تهدف العروبة إلى إقامة الكيان العربي الكبير الذي يضم سائر الدول العربية . ولقد اختلف العروبيون عبر مراحل التاريخ العربي الحديث، ومن بلد عربي إلى آخر، حول تفسير طبيعة هذا الكيان ما إذا كان دولة مركزية واحدة، أو دولة فدرالية أو كياناً كونفدرالياً أو منظومة إقليمية، وقد أضاف إليها البعض من خارج التيار العروبي فكرة المؤتمر الدائم أو غير الدائم للدول العربية . إلا أنه مهما اختلفت المشاريع وتعددت مستوياتها، فإنها تنطلق من الاقتناع بخصوصية المنطقة العربية وبالحاجة إلى التطوير الدائم والمستمر للعلاقات بين دولها ومجتمعاتها وبالفوائد الجمة الناجمة عن بناء الكيان العربي الكبير .
المراحل التكوينية للفكرة العربية وتطورها
ترمي مشاريع الاندماج الوطني إلى توطيد وحدة الكيانات السياسية والمجتمعات التي تضمها . وتتسم مسألة الاندماج الوطني ببعض التعقيد . ويمكن التمييز بين مدارس ونظرات مختلفة في مسألة الاندماج الوطني . فهناك الاندماج القومي الذي يتصل بتوحيد أبناء القومية الواحدة . وهناك الاندماج الوطني الذي يضم أبناء الدولة الواحدة . ويتطابق الاندماجان القومي والوطني إذا كنا نتحدث عن دولة تضم جماعة قومية واحدة فحسب كما هو الأمر في المثال الياباني الذي بات مثالا نادر الوجود . ولكن يختلف الاندماجان إذا كنا نتحدث عن دولة وطنية تضم قوميات متعددة . أخيراً لا آخراً، هناك الاندماج الإقليمي إذا كنا نتحدث عن تكتل أو كيان إقليمي يضم عدة قوميات وعدة دول قومية، كما هو الأمر في الاتحاد الأوروبي أو رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) . فضلاً عن ذلك فإن للاندماج الوطني جوانب متعددة سياسية، وثقافية واقتصادية واجتماعية .
ويبرز الطابع المركب لمسألة الاندماج الوطني في المنطقة العربية بصورة خاصة . فقد يكون الاندماج الوطني مَعبراً إلى الاندماج القومي، أي أن يتحدد الاندماج داخل الدولة العربية الحالية على أن يتبعه اندماج الدول العربية في كيان واحد . ولكن هناك من يعتقد، سواء كانوا من القوميين أم الوطنيين العرب، أنه يوجد تناقض رئيسي بين الاثنين . وفي ذهن الذين يؤكدون هذا التناقض صورة اللعبة الصفرية بين الدولة القطرية /الوطنية العربية القائمة، من جهة، وبين الدولة العربية القومية التي يعمل القوميون العرب على تحقيقها، من جهة أخرى . ولقد تمت المصالحة بين الدولتين في السنوات الأخيرة، أي بين القطري والقومي، وبات من المعتاد أن يؤكد أكثر دعاة الفكرة العربية أنهم لا يريدون اضعاف الدولة الوطنية بل على العكس تعزيزها لأنهم يجزمون بأن القائمين عليها سوف يتجهون بعد ذلك إلى اعتماد الخيار القومي، مقابل ذلك بات من الشائع أن يؤكد المتمسكون بالدولة العربية الحالية انهم ليسوا ضد الكيان العربي الجامع اذا لم يطح بهذه الدولة . بيد أن هذه المصالحة، لا تزال في تقديري هشة، مبتسرة، محكومة بأفق سياسي محدود، وتنتظر المزيد من الجهد الفكري والسياسي حتى تنضج أصولها وتبعاتها . وحتى تتم هذه المصالحة فإنه من الأفضل أن نفتش عن معنى للاندماج الوطني أكثر تطابقاً مع التجربة السياسية العربية ومع متطلبات تطور الفكرة العربية، ومع الاتجاهات الحديثة في دراسة فكرة الاندماج الوطني، وان نفتش ايضاً عن السبل والوسائل التي تحقق هدف الاندماج على الصعيدين الوطني والقومي .
