بدأ سائد بشير هوّاري مشواره في مجال الإخراج قبل تسع سنوات من خلال مسلسل أمواج الحلم والانتظار تلاه بقايا رماد ثم الطوفان وقادته تجربته الخليجية الأولى الغروب الأخير إلى شروق وخذ وخل وعمل حمل عنوان أسوار فتح عليه تهم الجرأة والصدمة والتمادي التي لاحقته في عمشة بنت عمّاش وأخوات موسى حيث أوقفت جهات رقابية استمرار عرضه .

ورغم تحقيق هوّاري نجاحاً معقولاً في محطته البدوية الرحيل لم يكررها وآثر خوض مرحلة مختلفة في توليه أطول سلسلة عربية قوامها 200 حلقة تحت مسمى أيام السراب، وفي خطوة مغايرة ينجز حالياً تصوير عمل بوليسي اجتماعي معاصر وسط غياب هذه النوعية أردنياً وثبوت فشل محاولات ضمن إطارها مؤخراً، فماذا يدور في خلد صاحب الأسلوب السينمائي في حركة الكاميرا وشكل الصورة واللقطات السريعة؟

توجهنا مباشرة إلى الفنان سائد هواري خلال استراحة من تنفيذه جديدة الحبيب الأوّلي المزمع بثه في شهر رمضان المقبل وكان معه هذا الحوار الخاص:

* لماذا قررت إخراج الحبيب الأوّلي؟

- أبي بشير هوّاري، رحمه الله، كان كاتباً وسيناريست معروفاً ولذلك تربيت على آلية صناعة النصوص وأصبحت أدرك من خلال خبرات بسيطة تتراكم جدوى طرح بعض القضايا موضوعياً وكيفية إيجاد حلول في تنفيذها فنياً، وفي هذا العمل توقفت عند تناوله قضايا مهمة بأسلوب منبثق من روح الشباب للمؤلف وائل نجم، حيث استطاع وضع يده على جوانب نعيشها آنياً من واقع مطالعته، وأنا أحد أبناء هذا الجيل وأنطلق من منظور يواكبه في طريقة الحوار واللبس والمظهر والتقنيات من دون إغفال ما كسبناه من عادات وتقاليد، كما يعنيني تقديم دراما أردنية اجتماعية معاصرة شبه مفقودة لدينا وشجعتني حماسة المنتج عاطف العقرباوي ودعمه على خوض التجربة .

* ما أهم القضايا التي يطرحها العمل؟

- يرتكز العمل في قصته الرئيسية على أسرة مكونة من ستة أفراد، لكل واحد منهم خط معين بين الدراسة الجامعية والعلاقة العاطفية وممارسة مهنة المحاماة والسفر إلى الخارج والبحث عن أحلام ضائعة وغيرها من يوميات تستعرض أيضاً مخاطر المخدرات ومساوئ اللجوء إلى السحر والشعوذة .

* هل تثق بإمكانية نجاح الصبغة البوليسية في الدراما الأردنية؟

- الصبغة البوليسية حاضرة ضمن أحد الخطوط من خلال الأخت الكبرى التي تغادر للدراسة في الخارج ويقودها الانسياق وراء رغبات ضالة إلى التورط مع شبكة تتاجر في المخدرات وسعياً للتخلص من خطيئتها تتعاون مع الأجهزة الأمنية في وطنها من أجل الإيقاع بالعصابة، وربما يبدو السياق غريباً وغير معتاد على الدراما الأردنية، لكن يجب ولوج نواح غير روتينية وأثق على الأقل بأن للقالب الاجتماعي المعاصر صدى لدى الجمهور .

* لكن حتى السياق الاجتماعي المعاصر غائب غالباً وأخفق في محاولات أخيرة . . ألا تخشى الفشل؟

- هي في النهاية تجربة تحتمل نجاحاً هائلاً أو متوسطاً أو حتى الفشل، لكن المحاولة مطلوبة خصوصاً مع توفير ظروف إنتاجية وموضوعية وفنية وأدائية ومؤشرات توحي بأنها ستحظى بتفاعل المشاهدين .

