأساويتها، سواء بالنسبة لقطاع غزة، أو بالنسبة للبنان.
ومن ثم انبرى روغان بصورة مبطنة للدفاع عن إسرائيل حين أخذ يسرد الأحداث التي قادت الى شن إسرائيل الحرب، فوصف ما قام به حزب الله بأنه توغل في الأراضي الاسرائيلية وهجوم لم يسبقه اي استفزاز من قبل اسرائيل واختراق للحدود الدولية. ثم راح المؤلف يقارن بين خسائر اليهود وخسائر حماس، حيث تجاوز عدد شهداء غزة 1500 شهيد من بينهم أكثر من 500 طفل، في حين أعلن الاسرائيليون عن مقتل 11 اسرائيلياً فقط قبل وقف اطلاق النار.
وأما النتائج بالنسبة للبنان فركز روغان على حملة القصف الجوي الاسرائيلي المتواصل التي استمرت 34 يوماً ودمرت أو كادت كل البنى التحتية في لبنان وسوّت بالأرض أحياء كاملة وشردت قرابة مليون مدني لبناني من قراهم ومنازلهم. وتغافل روغان بالطبع عن القتال الشرس الذي تميز به حزب الله في الحرب البرية التي أعقبت الغارات الجوية على لبنان.
إلا أن المؤلف أورد في المقابل طرفاً من الانتهاكات الاسرائيلية في الحرب على غزة والتعديات الكبرى التي اتسمت بها الهجمة الاسرائيلية على قطاع غزة واستهداف مقرات ومواقع لوكالات الأمم المتحدة والانتهاكات والفظائع التي ارتكبت في تلك الحرب.
ومن ثم انتقل روغان بالمشهد في خاتمة كتابه الى التطورات التي طرأت على المسرح السياسي الأمريكي ورحيل جورج بوش عن البيت الأبيض ومجيء باراك أوباما.
وفي حديثه عن الرئيس أوباما حاول المؤلف إشاعة شيء من الأمل بوقوفه عند الخطاب المشحون بإشارات إيجابية الذي ألقاه أوباما في جامعة القاهرة في يونيو/ حزيران سنة 2009 واقتبس منه روغان قوله: أتيت الى هنا التمس بداية جديدة للعلاقات بين الولايات المتحدة والمسلمين في جميع أنحاء العالم، بداية لعلاقة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. ومن ثم خاطب أوباما الجمهور الذي كان ينصت إليه باهتمام شديد فقال لهم: ينبغي أن نبذل جهداً متواصلاً ليستمع بعضنا الى بعض، وليتعلم بعضنا من بعض ويحترم بعضنا بعضاً ونسعى للوصول إلى أرضية مشتركة.
وفي نهاية المطاف يسدي روغان النصيحة للعرب فيقول: إذا ما أرادت الشعوب العربية أن تحظى وتتمتع بحقوق الإنسان وأن تنشأ عندها حكومات رشيدة تخضع لمبدأ المساءلة وأن تنعم بالأمن والنمو الاقتصادي الذي يوفر لها الانتعاش والازدهار فينبغي عليها الأخذ بزمام المبادرة بأنفسها. لقد أثبت لنا التاريخ حقيقة أن هناك حدوداً للإصلاح الذي يأتي عن طريق التدخل الأجنبي لقد حدث هذا في العهود الاستعمارية وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، فالديمقراطية لا يمكن أن تفرض قسراً من دون أن يقتل الرسول الرسالة.