يرفع البعض شعار الأقربون أولى بالمعروف في تعاملاتهم مع أقاربهم أو أصدقائهم، لكن المعروف الذي يقصدونه استغلال الآخرين لا خدمتهم بهدف الحصول على بعض الخدمات منهم بلا مقابل، وأكثر من يشعر بهذا الاستغلال أصحاب المواهب أو الأعمال والمشاريع الخاصة، الذين يرفض بعضهم هذا الاستغلال ويستنكره، بينما تشعر النسبة الأكبر بالحرج وتستجيب على الفور تنفيذاً لمبدأ الخسارة المادية ولا خسارة القريب، في هذا التحقيق تحدثنا مع عدد من الأشخاص، عن الاستغلال الذي يتعرضون له من قبل المقربين كأفراد العائلة أو المعارف والأصدقاء وطريقة التعامل معهم في التحقيق الآتي .
أسامة زهران، مختص بالتصميم الداخلي وصاحب محل للمفروشات، أكد أن استغلال المقربين ظاهرة منتشرة بكثرة، لدرجة أنهم قد يحصلون على كثير من الخدمات والبضائع بلا مقابل، ويقول: ينتج عن ذلك خسارة كبيرة، ولكني أرى أن خسارة المال أهون من خسارة القريب أو الصديق، وأضاف: أحياناً تكون قلة المعرفة أفضل، وخصوصاً في مجال الأعمال والتجارة، والأمر في النهاية يعود للذوق العام، وأكد أن زوجته تناقشه دائماً في هذا الموضوع حرصاً عليه وعلى عمله، وحتى لا يتعرض للخسارة، ويقول: أشعر بالإحراج، ولا أستطيع أن أردهم أو أرفض لهم طلباً .
وعن الحل الأمثل برأيه يقول: من الأفضل أن يتولى صاحب المحل الأمور الإدارية ويترك التعامل في الأمور المالية للبائعين والمحاسبين الذين يمتلكون فكرة كاملة عن سياسة المحل والأسعار وغيرها .
الشيخة مي القاسمي، صاحبة محل تصميم داخلي، ومحل آخر للحلويات، أكدت أن على سيدة الأعمال أن تتعامل مع الجميع بميزان واحد وألا تكيل بمكيالين، تجنباً للخسارة الكبيرة التي قد لا يحسب الآخرون لها حساباً، فسيدة الأعمال عليها التزامات كثيرة تقدمها للموظفين والعمال، وتقول: من خلال تعاملي مع الزبائن أتعرف إلى شخصياتهم، وفي كل مرة أتعلم الطريقة الأنسب للتعامل مع أشخاص قد يضعونني في بعض المواقف المحرجة، فإن وجدت تخاذلاً من البعض في الدفع أتعامل معه في المرة المقبلة بطريقة مختلفة، حيث أحرص على تسلم الدفعات منهم في وقت سابق .
وعن استغلال المقربين وطريقة تعاملها معهم، تقول: من الممكن أن أقدم لهم بعض الحسومات، ولكن من المستحيل أن تصل للخسارة، أو عدم الحصول على أية فائدة، فلا أقدم خدماتي بلا مقابل، ولكن الفرق الوحيد يكمن في عملية الدفع، حيث من الممكن أن أمهل أقاربي بعض الوقت، وهو ما لا يحصل عادة مع الزبائن الذين يتسلمون فواتيرهم في الوقت نفسه ويلتزمون بالدفع، وأكدت مي أن بعض الناس يتقبلون الأمر برحابة صدر وبعضهم يستنكر ذلك، ولكن في النهاية يجب عليهم تفهم الأمر، لأن التجارة لا مجال فيها للمجاملة، وأكدت أن استغلال المقربين يعرض صاحب الخدمة للإحراج والخسارة والمشاكل .
عمر أحمد عديلي، صاحب مطعم يقول: مجرد قدوم صديقي لمطعمي يعني أنه يرغب في الحصول على حسم، ويحدث كثيراً أن أقدم حسماً مميزاً لأصدقائي لأجدهم يمعنون النظر بالفاتورة، ويقولون: توقعنا أن تراعينا أكثر من ذلك، وحين أبين لهم أني راعيتهم كثيراً وأقارن الأسعار الحقيقية بما قدمته لهم يقولون إنهم كانوا يمزحون، ولكن الرسالة تكون قد وصلتني، ويؤكد أنه يتعرض لكثير من تلك المواقف مما يسبب له الإحراج، وهنا يجب التعامل بحكمة مع الموضوع، ويضيف: في النهاية وصلت لقناعة بأنه يجب التعامل مع الجميع بميزان واحد، والتقيد بقائمة الأسعار الموجودة، لتجنب الإحراج، وذكر لنا عمر موقفاً تعرض له وجعله يفكر بالأمر بجدية، يقول عنه: قدمت لأحد أصدقائي مستلزمات حفل أقامه، وقدمت له الطعام والمقبلات ومستلزمات أخرى بسعر مميز، ليأتيني زبون آخر يريد إقامة حفل، وحين أعطيته الفاتورة أظهر غضبة وانزعاجه، وقال أنني أفضل بعض الزبائن على البعض الآخر، وأنني راعيت صديقي أكثر منه، وهنا شعرت بالإحراج واضطررت لتقديم نفس الحسم له مثل الذي قدمته لصديقي، ولكني شعرت بالضيق، ومنذ ذلك الوقت قررت ألا أكيل بمكيالين .