لقد ركزت الدراسات حول الاندماج في السابق، خاصة في النصف الأول من القرن العشرين على الدول ذات القومية الواحدة، أو بالأحرى القومية الطاغية التي تمكنت من تذويب وإلحاق الجماعات القومية والاثنية الأخرى . بيد أن نسبة متزايدة من الدراسات الحديثة اتجهت، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك بعض من الدول الكبرى، إلى دراسة مسألة الاندماج في إطار تعددي .
ويشمل هذا الإطار التعددي نوعين من الاندماج: الأول اندماج القوميات المتعددة في الكيان السياسي الواحد
Birch, Anthony H . Nationalism and National Integration .
(London: Routledge, 2003) .Pp . 36-45 .
والثاني، اندماج القومية الواحدة ذات الأبعاد المتنوعة في كيانات سياسية متعددة . فأين وقف العروبيون من هذه الاندماجات؟ وهل عثروا على الطريق الذي يقود إلى هذا الاندماج؟
مشاريع الاندماج الوطني خلال المرحلة العثمانية
تقلبت الحركات والجماعات العروبية في مقاربتها مسألة الاندماج بين مدرستين رئيسيتين: الأولى تبنت فكرة الدولة المتعددة القوميات، والثانية تبنت فكرة الدولة الواحدة القومية .
لقد تجسد النهج الذي تبنته المدرسة الأولى في ثلاثة تجليات أساسية:
- أولاً، الإقرار بوجود التنوع الديني والاثني في المنطقة العربية .
- ثانياً، الاعتقاد بأن ثمة علاقة قوية بين هذا التنوع، من جهة، وبين تحقيق الأهداف الوطنية، من جهة أخرى .
- ثالثاً، إطلاق بعض المقترحات والمشاريع التي تهدف إلى إبعاد التنوع الديني والاثني عن الطابع النزاعي، وإيجاد حلول للمشكلات التي تحيط بمسألة الأقليات .
برزت هذه التجليات خلال السنوات التكوينية للحركة العربية أي ابتداءً من نهاية القرن التاسع عشر . ففي تلك الفترة ساهم النواب العروبيون في مجلس المبعوثين العثماني في تأسيس كتلة برلمانية جنباً إلى جنب مع النواب الألبان والأرمن والأكراد فضلاً عن نواب عثمانيين ليبراليين . ودعت هذه الكتلة إلى المساواة بين أقوام الإمبراطورية العثمانية، وساهم المنتمون إليها في تأسيس حزب الحرية والائتلاف الذي حمل نفس الدعوة (سعيد، أمين . الثورة العربية الكبرى . المجلد الأول النضال بين العرب والترك (القاهرة: مكتبة مدبولي، د . ت .) ص 14) .
وشرح الشهيد عبد الغني العريسي الفرق بين المقاربة التعددية التي اعتمدها الائتلافيون تجاه قضية التنوع المجتمعي، وبين المقاربة التوحيدية التي اعتمدها حزب الاتحاد والترقي العثماني، فقال إن الاتحاديين اعتبروا أن العناصر العثمانية حلقات دائرة حول العنصر الحاكم، فيجب أن تذوب كلها في جامعة هذا العنصر . بالمقابل دعت سياسة الائتلاف والائتلافيين إلى . .أن يبقى كل عنصر من عناصر المملكة متمتعاً بمواهبه الطبيعية، لا يسمَن عنصر من مجاعة أخيه، ولا يدفئ قومٌ جسده من بشرة رفيق، بل يرتبطون برابطة الوطنية متساندين مؤتلفين، ولا يغمط لهم الحزب حقاً، ولا يستأخرون عن أنفسهم واجباً، وأدواتها إعطاء كل ذي حق حقه، قلا يتذمر فريق ولا يتبرم آخر، بل يحيون حسب ما يشتهون بشرط أن لا يخلوا بأركان الجامعة الكبرى جامعة الوطنية لعلوش، ابراهيم . مختارات المفيد (بيروت: دار الطليعة، 1981) ص 89) .
