شعرت الأم بأعراض الولادة قبيل الموعد الذي حددته لها طبيبتها بشهر، توجهت على الفور إلى أحد المستشفيات الحكومية المعروفة والكائن في الإمارة التي تقطنها، دلفت سريعاً إلى قسم الطوارئ، وبشّرتها الطبيبة التي وقعت الكشف الطبي المبدئي عليها بأنها على وشك الولادة المبكرة في الشهر الثامن، وألحقت ما بشّرتها به بنبرة تأسّف عن عدم استطاعتها إدخالها المستشفى لعدم توفر حاضنة للوليدة التي ستكون ولادتها غير طبيعية .

خرجت الأم تجر أذيال الخيبة والألم، لتبحث عن مستشفى آخر، وتكرر الأمر في مستشفى حكومي مماثل وفي مستشفيين خاصين، إلى أن وافق مستشفى خاص ثالث على استقبالها، وبسرعة أدخلت إلى غرفة العمليات، لتضع مولودتها بعد أوجاع قاسية زادت من حدتها الرحلة التي قامت بها على المستشفيات الرافضة

لاستقبالها وهي على وشك الوضع في الشهر الثامن . والمهم، وفور خروج الوليدة للحياة ألحقت بالحاضنة في المستشفى، وخضعت الأم لرعاية مكثفة، وعقب أسبوع من ذلك، سمح لها المستشفى بالخروج على أن تسدد تكاليف الولادة وحاضنة الطفلة، وعلى باب الحسابات طلب منها المسؤول 34 ألف درهم، ولا تعليق .

هذه قصة حقيقية، ليس للتهويل أو الخيال مكان فيها، لكنها وبصراحة تامة تروي واقعاً مريراً يواجه كثيرات ممن يكتب لهن القدر الولادة المبكرة، والمهم ليس هنا فقط، بل أيضاً في رسوم هذه العملية في المستشفيات الخاصة، التي وإن كانت صاحبة قصتنا السابقة لديها المقدرة المادية عليها، فغيرها الكثيرات اللاتي يفتقرن لذلك، وبالتالي فوليهن الله سبحانه وتعالى ونعم النصير .

34 ألف درهم تكلفة ولادة سيدة قبل الموعد الطبيعي

القصة أيضاً تدعو للحزن الممزوج بالدهشة المريرة، إذ كيف لا يتوفر في كثير من المستشفيات الحكومية عدد كاف من حاضنات الأطفال الخدج؟ وكيف يرفض أي من هذه المستشفيات استقبال سيدة على وشك الوضع، بما يرافق ذلك من أعراض وأوجاع يعلمها الجميع؟

وهل اطلعت هذه المنشآت الطبية الحكومية على الغيب وعلمت أن عدد الأطفال الخدج الذين سيفدون إليها لا يحتاج المزيد من الحاضنات، وبالتالي وفرت المحدود فقط منها؟ وبالطبع فهذا من باب التجاوز اللفظي بدلاً من الصراخ بصوت يشق العنان، أمام هذه الواقعة وغيرها من المماثل لها، والذي يواجه تعنت بعض المستشفيات الحكومية أمام الإنسانية الواجبة لحالات مرضية وصحية لا يمكن المزايدة في استقبالها بأي زعم كان، وإن لم يجاف الحقيقة أو يخالف الواقع .

ثم أين المعنيون بصحة البشر من استغلال المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة التي لم يعد لها سقف في رسومها وأسعارها؟

نبحث في التحقيق التالي هذه القضية، فربما يكون هناك حل، وإن كنا على قناعة تامة بأن أي مبرر لن يكون مقبولاً، إن لم تكن هناك وقفة حاسمة وسريعة .

بداية واستكمالاً لما واجه البعض في المستشفيات الحكومية من عدم توفر حاضنات للأطفال الخدج، يروي أحد الأزواج ما تعرضت له زوجته في مستشفى حكومي كبير ومعروف في إحدى الإمارات، عندما فاجأتها أعراض الوضع في أواخر شهرها السادس، فسارع بها إلى المستشفى الذي استقبلها بعد جدل طويل لعدم وجود ملف طبي لها فيه، ومن ثم وفور توليد الأم، اعتذر المستشفى عن عدم توفر حاضنات لديه لإدخال الوليد، وطالبه بالتوجه به سريعاً إلى أي من المستشفيات الحكومية أو الخاصة في الدولة، لإدخاله على الفور في أي من الحاضنات المتوفرة لديها، نظراً لسوء حالته الصحية ونقص نموه في ضوء ولادته المبكرة، وأسقط في يد الأب، إذ كيف يحمل وليداً يمكن أن يتعرض للعديد من المخاطر ويدور به على المستشفيات باحثاً عن حاضنة تقبله، ولم تفلح توسلاته للمستشفى الذي قام بتوليده في التحفظ عليه في الحاضنة التي لديه بأية صورة من الصور، وانتهى الأمر إلى حمله إياه والذهاب به إلى أحد المستشفيات الخاصة الذي قبله فوراً، فالمقابل سيكون كبيراً، حيث طلب المستشفى من الأب في نهاية الأمر سداد مبلغ خمسة عشر ألف درهم نظير بقاء الوليد في الحاضنة لمدة عشرة أيام!

