النفط كان ولا يزال السلعة الاستراتيجية التي تحرك عجلة الصناعات والاقتصاديات في الغرب وتدير دفة الصراعات والنزاعات والحروب في الشرق، ومن خلف الكواليس من اجل الهيمنة والسيطرة على منابعة حتى آخر قطرة منه .
ومن أجل إضعاف وتفتيت الدول الحاضنة لما يسمى اليوم بالذهب الاسود يبقى المثال العربي نموذجاً حياً على الاطماع الغربية والاجنبية للسيطرة على نفط الشرق الاوسط مع بداية عصر نضوبه والذي أسهم في إشعال فتيل أزمات وصراعات في منطقة تعتبر مستقرة نسبياً كمنطقة الخليج العربي
كان الاستعمار الانجلو -أمريكي سبباً في هذه الأزمات ومن وراء الكواليس لإضعاف وحدة الصف العربي الاسلامي وتقسيمه طائفياً ومذهبياً وزرع بذرة الفرقة والانفصال في رحم الامة الاسلامية وذر نيران النعرات الطائفية في مقابل حصول المستعمر على موطئ قدم في المنطقة في سيناريو محكم بمرحلية التنفيذ ليلاقي قبولا واستحسانا بعد ان انتقلت ماكينة تسعيرالنفط وبشكل سلس الى وزارة الطاقة الأمريكية في سيناريو منظم أحيك من قبل بعد ان كان النفط السلاح الاخير في يد العرب يساومون به الاصدقاء بعد الاعداء وفي السلم قبل الحرب .
فمشهد طوابير آلاف السيارات في نيويورك وباريس التي فرغت خزاناتها من الوقود وذلك بعد ان اتخذ الملك فيصل قراره الشجاع بوقف تصدير النفط أبان حرب يونيو/حزيران 1967 لن يغيب عن ذاكرة صانعي القرار في البيت الابيض، يومها اضطر وزير الخارجية الأمريكية هنري كسينجر ان يستقل دراجته الهوائية للوصول الى مبنى وزارة الخارجية وقال قولته الشهيرة وهو يتجرع طعم الذل والهوان: لا نستطيع ان نترك سلعة استراتيجية كالنفط في يد هؤلاء البدو العراة، فهذه هي الصورة النمطية في مخيلة الغرب وتتداولها ابواق الاعلام الأمريكي على الرغم من النقلة النوعية التي احدثها النفط على اسلوب حياة الخليجيين والعرب، حيث أصبح الخليجي يلبس حسب الموضة الغربية ويرتدي التي شيرت والجينز ويشرب الكاكولا ويأكل البرجر والبيتزا والوجبات السريعة ويقتني سيارات جنرال موتورز الأمريكية .
فاحتلال العراق من دون تفويض شرعي من قبل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ومحاولة تقسيمه الى كانتونات ودويلات صغيرة متباينة الثروات ومنزوعة السلاح شاهد حي ونموذج آخر للنقمة الغربية على احتضان العرب لخمس الاحتياطي العالمي من الذهب الاسود، اذ إن العراق اصبح على شفا خطر التقسيم الى دويلات بعد أن قام المحتل بزرع بذرة الانفصال في الشمال الكردي بعد حصول الاكراد على وعد بلفور الأمريكي المشؤوم لاقامة كيان مستقل شمال العراق وعاصمتها كركوك والتي تمتلك ثروة نفطية هائلة مقابل السماح للشركات الأمريكية بالتنقيب، وإعطاء الشركات الأمريكية الافضلية في التنقيب عن النفط، ولم يأت ذلك الغزو من فراغ، بل تمت حياكته بسيناريو محكم بمرحلية التنفيذ إذ إن سياسة العصا والجزرة التي مارستها الولايات المتحدة في فترة الثمانينات لا تجني ثمارها الا بطريقة متأنية ومدروسة ساهمت الثورة الإيرانية في خلق بيئة مناسبة لتعزيز استراتيجية الطاقة الأمريكية الجديدة بعد ان وجدت الفرصة مؤاتية جدا لتحقيق تلك الاستراتيجية فالسم الذي لا يؤلمني يزيدني قوة كما يقال .
