الطلاق العاطفي انفصال بين طرفي العلاقة الزوجية، وضياع للمودة والرحمة والسكنى الهادئة رغم أن سقفاً واحداً يجمعهما . لكن بيوت من هذا النوع قائمة على أعمدة واهية، يظهر للآخرين وهماً تماسكها خارجياً، بينما تنطوي في حقيقتها على خراب وتفكك وتآلف مفقود بين الزوجين اللذين يشغلان مساحة مكانية واحدة وهم كالأغراب في تعاملاتهما على اختلافها داخل هذه المساحة، فلاكلمة طيبة يتبادلانها، ولا حوار من أي نوع قائم بينهما، ولا علاقة إنسانية توثق ورقة الزواج التي حررت بينهما على رؤوس الأشهاد .

والخوف في مثل هذا النوع من الانفصال النفسي والوجداني والعاطفي بين الزوجين يكمن في إمكان انعكاس التفكك والاضطراب الأسري على الأطفال نتاج هذه الزيجات التعسة داخلياً، فالصغار هم شباب الغد والعمود الفقري لمستقبل يجب ألا تشوبه أو ترافقه أية انحرافات، لكن في ضوء اهتراء بعض العلاقات الزوجية، يصبح الأمل في الخروج بأجيال قوية نفسياً ومترابطة، مهزوزاً إلى حد ما، فماالحل؟

قضية الانفصال أو الطلاق العاطفي نطرحها في هذه الأسطر من وجهات نظر عدد من المعنيين .

فوزية طارش مديرة إدارة التنمية الأسرية في وزارة الشؤون الاجتماعية تكشف صراحة عن أن الطلاق العاطفي لاسيما في الزيجات الحديثة أصبح ظاهرة شديدة الوضوح مؤخراً من خلال الاتصالات الهاتفية المتعددة التي تتلقاها الإدارة من زوجات حديثات الاقتران وصغيرات في السن لا يتجاوز عمر الواحدة منهن العشرين عاماً، جميعهن يشتكين من الافتقار إلى العلاقة السوية مع أزواجهن، ومن ذلك عدم الحديث معهن، وتجاهل وجودهن تماماً، وتقول: للأسف أصبح الانفصال شبه التام بين بعض الأزواج وزوجاتهن هو المتسيد داخل كثير من البيوت الزوجية القائمة حديثاً، ما يدفع الزوجة الصغيرة بعد فترة إلى طلب الطلاق من زوجها، لتتهدم جدران البيت الذي لم تمض على إقامته سوى فترة قصيرة، والسبب في الانفصال العاطفي يعد واهياً إلى حد كبير إذ لا يخرج عن جهل الطرفين بكيفية تسيير السفينة الزوجية بينهما بسهولة ويسر، وتجاوز الاضطربات التي تحدث في بدايتها أولاً بأول من دون تركها لتتراكم وتتضخم، فضلاً عن الشماعة التي قد يعلق عليها البعض من الأزواج السبب في الجفاء الذي يظلل العلاقة بينهما وتتمثل في الانشغال بمسؤوليات الأبناء، أو الملل الذي تولده فترة العشرة الطويلة خاصة في الزيجات التي مرت عليها سنوات طويلة .

وتضيف: والحقيقة أن هذا النوع من الانفصال يوجد في كثير من الزيجات القديمة التي لجأت فيها الزوجات إلى الصمت، واعتبرن زيجاتهن قدراً محتوماً لا مفر منه، وارتضين لأنفسهن العيش في الجفاء الذي يظلل علاقتهن مع أزواجهن، بينما من الضروري حفاظاً على الزيجات الحديثة أن يلجأ طرفا العلاقة فور حدوث أية مشكلة بينهما إلى الاستشاريين الأسريين لحلها حتى لا تستفحل وتتضخم ويصبح من الصعوبة بمكان حلها، وعلى الزوجات كسر حاجز الخجل من الإفصاح عما يعانينه مع الأزواج، مع هؤلاء الاستشاريين، وهناك أيضاً الخط الهاتفي الخاص بوزارة الشؤون الاجتماعية لتلقي الاتصالات المتعلقة بذلك، وكذا الخطوط الهاتفية للجمعيات النسائية .