واقعة أخرى يرويها زوج وضعت زوجته في أحد المستشفيات الحكومية، حيث رجته رئيسة التمريض في هذا المستشفى أن تقوم زوجته بإرضاع وليد آخر في الحاضنة نظراً لأن أمه وضعت ثلاثة توائم في مستشفى آخر في إحدى الإمارات، وتم توزيعهم على الحاضنات في مستشفيين حكوميين في إمارتين مختلفتين لعدم توفر مكان لهم في حاضنة المستشفى الذي وضعت فيه أمهم، وبالتالي فالتوائم الثلاثة كل في الحاضنة التي تم وضعه فيها بحاجة إلى رضاعة طبيعية، لذا فعلى أي من الأمهات الوالدات حديثاً التكفل بإرضاع كل منهم إلى حين جمع شملهم مع أمهم عقب استطاعتها تجاوز تداعيات الولادة!

توفير المتطلبات

وبالرجوع إلى الشيخ محمد بن صقر القاسمي مدير منطقة الشارقة الطبية قال: هناك 5 مستشفيات تتبع منطقة الشارقة الطبية تقوم الوزارة بتلبية احتياجاتها باستمرار من الكوادر الطبية ومستلزمات التشغيل وفق خططها وبرامجها الاستراتيجية، حيث يتم دراسة الوضع القائم بها ومحاولة التصدي للتحديات التي تواجه تقديم الخدمات الطبية من خلال الميزانية المقررة، وأقسام النساء والولادة في هذه المستشفيات تواجه إقبالاً متزايداً من قبل السكان وتعمل الوزارة جاهدة على توفير متطلبات قيام هذه الأقسام بواجباتها .

وأضاف: وقسم النساء في مستشفى القاسمي على سبيل المثال يضم 32 سريراً في عنبر الولادة لمتابعات قبل وبعد الولادة، وهناك 17 سريراً للولادة، وعدد حالات الولادة التي يتم التعامل معها من خلال القسم يبلغ 5000 حالة سنوياً ما يؤكد الضغط الكبير الواقع على القسم، ويتم في كثير من الأحيان تحويل بعض الحالات إلى عنبر الجراحة الخاص بقسم النساء، فيما تبلغ السعة القصوى في قسم العناية المركزة للأطفال الخدج 12 سريراً، وقد تم استحداث 6 أسرة في محاول لتغطية احتياجات هذا الجانب في ما بعد العناية المركزة sbcu، فضلاً عن ذلك فمستشفى الكويت لا يستقبل حالات ولادة حيث توجد به عيادات لأمراض النساء لفحص وتحويل الحالات التي تتطلب الحجز في المستشفى إلى مستشفى القاسمي أيضاً .

وأكمل: ومستشفى الذيد يضم 10 أسرة في قسم النساء والتوليد، وبه أيضاً 9 غرف ولادة منها 3 لحالات التوليد، و6 أسرة لمراقبة الحالات التي تم توليدها بالفعل وتحتاج إلى عناية، والمنطقة الطبية تدرس مع الوزارة إمكانية إجراء عمليات توسعة لمبنى المستشفى، وزيادة الكوادر الطبية والفنية المتخصصة لمواجهة الاحتياجات الفعلية لسكان المنطقة، أما في مستشفى كلباء العام فيبلغ عدد الأسرة المخصصة للنساء والتوليد 20 سريراً، كما توجد 6 حاضنات تعد كافية لاستيعاب الحالات التي ترد إلى المستشفى، في حين تدرس الوزارة أيضاً كيفية زيادة السعة السريرة للمستشفى بشكل عام، ولقسم النساء والتوليد خاصة .