حيث إن الولايات المتحدة لعبت وبخبث شديد على وتر المذهبية حتى تحصل على دور لها في المنطقة آنذاك ولم تكتف بدور المتفرج أبان الحرب الحدودية العراقية - الإيرانية الطاحنة بل إنها صبت الزيت على النار المستعرة بين البلدين واستخدمت ورقة صدام حسين كبعبع لإشعال فتيل تلك الأزمة تحت ذريعة وقف تصدير الثورة الشيعية إلى العراق والبلدان المجاورة، وان الخطر الايراني يشكل خطراً أكبر من الخطر الإسرائيلي على الخليج والمنطقة ككل .
وعلى الرغم من النهاية التي انتهت إليها الحرب العراقية - الإيرانية إلا ان الولايات المتحدة نجحت في تعزيز هيمنتها على المنطقة وجر صدام الى مغامرة ثانية ضد اشقائة العرب هذه المرة من أجل تأمين مصالحها النفطية في المنطقة وتحقيقاً للرؤية الثاقبة لهنري كسينجر بضرورة سحب بساط النفط من أيدي العرب وبشكل نهائي والتحكم في موارده وذلك بزلة لسان متعمدة ومقصودة اعطت الضوء الاخضر لصدام باحتلال الكويت عام 1990 والتهام 20 % من الاحتياطي العالمي من النفط قبل ان ينقلب السحر على الساحر، وتدق طبول الحرب من اجل تحرير الكويت بقيادة الولايات المتحدة وتحصل أخيرا على موطئ قدم لها في المنطقة . كما ان حرب جنوب السودان والذي يمتلك لوحده 85 % من الاحتياطي النفطي في السودان شاهد آخر على ان النفط كان سبباً في اطماع القوى الكبرى للنفط العربي والذي تعتبر تكاليف استخراجه رخيصة جدا بالمقارنة مع التكاليف الباهظة لاستخراج نفط بحر الشمال ونفط آلاسكا بعد ان ساهمت القوى العظمى في خلق أزمة الجنوب حين قام الاستعمار البريطاني بتوطين واستقدام المسيحيين في الجنوب من اجل تغيير ديموغرافية السكان في السودان وترسيخاً لسياسة افرقة السودان وعزله عن محيطة العربي والذي يعتبر سلة الغذاء العربي، إذ ان الولايات المتحدة والقوى الكبرى ساهمت في تسليح قوات الحركة الشعبية بالعتاد والسلاح بعد ان قامت الولايات المتحدة بتدريس جون قرنق لينال درجة الدكتوراه في القانون الدولي من أعرق الجامعات الأمريكية وتنصيبة قائدا على رأس اكبر ميليشيا لمحاربة الحكومة السودانية من اجل أقامة كيان مستقل على غرار الكيان الصهيوني في فلسطين وتفتيت وحدة السودان وإقامة كانتونات عرقية في الشمال والجنوب .
أما أزمة دارفور فتعتبر أسخف نكته سياسية شاهدها العالم على اجهزة التلفزة وعلى مرمى ومسمع منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية حين ضخّم الاعلام الغربي الصراع القبلي على المراعي الى صراع عرقي وإبادة جماعية من اجل دق طبول التدخل الغربي وانقاذ ما يمكن انقاذه لوقف المذابح والمجازر وكأن دارفور برشتينا جديدة وكوسوفو ثانية تستوجب هذا الزخم الاعلامي والتهويل السياسي واللعب على وتر الارقام الفلكية للضحايا والقتلى بين المدنيين لتتجاوز حصيلة القتلى مئات الآلاف حسب القنوات والصحف الغربية المحسوبة على شركات النفط الأمريكية واللوبي اليهودي في أمريكيا، بل تجاوزت أزمة دارفور الخط الأحمر عندما اصدرت منظمة العفو الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر حسن البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب وممارسة ارهاب الدولة بحق المدنيين متناسية الجرائم التي قامت بها إسرائيل طيلة أكثر من 60 عاماً في الاراضي الفلسطينية .