وخلفت حزب الحرية والائتلاف بين العرب العثمانيين، جمعية الاخاء العربي العثماني التي طالبت في المادة الأولى من قانونها الاساسي بجمع كلمة الملل المختلفة العثمانية بدون تفريق في الجنس والمذهب، وكذلك بالسعي في تأييد العدل والحرية والمساواة بين عناصر الأمة العثمانية، وازالة الضغائن وسوء التفاهم من بينهم .
بديهي أن هذه المواقف لم تكن لتحمل، في تلك المرحلة، تنازلاً ممن كانوا يمثلون الأكثرية الدينية أو المذهبية أو الثقافية بين العرب تجاه الأقليات العربية، لأن العرب بمجملهم كانوا يعاملون في الإمبراطورية العثمانية معاملة الأقلية، وينظر اليهم وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية . وهكذا نجد في نفس المادة من القانون الأساسي لجمعية الاخاء العربي العثماني، دعوة إلى صيانة حقوق أبناء العرب جميعا من الغدر والاعتساف، وتبليغ شكاياتهم ومستمعياتهم إلى مراجعها الرسمية . لسعيد، أمين . نفس المرجع السابق) .
برزت هذه المقاربة من جديد بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية وقيام المملكة العربية السورية، فعندما زارت لجنة كينغ-كرين الدولية التي شكلها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون البلاد السورية للنظر في مستقبل هذه البلاد وصلاحية اهلها لتقرير مصيرهم، اتخذ المؤتمر السوري العام قراراً طالب فيه بأن تكون حكومة البلاد ملكية مدنية نيابية تدار مقاطعاتها على طريقة اللامركزية الواسعة وتحفظ فيها حقوق الأقليات . (الخوري، يوسف . المشاريع الوحدوية العربية 1913-1987 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988) ص . 26) .
وأكدت المضبطة التي وضعتها لجنة صياغة دستور المملكة الجديدة هذه النظرة في عرضها للاسباب الموجبة للقرار، فجاء فيها . .أن البلاد السورية تختلف عن غيرها من البلاد الغربية الدستورية حيث إنها تضم طوائف عديدة ذات مذاهب مختلفة وتقاليد متباينة فكان من الضروري ملاحظة هذه الأمور الجوهرية في تعيين الخطة الواجب اتباعها في الانتخابات النيابية لتصان معها حقوق الأقليات من الشعب . .،(شهرستان، ماري الماظ . المؤتمر السوري العام 1919-1920 . (بيروت : دار امواج، 2000) ص 237) . ولقد أخذ الدستور السوري بهذه الخطة بحيث جرى تحديد كوتا للأقليات في اختيار مجلس الشيوخ ومجالس المقاطعات . (الخوري، يوسف . مرجع سبق ذكره . ص . 38-40) .
مشاريع الاندماج خلال مرحلة الانتداب والحماية الأوروبية
وتغيرت الأحوال والمعطيات في المنطقة العربية تغيراً كبيراً بعد حلول القوى الإمبريالية الأوروبية محل الدولة العثمانية في حكم المنطقة، إلا أن المقاربة التعددية لقضية الاندماج لبثت تطبع المواقف والسياسات التي اعتمدتها اطراف وقوى عروبية . وبرزت هذه المقاربة في المواقف التي ارتكزت عليها مدرسة الميثاقيين اللبنانيين إذ أعرب قوميون عرب منهم خلال منتصف الثلاثينات عن تفهمه للعوامل والاعتبارات المجتمعية التي تدفع ببعض الجماعات الدينية إلى معارضة حركة الوحدة العربية .
