تذهب نظرية الانفجار الأعظم في صيغتها المبسطة إلى نشأة الكون قبل 6 .13 مليار سنة عن حالة كونية فريدة وصلت فيها درجة الحرارة والكثافة إلى أقصاها .
وفيما كان الكون يتمدد، تناقصت درجة حرارته تدريجياً حتى وصلت إلى 7 .2 درجة كلفن (1 كلفن = 1 درجة مئوية + 273)
وتدل الأرقام التي حصل عليها الفلكيون على أن الكون استأنف تمدده مرة ثانية منذ خمسة مليارات سنة لسبب لم يفلح العلماء في تفسيره . وتشير أصابع الاتهام إلى الطاقة المظلمة التي تتخلل الفضاء، وتدفع بالمجرات دفعاً، ولم يتمكن العلماء حتى الآن من رؤية هذا الكيان الغامض أو التعرف إليه في المعامل العلمية .
وهذه الطاقة المظلمة لا تتفاعل مع الضوء أو المادة على الأرض أو في أي مكان آخر .
وهناك بعض المتناقضات في الملاحظات التي يسجلها العلماء في أبحاثهم في الفيزياء الفلكية، وإذا نظرنا إلى تلك الملاحظات نظرة منفردة فلن تكون ذات أهمية، أما إذا كانت النظرة من منظور أشمل فسوف تأخذنا تلك النظرة إلى حقيقة مذهلة، تقول إن الكون سادته قوة خامسة، إضافة إلى القوى الأربع الأخرى وهي الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والقوى النووية الضعيفة والقوى النووية القوية . والشيء المثير في هذه القوة الخامسة هو تغير نطاقها ومجالها حسب بيئتها مثل الحرباء . وقد تفسر هذه القوة ماهية الطاقة المظلمة الغامضة .
كان أول ظهور لفكرة القوة الخامسة عام ،2004 على يد العالمين جوستين خوري وأماندا ويلتمان من جامعة كولومبيا بنيويورك، وكانا ضمن فريق يقوده العالم بريان جرين، صاحب نظرية السلسلة، التي توحد بين الجاذبية والقوى الكونية الثلاث الأخرى تحت مظلة ميكانيكا الكم .
وللنظرية 11 بعداً، 7 منها تفترض أن هذه القوة تكورت وانكمش حجمها لدرجة عدم التمكن من رؤيتها، وأدت الاضطرابات التي حدثت في هذا الكيان المتكور إلى إكسابنا شعوراً ما بأنها قوى خارقة مقارنة بالقوى الفضائية والزمنية التي نراها .
ولكي تتضح الصورة أكثر، لابد أن تكون الآثار الناتجة عن الأبعاد المرئية متفقة مع ملاحظاتنا عن الكون، وافترض جوستين خوري وأماندا ويلتمان وجود طريقة وحيدة لحدوث ذلك، وهي انتقال قوة هائلة عبر جزيئات اعتمدت كتلتها على كثافة المادة المحيطة، وذلك يفسر عدم وضوح آثارها على كوكب الأرض .
وفي ميكانيكا الكم، يعتمد نطاق تأثير القوى بشكل كبير على كتلة الجزيئات التي ينتجها مجال القوة المترابطة، وكلما خف وزن هذه الجزيئات اتسع نطاق هذه القدرة، فالمجالات المغناطيسية مثلاً تنتج بروتونات عديمة الكتلة، لذا فإن نطاق قوتها الكهرومغناطيسية لانهائي، فالجزيئات التي تنقل القوة النووية الضعيفة ثقيلة للغاية ولا تنتقل إلى مسافات متباعدة فتحصر هذه القوة داخل نطاق النواة الذرية الدقيقة . وبتلك القوة النووية الهائلة تتعقد الأمور قليلاً، فالجزيئات الافتراضية المترابطة التي تسمى جلونز عديمة الكتلة ولكن لديها القدرة على أن تتفاعل مع بعضها بعضاً لتمنع انتشار أثر القوة في مسافات أبعد .
وكانت نقطة انطلاق خوري وويلتمان من مبدأ أن متوسط كثافة المادة على كوكب الأرض يبلغ 5 .0 غرام في السنتيمتر المكعب، وهو رقم مرتفع جداً بالمفهوم الكوني .
وتحت هذه الظروف افترض العالمان أن الجزيء الذي ينقل هذه القوة المتقلبة أخف ملايين المرات من الإلكترون، ولا يزيد نطاق القوة نفسها على ملليمتر واحد، وهو حجم دقيق لا يمكن معه الكشف عن تأثير تلك القوة حتى داخل المعامل .