إن دارفور هي عراق آخر للسيطرة على خيراته من النفط والغاز واليورانيوم والذهب وغيرها من الثروات الطبيعية واللعب الغربي على وتر الدفاع عن حقوق الانسان ليس سوى مادة دسمة لذر الرماد في العيون تروجها ابواق شركات النفط في الغرب لاقناع المشاهد الغربي قبل العربي بوجوب التدخل الغربي في منطقة غرب النيل من أجل احترام حقوق الانسان في حين ان ذلك التهويل الإعلامي هدفه السيطرة على النفط الدارفوري، إذ إن أستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية القادمة هو الاعتماد على النفط الافريقي من اجل سد عجزها من النفط، فدارفور تمتلك ثروة هائلة من النفط والغاز، واشغال السودان في حروب وتوريطه في نزاعات جديدة يعني اشغاله عن خطط التنمية المرجوه ليصبح سلة الغذاء العربي وخزان الامن الغذائي العربي، وهذا ما يزعج الغرب، كما أنإسرائيل تتوجس خيفة من ان يصبح السودان ثاني أكبر قوة عسكرية بعد مصر .
لقد تحول اليمن السعيد إلى تعيس بعد مخاض عسير مع الوحدة تكللت بلم شمل الفرقاء الشماليين والجنوبيين تحت مظلة واحدة وهاهو اليوم يصارع الموت الإكلينيكي في جسد الوحدة المريض بعد أن فقدت تلك الوحدة بريقها بعد سنوات من التعايش السلمي جنبا الى جنب لتعلن ولادة حراك جنوبي معارض يتخذ من مناطق ابين ولحج مقرا له وتمردا في الشمال يتخذ من جبال صعدة منطلقاً، وعودة تنظيم القاعدة لعله يستعيد جزءا من عافيته وقوته بعد الضربات الموجعه التي تلقاها في افغانستان وباكستان والصومال، نعم لقد أصبح اليمن محط انظار العالم وبشكل درامي هوليوودي مثير .
وهكذا تحول اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الدول الاقليمية وكأن اليمن تحول إلى لبنان جديد سوف يشهد حربا اهلية بالوكالة نيابة عن القوى الكبرى بعد أن انتقل شريك الحكم الجنوبي إلى جانب المعارضة ولجأ الى العصيان المدني للتعبير عن السخط والغضب جراء تردي الاوضاع الاقتصادية في الجنوب .
لقد بدأت تتضح معالم الطبخة التي تعد لليمن و على نار هادئة في مطابخ ودوائر القرار في الغرب وإسرائيل وبدأت تبرز معالم المؤامرة الصهيونية الجديدة والتي تحاك ضد اليمن فهي لعبة كبرى لتقسيمه الى شمالي نفطي بالدرجة الأولى وجمهورية جنوبية فوضيه رعوية تدعمها القوى الكبرى للتطويق النفط العربي برمته واما مسألة القاعدة والحراك الجنوبي وإشكالية جماعة الحوثي ليست سوى ادوات لمخطط مفبرك تمت صياغته للتغطيه على المشروع الصهيوني القديم الجديد، وهذا ما حذر منه الداعية اليمني عبدالمجيد الزنداني من تحويل اليمن الى أفغانستان أخرى للسيطرة على موقعها الاستراتيجي المطل على مضيق باب المندب عبر جزيرة بريم والتي يمر عبرها 35 % من امدادات النفط العالمية . لقد أصبح النفط كماشة ورأس حربة لتقسيم المنطقة الى كانتونات قومية وطائفية متباينة الثروات بعد ان استباح الغرب مقدرات المنطقة بحثاً عن الذهب الاسود يرافقها حملة علاقات عامة تجميلية لتجميل وجهه الاستعمار القبيح فهو مبشر بالديمقراطية تارة لتقسيم العراق الى شمال كردي غني بالنفط والغاز وعاصمته كركوك مدعوم من الغرب وإسرائيل وجنوب شيعي معدم الموارد مدعوم من إيران، ومفوض سامي لوقف مذابح دارفور وتفتيت وحدة السودان الذي يتوجس خيفة من خطر التقسيم الى شمال مسلم فقير الموارد وجنوب مسيحي ثري بالنفط والغاز .
* كاتب عماني
mmkkiyumi@hotmail .com