* وعلى ماذا تعوّل في استقطاب المشاهدين؟

- نحن في الفن الأردني واجهنا أزمة مقاطعة ماضية أدت إلى جمود الحركة وتجميد الأفكار والروح وجيل كامل حمل رؤى لم يستطع تنفيذها، لأنه لم يجد الفرص وأنا انطلقت من حيث انتهى الآخرون في الدراما العربية بدءاً من الشكل والمضمون وليس من نقطة الصفر ولذلك أعوّل على اللقطات القصيرة والسريعة المنفذة بأسلوب سينمائي حديث وتشويق الأحداث وظهور نجوم في إطلالات مختلفة تماماً مثل صبا مبارك في دور مدمنة تتاجر بالمخدرات، فضلاً عن تقديم سبعة وجوه صاعدة للمرة الأولى كما يتضمن المسلسل طابعاً رومانسياً جميلاً واسمه يدل على فحواه لكن الحبيب لا يقتصر على نطاق عاطفي فقط وينسحب على الأب والجد والذكريات القديمة والوطن .

* ما دواعي إنجاز جزء من التصوير في النمسا؟

- الحكاية فرضت وجود شابة تسافر للدراسة في الغرب بغض النظر عن المكان ونحن تلقينا عدة عروض وجدنا أفضلها في النمسا والتصوير في دولة أوروبية أو عربية، بعيداً عن التقييد ضمن حدود المنطقة الرئيسية يمنح دعماً قوياً للعمل طالما خدم الأحداث بلا إقحام مفتعل ولمست ذلك جلياً عقب عرض المسلسل الخليجي أسوار حيث حصد ردود فعل إيجابية على إنجاز جزء منه في الخارج بما دعم القصة ولا أنسى وقتها وقوف جهة إنتاجه الصدف وعلى رأسها الفنان حسن عسيري معي ومساعدتي في الاطلاع على ثقافة أخرى واكتساب علاقات متنوعة .

* بمناسبة حديثك عن أسوار كيف وجدت ردود الأفعال عليه؟

- ردود الفعل متفاوتة بين تأييد وجوب طرق حقائق موجودة في المجتمع أو اعتباره فاق التوقعات في صراحته .

* لكنه حمل جوانب وصفت بأنها صادمة ومتمادية ضمن المجتمع الخليجي فما قولك؟

- بصراحة العمل كان صادماً فعلاً حتى بالنسبة لي، حيث تناول الشرف وحساسية العلاقات العاطفية وتناقض تصرفات الأخ المتزمت مع شقيقاته إلى حد محاولته قتلهن ودفنهن أحياء بمجرد شكوك تساوره حول سلوكهن، فيما يمارس ما يحلو له مع رفاقه لكننا لم نتماد أبداً في طريقة العرض فنياً وفي كل مجتمع هناك قصص تبدو خفية وراء الأسوار وهدف الفن إيصال رسائل تنبيه أحياناً وحين نظهر السلبيات نقصد التوعية، وربما لم يكن هذا معتاداً وقتها وتعالت أصوات الرافضين وروجوا أنني أتعمد الجرأة المبالغ فيها من دون قراءة شفافة للأمور .

* هل فتح العمل لك الباب أمام أعمال طرحت موضوعات مشابهة؟

- ساهم في ذلك بشكل كبير وبعدما واجهنا الهجوم المتدفق قل تدريجياً مع غيرنا شيئاً فشيئاً .

* لماذا غبت عن جزئه الثالث؟ وكيف وجدته؟

- شعرت بأنني استنفدت كل شيء في الجزأين الأول والثاني واعتذرت عن عدم المواصلة، حيث علمت أنهم سيستمرون حتى الجزء الخامس أما الثالث كان جميلاً لكنه انتهج طرحاً تراجع عن سياق جرأة القضايا وانحاز إلى الحب وعموميات أخرى .

* طالت عمشة بنت عمّاش تحفظات حول إظهار المرأة متخفية في زي رجل فما تعليقك؟

- أيضاً ألصقوا الجرأة بي في هذا العمل لأن الفتاة ارتدت ال دشداشة وال شماغ وتنقلت متخفية في زي رجل وفي الكوميديا الخيال جائز وليس بالضرورة تجسيد واقع حقيقي .

* كيف تلقيت قرار وقف عرض أخوات موسى؟

- المسلسل ثالوث الجرأة حسب ما وصفوه وعرفت أنهم أوقفوا عرضه على إحدى القنوات بعد تحفظات رأت جهات رقابية أنها صادمة رغم أنني قدمته من ميدان معايشتي في منطقة الخليج فترة ومطالعتي تفاصيل عديدة عبر شبكة الإنترنت .