أما في الفضاء الكوني الفسيح، حيث يحتوي السنتيمتر المكعب على جزء دقيق جداً من المادة، فإن كتلة الجزيء المتقلب الكتلة تنهار بفعل 22 نظاماً من أنظمة المغناطيسية، منتجاً قوة هائلة يمكنها أن تحدث آثاراً كبيرة عبر ملايين السنوات الضوئية، أما الكتلة المفقودة فيلتقطها المجال المتقلب في شكل طاقة .
وتقول ويلتمان بالرغم من أن الهدف الأساسي من محاولاتنا وتجاربنا لم يكن محاولة إيجاد تفسير لكيفية عمل الطاقة المظلمة، فإن فكرة مسؤولية القوة المتقلبة عما يحدث بكوننا كانت دائمة عالقة بأذهاننا، فنعلم أنها تنتج ضغطاً سالباً ينتج بدوره تأثيراً معاكساً للجاذبية، ولاعتمادها على الكثافة، فإن القوة المتقلبة ظهرت منذ خمسة مليارات سنة عندما انخفضت كثافة الأكوان المتمددة إلى درجات خطرة، فباعدت بين المجرات بسرعات متزايدة ما نتج عنه تولد تمدد مسرع نلاحظه في الأكوان الواسعة بينما يظل مختفيا على كوكب الأرض .
وستظل فكرة القوة المتقلبة مجرد نظرية أخرى لتفسير الطاقة المظلمة ما لم يكن هناك دليل علمي قاطع يدلل على وجودها .
ويقول خوري ما نعرفه عن الفيزياء الأساسية للطاقة المظلمة قليل للغاية، فمن وجهة نظري أننا يجب أن نترك القرار للملاحظات والتجارب .
وحسب ما يرى خوري وويلتمان فإن جزيئات القوة المتقلبة تتفاعل مع الضوء والمادة بطرائق معينة، لذا فمن السهل اكتشافها .
وكبداية فإن الفوتون يمكنه بوجوده في مجال مغناطيسي قوي أن يتفتت متحولاً إلى جزيء متقلب يمكنه بدوره العودة مرة أخرى إلى فوتون، وهذا التقلب بين الجزيئات يمكنه أن يستغل في تطوير القوة الكهرومغناطيسية، التي تعرف باسم ألفا .
وأثبت العالم الروسي سيرجي ليفشاكوف من معهد ايوفي الفيزيائي التقني في سانت بيتسبرج بروسيا وعدد آخر من العلماء أن أي تغيير داخل نطاق مجرتنا أقل من جزأين في عشرة مليون .
وفي عام ،1999 استخدم فريق أسترالي تليسكوب كيك في هاواي لقياس الضوء المنبعث من النجوم التي تبعد ما بين 5 إلى 5 .9 مليون سنة ضوئية، وتوصلوا إلى أن طاقة ألفا كانت أقل بنسبة 11 جزءاً في المليون، وفي يونيو/ حزيران من العام نفسه، اكتشف العالم الهندي نيسيم كينيكار في المركز القومي للفيزياء الفضائية في بيون بالهند، مجموعة من المتناقضات في الطيف الضوئي الناتج عن سحابة الغاز الجزيئي على بعد 2،9 مليار سنة ضوئية ما يدلل على أن طاقة ألفا كانت أقل بنسبة 3 أجزاء للمليون .
وإذا مرت الفوتونات المسافرة لمسافات بعيدة باتجاهنا بمناطق فضائية ذات مجالات مغناطيسية قوية وكثافات منخفضة فسوف تتفتت متحولة إلى جزيئات متقلبة .
وربما لا تكون ألفا الوحيدة التي تأثرت بالقوة المتقلبة، ففي إبريل/ نيسان من العام نفسه، حدد العالم الروسي ليفشاكوف ورفاقه كتلة الإلكترون نسبة إلى البروتون في ذرات الأمونيا في سحب الغاز الجزيئي داخل مجرتنا الشمسية، ووجد العلماء أن الإلكترون أثقل نسبياً من وزنه على الأرض بمعدل جزأين في المئة مليون .
ولأن الجزيء المتقلب الكتلة يغير كتلته حسب بيئته، فمن المعقول القول إنه يسحب الإلكترون بكميات مختلفة تجاه البروتون .
ويقول العلماء إن هناك وسائل أخرى يمكن اتباعها للكشف عن القوة المتقلبة، فإذا كانت للفوتون القدرة على التحول إلى جزيء متقلب الكتلة، ثم العودة إلى طبيعته مرة ثانية، فسوف يترك ذلك علامة واضحة في قطبية الضوء الذي انتقل لمسافات شاسعة في مناطق كانت القوة المتقلبة فيها شديدة .