بالمقابل أعتبر هؤلاء أن هذه العوامل ليست راسخة وأنها تتغير باستمرار على نحو يمهد لتحقيق تفاهم وطني حول قضية استقلال لبنان وعروبته وتعميق صلاته وروابطه مع بقية الدول العربية . تعجيلا لهذا التفاهم، دعا هؤلاء إلى انهاء المقاطعة العروبية للدولة اللبنانية وإلى الاعتراف بشرعيتها . وانطوى هذا الموقف على إعادة نظر في مسألة الكيان اللبناني الذي ارتدى في نظر الكثيرين، سواء من مناصريه أم من ناقديه، حلة دينية وطابعاً سياسياً وعقائدياً مناهضاً للفكرة العربية . ودعا هؤلاء العروبيون إلى التفتيش عن حلول لقضية الأقليات عن طريق فتح حوار هادف بين العروبيين اللبنانيين، من جهة، وبين الجماعات اللبنانية السياسية وغير السياسية التي كانت تقف موقفاً سلبياً تجاه مسألة عروبة لبنان، من جهة أخرى . وحدد الهدف من هذا الحوار بانه التوصل إلى نظرة واحدة مشتركة تجاه مسألة الاستقلال الوطني . (الصلح، كاظم . مشكلة الانفصال والاتصال النهار، 11 مارس/ آذار 1936) .
مقابل المقاربة التي اعتمدتها المدرسة التعددية، اعتمدت المدرسة الثانية الأحادية مقاربة تقوم على المبادئ التالية:
- أولاً، التأكيد على الوحدة المجتمعية للمجتمعات العربية .
- ثانياً، اعتبار بعض الفوارق المجتمعية، إذا وجدت، شأناً موقتاً وعارضاً .
- ثالثاً، التركيز على الدور الأجنبي في النفخ بهذه الفوارق وفي شحذها بغرض استخدامها كأداة من أجل اجهاض المشروع الوحدوي العربي والهيمنة على المنطقة .
- رابعاً، التأكيد على دور الدولة في بناء الوطن Nation Building .
لقد تبنى هذه المقاربة نسيج واسع من المفكرين والقادة السياسيين والأحزاب العربية . ونما تأثير هذه المدرسة ابتداء من الثلاثينات مع نمو التيارات القومية الراديكالية الجديدة في المنطقة . وكان من بين الذين تبنوا هذه المقاربة الشيخ عبدالله العلايلي، الذي اثرت كتاباته على الأوساط السياسية في لبنان والمنطقة، وعلى العديد من الدراسات الأجنبية التي وضعت عن الفكرة العربية . وفي كتابه دستور العرب القومي، ركز الشيخ العلايلي بصورة خاصة على استكشاف الهوية الاثنية الشائعة في المنطقة فاعتبر أن العوامل التي أثرت في تكوينها هي اللغة والأدبيات العامة والعادات، وحيث انه اعتبر أن العوامل المنتشرة في المنطقة هي عربية خالصة، فانه جزم بأن الشخصية الاثنية الغالبة هي العربية . كذلك جزم بأن (السلالة) الموجودة في كل بقعة يسكنها العرب هي بقية من سلالات، وليست تامة، أما السلالة الكاملة فليست الا العربية وحدها فقط، وان هذه السلالة لها الرجحان والغلبة على أي من بقايا السلالات (العلايلي، عبدالله . دستور العرب القومي (بيروت: دار الجديد، 1996) ص 127-129) .
وفيما بدا انتقادا لبعض السياسات الأجنبية في المنطقة، حذر العلايلي من اغفال واقع الرجحان والغلبة هذا، ومما دعاه انتخابا للسلالات المنقرضة، ومحاولة لتثبيت موروثاتها واشاعتها في البناء القومي للاقطار العربية، معتبراً انه محاولة لنفخ الروح وإعادة الحياة إلى خصائص لم يثبت لها البقاء، وان هذا النهج لا يعدو استبدالاً للانتخاب الطبيعي الدارويني بالانتخاب الصناعي الذي هو في رأيه رجعية تجر الخراب على المنطقة (العلايلي، عبدالله . نفس المصدر السابق . ص 130-132) .