وواصل مدير منطقة الشارقة الطبية: ومستشفى خورفكان يضم قسماً للنساء والتوليد وبه 23 سريراً لاستيعاب الحالات قبل وبعد الولادة، كما يوجد في المستشفى قسم منفصل للتوليد وبه 12 حاضنة، وهناك عدة إجراءات يتم تنفيذها لزيادة عدد الأسرة وتطوير قسم النساء والتوليد في المستشفى، منها العمل على تجهيز 3 غرف بالأسرة والأجهزة اللازمة في قسم التوليد ليصبح جناحاً مخصصاً لما قبل الولادة، كما يجري العمل على تزويد القسم بأجهزة تشخيص حديثة، ومثلها لغرف التوليد والعيادة الخاصة بالنساء، كما يجري العمل على تجهيز غرفة العمليات الموجودة بالقرب من غرف التوليد بالأجهزة والمعدات اللازمة لسرعة التدخل الجراحي إذا استدعت الحالات ذلك، تجنباً لنقل المرضى إلى قسم العمليات تفادياً للتأخير الذي قد يحدث، ويسبب مشاكل للأم والجنين، وأيضاً يجري العمل على فصل جناح النسائية عن مرضى ما بعد الولادة لمواجهة تزايد الأعداد .

أما حمد عبيد تريم مدير منطقة عجمان الطبية ومستشفى خليفة فقال: لدينا 14حاضنة في مستشفى خليفة، تكفي إلى حد كبير المواليد الذين يحتاجون إليها، ومن النادر حدوث عجز، وبشكل عام يتم التنسيق مع مستشفيات الدولة الأخرى المرتبطة بعلاقات طيبة مع مستشفى خليفة للتصرف سريعاً إذا حدث عجز ما من أي نوع، عدا ذلك فمستشفى خليفة على استعداد تام للتعامل مع حالات الولادة كافة التي تتم فيه وقد حدث أن وضعت سيدة ثلاثة توائم كان وزن الواحد منهم 600 غرام، وبالطبع كانوا في حاجة إلى حاضنات فتعامل الطبيب الاستشاري والعاملون في قسمي الولادة والأطفال مع الحالة بسرعة وكفاءة .

وأضاف: الحقيقة مشكلتنا الأساسية تكمن في الحالات التي لا تتابع في مركز الأمومة والطفولة، وبالتالي لا يكون لديها ملف طبي، وهذه الحالات في الأغلب لا نستقبلها لعدم وجود هذا الملف الذي يتضمن توضيحاً للحالة التي تم متابعتها بدقة منذ بداية الحمل، ومع ذلك فإذا رأت الطبيبة أن الحالة طارئة وهناك ولادة مبكرة توافق على استقبالها فوراً حيث لا يجوز إرجاع أية حالة ولادة أو غيرها إذا كانت طارئة، لذا فنحن نطالب الأمهات بمراجعة مركز الأمومة والطفولة دورياً منذ بداية الحمل لمتابعة الحالة والوقوف على وضع الحامل، وفتح ملف لها، حتى لا تحدث مفاجأت صحية أثناء الولادة .

وأشار إلى بعض الأمهات اللاتي يهملن عمداً مراجعة الحمل منذ بدايته في المراكز المخصصة لذلك تجنباً لتسديد الرسوم المقررة، ولاعتقادهن أن الولادة الطارئة ستتيح لهن دخول أقسام الطوارئ في المستشفيات من دون أية رسوم .

العرض والطلب

ورداً على سؤال عن دور وزارة الصحة في ضبط أسعار الخدمات التي يقدمها القطاع الطبي الخاص منعاً للمغالاة والاستغلال، قال د . أمين الأميري المدير التنفيذي للممارسات الطبية والتراخيص في الوزارة: القطاع الخاص يستند إلى مبدأ العرض والطلب والجودة، والخدمات الصحية الخاصة في الدولة تتفاوت مستوياتها من منشأة طبية إلى أخرى استناداً إلى المعايير المطبقة وجودة الخدمة ومستوى مايقدم منها للمراجعين، من هنا يأتي تفاوت الأسعار في خدمات هذه المنشآت الطبية الخاصة .

وأضاف: استناداً إلى ماسبق فهناك أسعار في متناول أيدي الجميع، وأخرى لا يستطيع ذوو الدخل المحدود تحملها، وهنالك الاشخاص الذين لديهم بواليص تأمين صحي من قبل جهات عملهم، أو الذين يحوزون أخرى خاصة بهم، هؤلاء يستطيعون الاستفادة من خدمات المستشفيات والمراكز الصحية الخاصة الكبيرة ذات الاسعار المرتفعة، وفي المقابل مَن لا يستطيع دفع هذه المبالغ لديه الفرصة للاستفادة من الخدمات الصحية في القطاع الخاص الذي يستند إلى معايير أقل في مستوى الخدمات التي يقدمها، وتوجد في الإمارات الشمالية قرابة 1058 منشأة طبية من مستشفيات ومراكز صحية تخصصية وعيادات ومراكز تأهيل وأخرى تشخيصية في القطاع الخاص تشرف عليها وزارة الصحة، وتتفاوت مستوياتها حسب المعايير والجودة .