مرض العصر

من ناحيته قال خليفة المحرزي المستشار الأسري في محاكم دبي ومعد الدراسة: يعد الطلاق العاطفي بين الأزواج إحدى الظواهر الفتاكة في المجتمع، ومرض العصر الخطير الذي انتشر في معظم البيوت العربية خلال العقد الأخير، ويعتبر من المشكلات النفسية والاجتماعية التي تتزايد بشكل واضح في كل المجتمعات العربية، ويعرف الطلاق العاطفي بأنه نقص حاد في شبكة العلاقات الاجتماعية والإنسانية بين الأفراد، ما يؤدي إلى فقر في التواصل الاجتماعي والإنساني، حيث يعاني معظم الأسر في مجتمعاتنا من الجفاف العاطفي بين أفراد الأسرة رغم استقرارها الظاهري، ويتضح هذا الفيروس العاطفي بمؤشر بارز وهو وفاة المشاعر العاطفية بين الزوجين، ووجود أفراد في البيوت كالغرباء .

وأضاف: وتتجلى ظاهرة الطلاق العاطفي في عدة مؤشرات من أهمها البعد عن الآخر بكلمات تثير العاطفة وعدم تداولها بشكل مستمر، والشعور بالملل نتيجة الروتين اليومي، ونمو مشاعر الإحباط وعدم الرضا التي يشعر بها كل طرف وإيجاد بديل عاطفي آخر وانشغال كل فرد من أفراد الأسرة بأموره الشخصية، وضعف التواصل الاجتماعي والعاطفي بين أفراد الأسرة، وعدم وجود أهداف مشتركة، كذلك لا يوجد زوجان إلا ولديهما معاناة من هذا المرض المستشري، وهناك الجفاف العاطفي الخفيف، وهو افتقار الفرد إلى جانب من جوانب العلاقات الاجتماعية بدرجة بسيطة أو متوسطة ينتهي بمبادرة بسيطة من الشريك، أما الأشد فهو الجفاف العاطفي الحاد، ويعني افتقار الفرد الشديد للعلاقات الاجتماعية والتواصل الاجتماعي الإيجابي مع وبين الآخرين، وهذه النوعية يجب تحويلها إلى العناية المركزة من المستشارين الأسريين لإنقاذ ما يمكن تداركه، وهناك حالات زوجية انتهت فيها تقريباً المشاعر العاطفية بشكل نهائي .

وعن السبب في استفحال هذه الظاهرة قال: من الأسباب الانشغال بالأمور العملية، كالزوجة التي تنشغل بأبنائها أو زياراتها لأهلها ورفيقاتها، والزوج بعمله وأصحابه، فضلاً عن غياب الثقافة الزوجية حيث يعاني الكثير من الأزواج الأمية الأسرية، إلى جانب عدم وجود دورات تربوية، وغياب الهدف من الزواج أو عدم وضوحه وأيضاً عدم تحمل أحد الزوجين المسؤولية، وعدم الاهتمام بالطرف الآخر وتجاهل مشاعره، والجهل في الاهتمام بتربية الأبناء وغياب الثقافة الجنسية وتراكم المشكلات الزوجية من دون حل حتى يشعر الطرفان بثقلها وبروزها في حياتهما إلى جانب العلاقات العاطفية المتعددة التي تلعب الدور الرئيس في توقف المشاعر بين الطرفين .

وطرح المحرزي مجموعة من الحلول منها عدم الاستسلام لمشاعر الجفاف السلبية داخل المنزل، والإصرار على محاربتها والتخلص منها بجميع الوسائل الممكنة لكسرحاجز الصمت الموجود بين الزوجين، والتخلص من أية مشاعر سلبية داخلية تتراكم نتيجة تكرار الممارسة الجافة عبر التفريغ العاطفي والحوار والتحدث مع الزوج، وإدراك دور المشاعر في تعزيز العلاقات الزوجية والحياة الأسرية المستقرة الهانئة والحرص على استخدام العبارات الإيجابية وكلمات الثناء بشكل دائم، والتعرف بشكل مستفيض إلى طبيعة الزوج ومعرفة كافة الجوانب النفسية والتغيرات السايكولوجية، وعدم تجاهل البيئة التي ترعرع فيها الشريك، حيث من الأزواج من نشأ في بيئة جافة لم يتعود فيها على التعبير عما في داخله من مشاعر، خاصة لزوجته، في حين قد يأتي الجفاف العاطفي أحياناً نتيجة لظروف خارجية خارج بيت الزوجية كمشاكل عملية أو مادية وهذه تؤثر في الرجل كثيراً وأيضاً مشاكل داخلية في البيت وهذا يعتمد على الزوجة وكيفيه تعاملها مع زوجها سلباً او إيجابياً .