* هل تتمنى أن يرى النور قريباً؟

- أتمنى عدم عرضه اليوم لأن ما تحدثنا عنه تناولته مسلسلات أنجزت بعدنا وعرضت قبلنا مثل التطرق إلى ممارسات اجتماعية مرفوضة .

* هل تعتبر الجرأة ميزة أم تهمة؟

- للأسف الشديد الجرأة أصبحت تهمة تلاحقني وأحاول التخلص، لكنها في الأساس ميزة طالما أتت في سياق مهني وموضوعي غير خادش وأنا مخرج باحث أطرح ولا أفضح ولكن أسلط الضوء على مواطن المشكلة وأرى أن بين الجرأة في صيغتها الحميدة والمتوازنة من جهة والوقاحة من جهة أخرى شعرة أعرف كيف أحافظ عليها، وتوجد أعمال قطعتها بمراحل وأعلنت الابتذال .

* لماذا لم تكرر التجربة البدوية عقب الرحيل؟

- تلقيت خمسة عروض بعد المسلسل اعتذرت عنها وقررت الابتعاد مؤقتاً عن الأعمال البدوية لأنها أصبحت تستغل نجاحات سابقة في صيغة تجارية جعلتها تسقط في أخطاء عديدة ولا أريد أن ينسب لي جزء من فشلها، وأنا أعجب مثلاً من تنفيذها بطريقة المشاهد التاريخية حيث لا أجد مبرراً لمرور 200 كومبارس أمام خيمة وجيه القبيلة ولا ظهور الفارسة بكامل تبرجها ووضع ميك آب صارخ على وجهها .

* ما جدوى تقديم أيام السراب في 200 حلقة؟

- تجربة جديدة في الدراما العربية حلقاتها منفصلة متصلة حول أسرة سعودية تعيش مفارقات اجتماعية ويحسب للعمل تصويره بالكامل في مدينة الرياض ونالت 100 حلقة عرضت تجاوباً كبيراً رغم بثها في وقت مقتول على شاشة إم بي سي لكن هذا الصدى غير متوقع مع استمرارها بالتزامن مع مباريات كأس العالم .

* هل حاولتم الرد على المسلسلات التركية والمدبلجة عموماً؟

- هذا كان ضمن الخطة المتبعة وأردنا محاولة توظيف إمكاناتنا الجمالية والفنية في هذا الاتجاه .

* هل ثمة توجه إلى سلسلة جديدة لاحقاً؟

- التجربة كانت مرهقة للغاية واستنزفت جهداً ووقتاً ومالاً بحيث يصعب تكرارها خارج إطار 90 حلقة بحد أقصى .

* ما سر انتهاجك الأسلوب السينمائي منذ بداياتك؟

- أحاول إيجاد أسلوب يخصني والمحافظة على إيقاع تماسك المشهد بحيث يمضي على المشاهدين سريعاً وأنطلق من حلم رافقني منذ البداية أقترب أخيراً من تحقيقه .

* هل تقصد توليك أول تجربة لإخراج فيلم؟

- هذا صحيح حيث أتفرّغ العام المقبل لإنجاز فيلم كنت كتبته قبل ست سنوات عنوانه باسبورت خلاصته معاناة غريب لا يملك جواز سفر في مقر نشأته متضمناً قصص حب وحرب وأكشن وأسهم مؤلف نمساوي في إضافة بعض رتوش الأحداث المرتكز تجسيدها على ممثلين أجانب ونجم عربي لم نحدده حتى الآن والتقيت مؤخراً مع القائمين على شركة إنتاج العمل السينمائي الشهير المحارب بقيادة برانس الذي تحمس لفكرتي، وحددوا ميزانية التنفيذ بما يناهز 20 مليون يورو تصنف في الخارج ضمن أفلام الهواة وأعتزم المغادرة لاحقاً للاطلاع على جوانب إخراجية متطورة وآلية عملية المونتاج الدقيقة وفق مقاييس عالمية .

* ماذا تحضّر على صعيد الدراما التلفزيونية بعد شهر رمضان؟

- أنتظر عرض الحبيب الأوّلي في شهر رمضان أما بعده فثمة اتفاق مبدئي مع تلفزيون أبوظبي على إنجاز مسلسل قبل نهاية العام الحالي يستند إلى قصص خمس عائلات وافدة تعيش في الإمارات وتتشابك خطوطها الدرامية وأنا رحبت بالفكرة .