ونجح الألمانيان شاو وكلير بوراج في التقاط إشارة شبيهة بذلك في عام ،2009 وأثبتا أن جزءاً من الضوء الذي يصل إلينا من النجوم الموجودة داخل مناطق أخرى من مجرتنا يتم استقطابه ليس فقط بنسبة 2 في المئة، التي يمكن تفسيرها بالغبار النجمي، ولكن أيضاً بنسبة إضافية أخرى صغيرة .
وللنتائج التي حصل عليها العلماء من دراسة ثلاثة من النجوم أهمية كبرى من الناحية الإحصائية، ويعكفون حالياً على تكرار المنهج التحليلي لعدد أكبر من النجوم يشمل نجوماً تبعد 200 ألف سنة ضوئية، بما يضمن عدم وجود الوقت الكافي للتحول مابين الفوتونات والجزيئات المتقلبة أثناء رحلة الضوء إلى الأرض .
وتعتقد بوراج أن التحول الفوتوني الجزيئي يمكن أن يفسر ذلك التناقض الذي اكتشفه مارتن كونز من جامعة جينيف بسويسرا، وبروس باسيت من جامعة كيب تاون في جنوب إفريقيا في 2003 .
ويبلغ عمر الكون كما قال العلماء، 13،6 مليار سنة وجاء هذا الرقم نتيجة لقياسات دقيقة للموجات الكونية القصيرة ولبقايا الإشعاع الناتج عن الانفجار الأعظم .
وأدت بعض القياسات الأخرى إلى تباين في الأرقام فظهر رقم 13،1 مليار سنة، والرقم 14،3 مليار سنة، وقد يكون سبب هذا التناقض من قبيل الحظ العاثر فقط . وتفترض بوراج أن النجوم المتفجرة (سوبر نوفا) يمكن أن تبدو أكثر ضياء ولمعاناً لو أن الجزيئات المتقلبة التي نتجت عن وجودها في بيئات عالية المغناطيسية تحولت إلى فوتونات أثناء رحلتها إلى الأرض، وربما يعني هذا أن تلك النجوم (سوبر نوفا) أبعد عنا أكثر مما تبدو، ما يزيد بدوره من عمر الكون .
وحسب تقديرات خوري وويلتمان، فهناك دليل واضح يؤكد أن القوة المتقلبة قد تتوارى نتيجة لتغيرات الجاذبية التي تتعرض لها الجزيئات الصغيرة الكتلة في مناطق مختلفة الكثافة .
ويمكن التأكد من صحة هذه المعلومات بإجراء تجربة بسيطة في الفضاء أو على مسافة 30 كيلومتراً فوق سطح الأرض .
المسبار الميكروسكوبي الفرنسي المقرر إطلاقه في ،2012 سوف يقيس تسارع السقوط الحر لمعدات التجارب . فإذا ثبتت صحة نظرية القوة الخامسة، فسوف تثبت النظرية قدرة المسبار على رؤية هذه المعدات على مسافات قريبة من الأرض وهي تسقط بسرعة تفوق سرعة سقوطها لو كانت موجودة على سطح الأرض بفعل الجاذبية الأرضية .
ويظل الدليل القاطع على وجود هذه القوة المتقلبة متمثلاً في إدراك أثرها على كوكب الأرض، واقترح شاو وعدد من العلماء طريقة لاكتشاف وجود هذه القوة بقياس القوة التي تتولد بين رقاقتين متوازيتين أثناء ضخ الغاز بينهما . ومن الطبيعي أن تعتمد هذه القوة على الكثافة، ولكنه يمكن توقع وجود قوة أخرى في وجود كثافات أقل إذا تراجعت القوة المتقلبة .
كما أنه هناك طريقة أخرى للكشف عن هذه القوة الكامنة، وذلك باستخدام تجربة جام في التي أجريت في معامل فيرمي في ولاية إلينوي، والمتمثلة في تمرير شعاع من الليزر لمدة خمس ساعات حول تجويف ذي نوافذ زجاجية، ثم إبعاد هذا الشعاع . فإذا كانت النظرية صحيحة، فسوف تتحول بعض الفوتونات إلى جزيئات متقلبة ترتد عبر النوافذ بدلاً من المرور منها، وسوف يتحول بعضها مرة أخرى إلى فوتونات تؤدي إلى تولد شيء ما يشبه الشفق .