ونصح الزوجين بإيجاد نقاط أو محطات مشتركة بينهما، ومحاولة إنشاء طريقة جديدة تتناغم بينها المشاعر والأحاسيس والاهتمامات، وتجنب التركيز على سيئات الشريك فقط، بل تذكّر المواقف السابقة الجميلة أو العاطفية وتكرارها، والحذر من معاملة الزوج بالمثل حين توقفه العاطفي أو توجيه الانتقاد بشكل مباشر، وعلى الزوجين مراجعة الآلية التي تسير من خلالها العلاقة الزوجية بينهما وعلى رأسها طريقة التعامل التي يعامل كل منهما الآخر بها حيث يعاني الكثير من الأزواج من سوء أسلوب وطريقة الزوجة في التعامل .

وانتهى المحرزي إلى المطالبة بتخصيص دوائر خاصة للزوجين يمارسا من خلالها كل أنواع التقارب العاطفي والسلوكي بعيداً عن الدائرة الرئيسية التي تضم الأبناء .

تحايل على التشريع

أما المحامي يوسف الشريف رئيس لجنة الشؤون التشريعية والقانونية والطعون والشكاوى في المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة فيقول: الطلاق سنّة في حياة الإنسان تدور عليه أحكامه من وجوب وندب وكراهة وتحريم، ولكن ونحن في خضم الحياة المتقلبة نرى أوجهاً جديدة للطلاق، احتال بها الزوجان على التشريع المباح لأهداف في نفسيهما، منها رغبتهما في المحافظة على ظاهر الأسرة التي تضم أبناء، أو تجنباً للفضيحة حال الطلاق، أو للمرور بفترة اختبار يختبر كل منهما فيها الآخر، وعبارة الطلاق العاطفي يمكن تقريبها إلى مصطلح شرعي وهو الهجر، الذي يعتبر أحد أوجه وصور التأديب الأقرب إلى العقوبات المقررة شرعاً والممنوحة من الله عز وجل للزوج كحق لاستخدامه مع زوجته في سبيل تهذيب السلوك وتقويمه وتعديله لا كسره وتخريبه وتهديمه، فكم منا يدرك المعنى السليم للهجر الشرعي؟ فقد ذكر العلماء الأجلاء أن الهجر يكون في المضجع، وأن الهجر يكون في الفراش وليكن التركيز على حرف في هنا وليس الهجر للمضجع أو للفراش بخلاف مايفهمه ويطبقه الكثير من الأزواج وتساعدهم عليه الزوجات الكريمات، فالهجر حتى يتحقق الغرض منه وينشأ أثره لابد أن يكون بمسوغ مشروع وبطريقة واحدة مشروعة بمعنى أن يكون الهجر بغرض التأديب ليتحقق من خلاله مفهوم اللبيب بالإشارة يفهم لا أن يمارس العناد والجفاء .

وأضاف: لا يهجر الرجل زوجته في فراشها لأتفه الأسباب وأبسط المبررات بدعوى التأديب والتربية، فلو اعتاد الرجل على ممارسة هذا الحق من دون مبرر قوي يدعمه لاعتادت الزوجة هذا الفراق، بل قد تعامل الزوج به كعقوبة لكي لا يخالف أمرها في وقت من الأوقات، ومن ثم تنعكس الآية القرآنية التي أراد المشرع تحقيقها لينقلب السحر على الساحر، ويفقد الرجل إحدى وسائل الإصلاح لديه، وعليه فلابد أن يكون الهجر في أضيق الحدود المستوجبة للفعل الذي أتت به الزوجة من نشوز، ولابد أن تتحقق في العقوبة وسيلتها حتى تكون رادعة مؤلمة ومؤثرة فيمن طبقت ونفذت بحقه، والشائع لدى الكثير من الرجال أن الهجر الشرعي هو أن يقوم الرجل بمفارقة زوجته والخروج من بيته إيذاء لها، وفي أحسن الأحوال يبيت الزوج خارج غرفة نومه ويترك سريره للزوجة التي تستمرئ ذلك مع الوقت، الأمر الذي قد يجر البعض منهن للانحراف شيئاً فشيئاً .