خلود آل علي، مدرسة رياضيات تؤكد أن استغلال المقربين أمر شائع ومشكلة كبيرة تتسبب بالإحراج للآخرين، وتقول: كنت أرى هذا الأمر بشكل أكبر مع أختي مدرسة اللغة الانجليزية، التي كان أطفال الحارة ينهالون عليها بعد انتهاء دوامها الصباحي في المدرسة، لتقضي وقتها في تدريسهم وهي منهكة، وتكون في آخر النهار متعبة جداً، والمشكلة الأكبر أن أمهات هؤلاء الأطفال كن يتصلن بأمي ويطلبن منها أن تدرس أختي أبنائهن، وهو ما كان يسبب إحراجاً لأختي التي كانت لا ترفض لها طلباً، وتضيف: هذا ما جعلني لا أتردد في رفض ما لا استطيع تقديمه، لأن لدي مسؤوليات وأولويات يجب القيام بها .
وأكدت فرح مولانا، صاحبة صالون للتجميل، رفضها لاستغلال المقربين، حيث ترى بأنه إن زاد عن حده، فيجب الوقوف في وجهه والتصدي له، وتقول: أقدم خدماتي بلا مقابل مرة ومرتين، ولكني إن شعرت بأن الشخص الآخر لا يقدر تلك الخدمات، ويتعامل بكل تجاهل اتخذ موقفاً جدياً وأشرح له بأن التجارة لا ينفع فيها الاستغلال .
رامي صالح آل كردي، صاحب محل حلاقة يؤيد مبدأ خسارة المال ولا خسارة الصديق، حيث أكد أن الفلوس آخر اهتماماته، وأنه لا يحاسب أصدقاءه على الخدمات التي يقدمها لهم، وأن ذلك لا يؤدي لخسارة المحل، فللمحل زبائنه الذين يعاملهم معاملة واحدة، ويقدم لكل منهم حسماً على حسب حالته، ويقول: أعرف زبائني جيداً، وأراعي حالة كل منهم، ولكن التعامل مع المقربين مختلف، لأن العلاقة التي تربطني بهم أكبر من أي شيء آخر .
وتمتلك فاطمة الهاجن، طالبة تصميم أزياء موهبة التصميم منذ صغرها، وأكدت أن استغلال المقربين أمر منتشر بكثرة، وتقول: في وقت سابق افتتحت محلاً لتصميم الأزياء، وكان جميع المقربين يتوقعون مني أن أقدم لهم تصميماتي بلا مقابل، أو بخصومات كبيرة لا يتوقعها أحد، ما كان يعرضني للإحراج، ولكني في الوقت نفسه لم أكن أرفض حتى لا أخسرهم، والمشكلة الأكبر أنني لا استطيع أن أقدم لهم مجرد تصميم سريع وبسيط، لأن التصميم سيحمل اسمي، ولا أرضى إلا أن تكون تصميماتي على أعلى مستوى .
وعن الخسارة تقول: حين ننظر لها من ناحية إيجابية وخصوصاً حين تتعلق بالأقارب نرى بأننا من الممكن أن نكسبهم، وبأنها من الممكن أن تكون دعاية جيدة .
نادية سعيد الماس، اخصائية نفسية بإدارة التنمية الأسرية في وزارة الشؤون الاجتماعية، أكدت أنه يمكن اعتبار هذا الأمر استغلالاً إذا تحول إلى عادة، وتقول: استغلال المقربين يسبب الإحراج ويؤدي لتخريب العلاقات في أحيان كثيرة، فحين يرفض الشخص تقديم خدماته بلا مقابل، يغضب الطرف الآخر لأنه يعتقد أن له الحق بالحصول على هذه الخدمة بسبب القرابة التي تربطه بذلك الشخص، وأكدت أنه في مجتمعنا يحرص الأفراد على علاقتهم بالآخرين ويخافون أن يخسروهم فيضطرون لتقديم خدماتهم إليهم بلا مقابل، ما يسبب الخسارة المادية لهم، وذكرت أحد المواقف فقالت: كانت لي صديقة خبيرة في التجميل، وكانت تقدم خدماتها التجميلية لصديقاتها وقريباتها برسوم بسيطة، حتى شعرت في وقت من الأوقات برغبتهم في الحصول على الخدمة بلا مقابل، وكن يطالبنها في بعض الأوقات بذلك بشكل صريح، ما جعلها تترك هذا المجال وتعطي ظهرها إليه .
وعن الطريقة المثلى للتعامل في مثل تلك المواقف تقول: يجب على الشخص أن يكون على وعي بهذا الأمر، وأن يضع قواعده منذ البداية، فيبين للجميع أنهم سواسية، وأن عمله يتطلب منه أن يعامل الجميع بالمثل، وعلى الآخرين تقبل ذلك، وألا يطالبوه بما يفوق طاقته، فإن وجد بعد ذلك محاولات من البعض للحصول على الخدمات بلا مقابل فعليه ألا يشعر بالإحراج، وأن يتحدث معهم في هذا الأمر وانعكاسه عليه بالخسارة بكل وضوح وصراحة .