وذهبت عصبة العمل القومي في بيانها التأسيسي الذي اصدرته عام 1933 إلى أبعد مما ذهب إليه الشيخ العلايلي، في التقليل من أهمية الفوارق المجتمعية، فقد جاء في هذه الوثيقة المهمة من وثائق الفكر السياسي العربي، أنه . . حيث أن ذريعة الأقليات كانت وما تزال سلاحاً ماضياً بيد المستعمرين يبررون بها تدخلهم في شؤون الأمم المستقلة فيتوصلون بذلك إلى استعمارها، وحيث انه لا فرق في الحقوق والوجائب بين مواطن ومواطن أياً كان مذهبه أو منبته أو لغته فاننا ننكر ولا نعترف بوجود الأقليات، المذهبية أو العنصرية، أو اللغوية وليس لسكان البلاد العربية غير جنسية واحدة هي الجنسية العربية ولغة رسمية واحدة هي اللغة العربية، وكل اخلال بهذه الوحدة (هو) جريمة وطنية تجب مقاومتها . (بوسعيد، خطار . عصبة العمل القومي ودورها في لبنان وسوريا 1933-1939 (بيروت مركز دراسات الوحدة العربية 2004) ص 239) .
مشاريع الاندماج في مرحلة الاستقلال
واستمر هذا الموقف يطبع نظرات الاحزاب والحركات العروبية في المرحلة اللاحقة، أي مرحلة النصف الثاني من القرن العشرين، إذ ذهبت هذه الحركات هي الأخرى إلى التقليل من أهمية الفوارق المجتمعية، ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار بروز متغيرات وتطورات أثرت على مسألة الاندماج الوطني .
فخلال المرحلة السابقة، التي شهدت هيمنة القوى الإمبريالية الأوروبية على المنطقة العربية، بدا التحدي الاكبر لمسألة الاندماج الوطني متمثلاً بالانقسامات ذات الطابع الديني والمذهبي، وبالتبني والتأييد الذي كانت تمنحه سلطات الانتداب والحماية والاستعمار لحركات وجماعات دينية معينة سعيا وراء استخدامها ضد الحركات الاستقلالية العربية . وخلال تلك الفترة تمكنت الحركة العربية من بلورة أفكار واجابات عديدة وربما مقنعة على التساؤلات التي طرحت حول موقفها تجاه موضوع الأقليات والتنوع الديني لسكان المنطقة . ولكن في غمرة تركيزها على النضال الاستقلالي، وعلى معالجة مسألة التنوع الديني، أغفلت الحركة العربية أهمية الاندماج على مستويين اثنين:
المستوى الأول كان الاندماج الثقافي-اللغوي .
ولم يبرز الأهمال هنا في تقييم اهمية العامل الثقافي في الاندماج الوطني والقومي . بالعكس، فنحن نجد أن الحركات العروبية اولت اهتماماً كبيراً بهذا العامل، واعتبر في العديد من الاحيان، ولدى الكثير من الحركات والقيادات العروبية، العنصر الأكثر أهمية والأبعد حسماً في تحقيق الاندماج الذي ارتجته .
لقد حاولت الحركات العروبية تحقيق هذا الهدف عن طريق التربية والتعليم واعتماد اللغة العربية لغة رسمية في البلاد . فعندما وصلت بعض هذه الحركات إلى الحكم في المرحلة الاستقلالية، كان من أهم القرارات التي اتخذتها والمشاريع التي نفذتها تلك التي تعلقت بتأكيد الهوية الثقافية العربية للدول العربية . ففي السنوات التكوينية للدولة العراقية، جرى تعريب للتعليم في مرحلتيه الابتدائية والثانوية، أما اللغة الإنجليزية فقد بقيت لغة اختيارية في المرحلتين الثانوية والجامعية . واتبع هذا النهج في سوريا، وفي العديد من الدول العربية الأخرى، أما في لبنان فقد كان إقرار اللغة العربية كلغة رسمية للبلاد العنوان الأهم لانتقاله من التبعية لنظام الانتداب، إلى مرحلة الاستقلال الناجز . وبين التجارب المهمة التي اضطلعت بها الحركات الاستقلالية العربية، يمكن للمرء أن يعتبر ثورة التعريب في الجزائر الإنجاز الأهم في سياق التأكيد على الاستقلال الثقافي العروبي .
* ورقة قدمت في مؤتمر العروبة والمستقبل الذي عقد في دمشق في مايو/ أيار الماضي