ويواصل: لابد أن يعلم الزوج أن الهجر إنما يكون في الفراش بمعنى أن ينام في فراشه مستدبراً وجه الزوجة في فراشها ذاته على السرير، ذلك يكون لها تسلية ومتنفساً ولا أن يترك لها المجال للإخلاد دونه إلى استطعام راحة من غيره فكما يقال بالعامية كثر الدق يفك اللحام فكثر الهجر يقسي القلب ويجمد الجوارح والجنان ويجفف الدمع وينضبه، ويزيد الأدواء داء دون أن يوجد له دواء، فالمرأة ذات حس مرهف رقيق، وقد أوصى بها الرسول الكريم الأكرم صلى الله عليه وسلم في قوله رفقاً بالقوارير . فإذا كانت حياتها مع زوجها قاسية وجدتها كالصخرة الصلدة التي لا حراك لها أو حس، ولابد أن يكون التأديب أسلوباً استثنائياً وإن كان أصلاً تشريعياً أي أنه يستخدم في أضيق الحدود والأطر، بحيث لا تعتاده أيضاً المرأة لأتفه الأسباب لتقديم التنازلات من جانبها فكما يقال للرجل كرامة يرعاها فإن كرامة زوجته وأهلها من كرامته التي يجب عليه أن يفخر ويتباهى بها ويسمو بمعناها، ومن ثم فالطلاق العاطفي المزعوم يعتبرأكذوبة شأنها إيغار الصدور بالمشاحنات والفتن حتى تصل الأمور إلى طريق مغلق، وعندها لا مناص من الافتراق الحقيقي من بعده .

شرخ في العلاقة الأسرية

كشفت دراسة ميدانية حديثة أجريت على مجموعة من الأزواج منهم 80 زوجة و66 زوجاً، تمتد فترة الزواج بينهم من 3 إلى 6 سنوات وتتراوح أعمارهم مابين 24 و35 عاماً أن 88% منهم يعانون شرخاً كبيراً في العلاقة العاطفية بينهم بعد مضي أشهرقليلة من الزواج، فيما أقرت نسبة 69 % منهم بمرور العلاقة الزوجية بينهم بمرحلة جمود، وفي المقابل أكدت نسبة 77% منهم بالشعور بالروتين والملل العاطفي .

أغراب في بيتنا

قالت بحسرة: الشيء الوحيد الذي يجمعني مع زوجي هو السقف الواحد الذي نعيش تحته، وما عدا ذلك فلا علاقة على الإطلاق من أي نوع بيننا، فإذا أردت إخباره بشيء أو طلب شيء يكون ذلك من خلال طفلي الذي أصبح وسيطاً بيني وبين أبيه داخل بيتنا الواحد، والحقيقة أن السبب في هذا الجفاء الغريب الذي أصبح شعاراً ضمنياً لعلاقتنا الزوجية والذي لا يعلمه سوانا، مجهول لديّ، وإن كنت أعتقد أن عدم التوافق النفسي بيننا، والذي قضى على علاقتنا بأكملها يرجع إلى اليوم الأول لزواجنا حينما شعرت بإحباطه غير المبرر .

هل أكون مخطئة؟

تبكي قائلة: أتعذب ليلاً ونهاراً لابتعاد زوجي عني، أفتقده بشدة وهو أمامي يتجاهلني تماماً بلاسبب سوى أنني لم أتفق معه في بعض أمور حياتنا، ورغم أننا تزوجنا عن عاطفة لكنها ضاعت أدراج رياح اختلاف الآراء بيننا، أصبحت أبحث عنه فأجده الحاضر الغائب، الموجود بلا وجود حقيقي، ولا تفاعل من الأساس، هل أكون مخطئة وأنا اليوم أفكر جدياً في طلب الطلاق حفاظاً على ما تبقى لي من كرامة، أهدر معظمها بتجاهله لي وإهمالي وعدم تلبية حاجاتي النفسية والعاطفية؟