مسؤولية تقصيرية

عن الموقف القانوني من امتناع مستشفى حكومي عن استقبال أية حالة مرضية، قال يوسف الشريف نائب رئيس المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة ورئيس اللجنة القانونية والتشريعية والطعون والشكاوى فيه: يترتب على امتناع المستشفى الحكومي العام عن استقبال مريضة في حالة ولادة مبكرة مسؤولية تقصيرية تستوجب التعويض عن الأضرار التي لحقت بها نتيجة هذا الامتناع، كون أن ذلك الامتناع قد يعرض حياتها للخطر، أو قد يودي بحياتها، أو قد يؤدي إلى أضرار مادية بها نتيجة لجوئها إلى أحد المستشفيات الخاصة .

وأضاف: ولا ينال من مسؤولية المستشفى الحكومي العام الاحتجاج بعدم وجود حاضنات للأطفال الخدج، لأنه يتعين أن يتوافر في المستشفيات الحكومية التي توجد بها أقسام ولادة، حاضنات للأطفال لمواجهة النتائج الاحتمالية التي تتمثل في توقع ولادة أطفال في مراحل مبكرة، بالإضافة إلى أنه يتعين على المستشفى أن يستقبل الأم الحامل لفحص حالتها، وإجراء الإسعافات الأولية لها، وإن اقتضى الأمر توليدها، كون أن الامتناع عن ذلك يمكن ان يودي بحياة الأم وجنينها .

وأكمل: أما في ما يتعلق بالمسؤولية الجنائية والتي تتمثل في الامتناع عن فعل أوجبه القانون، فهذا الركن المادي يتحقق وفقاً لنص المادة (31) عقوبات التي تتعلق بالامتناع عن أداء فعل أوجب القانون فيه الطبيب القيام به، بالإضافة إلى توافر القصد الجنائي الذي يتمثل في الامتناع عن هذا الفعل، بما قد يترتب عليه من نتائج احتمالية، وقد نصت المادة على أن الركن المادي للجريمة يتكون من نشاط إجرامي بارتكاب فعل أو الامتناع عن فعل، وهذا الارتكاب أو الامتناع مجرم قانوناً، والعقوبة في المادة تقديرية للمحكمة حال لم يترتب ضرر مباشر على الأم أو الجنين، أما إذا ترتبت أضرار كموت الأم أو الجنين، فيعاقب الطبيب بتهمة التسبب في القتل الخطأ نتيجة الإهمال .

د. قرقاش: مشكلة كبيرة

د. حسنية قرقاش، استشارية أمراض النساء والتوليد والعقم، قالت: بشكل عام إذا ولد الطفل قبل إتمامه 34 أسبوعاً وهي مدة التسعة أشهر الطبيعية لولادته فمن الممكن أن يتوفى، والعكس صحيح، وذلك لعدم اكتمال نموه وحاجته إلى المساعدة المطلوبة للتنفس، وأيضاً من الممكن أن يحدث له نزيف في الدماغ مع إصابته بالتخلف العقلي نتيجة لذلك إذا تأخرت ولادته، كما أنه إذا حدث أن وضعت الأم وليدها في سيارة مثلاً أو غيرها من الأماكن العامة فقد يصاب الوليد بالتهاب .

وأضافت: الولادة المبكرة تحدث نتيجة توسع عنق الرحم أو انفتاح الكيس السائل الامنيوسي، الذي إذا حدثت زيادة فيه أدت إلى فتحه يمكن أن تلد الأم مبكراً، ويمكن أن يتعرض الوليد في هذه الحالة للموت لنزول الحبل السري من خلال المهبل، وفي الوقت ذاته قد يحدث للأم انفصال في المشيمة ونزيف يشكل خطورة على حياتها، عدا ذلك فهناك بالفعل مشكلة في كثير من المستشفيات الخاصة التي تقوم بعمليات التوليد لعدم توفر حاضنات خاصة للأطفال الخدج الذين يولدون مبكراً في الأسبوع 24 أو 26 أو غيرهما، رغم ضرورة توفير عدد كاف منها لتعويض نقصها في المستشفيات الحكومية .