انتهت أمس (الأربعاء) محنة استمرت 68 يوماً أمضاها 33 عاملاً في قعر منجم على عمق 700 متر تحت الأرض . وحبس العالم أنفاسه وهو يتابع في بث مباشر نقلته التلفزيونات حول العالم من منجم سان خوسيه في صحراء اتاكاما في شمال تشيلي، عملية إخراج العمال واحداً واحداً وفق ترتيب مسبق، وسالت عيون مواطني تشيلي بدموع الفرح .
وكان فلورنثيو افالوس (31 عاماً) أول من تم إنقاذه وصعد إلى السطح في عملية لم تواجه أي مشكلات واستمرت أقل من 15 دقيقة في كبسولة معدنية قطرها 53 سم تم سحبها من عمق 622 متراً .
وضم افالوس أمام كاميرات التلفزيون التي كانت تبث الحدث مباشرة، ابنه البالغ من العمر سبع سنوات ثم زوجته مونيكا والرئيس التشيلي سيباستيان بينيرا والعديد من مستقبليه عند فوهة البئر . ثم تم اقتياده سريعاً إلى مستشفى ميداني أقيم في المكان حيث أخضع لسلسلة فحوص . وغمرت الفرحة أسرة فلورنثيو افالوس من دون أن تنسى شقيقه رينان الذي لا يزال في جوف المنجم .
وقال رئيس تشيلي مبدياً ارتياحه أول عمالنا أصبح معنا . وأضاف كنا على يقين بأنهم على قيد الحياة وأننا سننقذهم ( . . ) قلنا إننا سنعثر عليهم وعثرنا عليهم . والآن نقول إننا سننقذهم سالمين وسنفعل .
وأجهش العامل عثمان ايارا بالبكاء لدى خروجه من الفوهة، واحتضن زوجته ثم أغمي عليه، وتتالى إثر ذلك صعود العمال، واحداً على رأس كل ساعة، وإذا ما تواصلت عملية الإنقاذ بهذه الوتيرة فيتوقع أن تنتهي في غضون 24 ساعة .
ويستغرق صعود الكبسولة في بئر حفرت خلال 33 يوماً، 15 دقيقة بيد أنه مع تحضير كل رحلة يتطلب الأمر نحو ساعة لصعود كل عامل . وقد وضع المنقذون ترتيب صعود العمال مسبقاً على قاعدة إعطاء الأولوية للأكثر مهارة ثم الأضعف وأخيراً الأقوى القادرين على تحمل طول الانتظار .
وتباينت ردود أفعال عمال المناجم الذين أنقذوا حيث التزم البعض بالصمت وتبدت على وجوههم ابتسامة خفيفة . ومازح آخرون عمال الإنقاذ حتى قبل أن يصلوا إلى سطح الأرض كما ركع آخرون على الأرض لأداء الصلاة .
وصرح وزير الصحة خايمي مناليك أن صحة العمال الذين جرى إنقاذهم من المنجم جيدة . ولقد عانوا زيادة في ضربات القلب وارتفاعاً في ضغط الدم، ولكن الأطباء ليسوا قلقين من ذلك . وقد خضع العمال لفحوص من قبل أطباء جلد وعيون في مستشفى إقليمي في كوبيابو كما أجريت لهم أشعة . وقال الوزير إن عمال المناجم تحت الأرض يشعرون بالتعب وذلك يرجع بصورة أساسية إلى أنهم لم يحظوا بفترة نوم كافية خلال الأيام الماضية ولكنهم يتواءمون بصورة جيدة مع عملية الإنقاذ . وأشار الوزير إلى أن العمال المنقذين ينقلون تباعاً بمروحية إلى مستشفى إقليمي في مدينة كوبيابو، حيث من المقرر أن يمكثوا لمدة 48 ساعة لإجراء فحوص طبية .
وبالإضافة إلى 800 شخص من أقارب وأصدقاء العمال، تدفق أكثر من ألفي صحافي من العالم بأسره إلى الموقع لتغطية النهاية السعيدة لعملية نجاة تحت الأرض غير مسبوقة . وكان العمال وهم 32 تشيلياً وبوليفي واحد، علقوا في منجم النحاس والذهب بسان خوسيه في صحراء اتاكاما، في الخامس من أغسطس/ آب إثر انهيار . وخلال شهرين أصبح العمال ال 33 نجوماً عالميين فأرسلت لهم قمصان موقعة من نجوم عالميين لكرة القدم، ومسبحات مباركة من البابا بنديكت السادس عشر، وأجهزة آي بود أهداهم إياها رئيس شركة آبل ستيف جوبز لمساعدتهم على تحمل معاناتهم التي أصبحت مصدر إلهام لمخرجين سينمائيين .
وكان وزير المناجم لورنس غولبورني قد اعتبر بعد سبعة أيام من حدوث الانهيار، أن فرص العثور على العمال أحياء ضئيلة جداً . لكن تحت ضغط الأهالي الذين اعتصموا في المكان غداة حدوث الانهيار، واصل رجال الإنقاذ جهودهم حتى تمكن مسبار في 22 أغسطس/ آب من التقاط رسالة كتبت على ورقة تحمل عبارة أصبحت شهيرة نحن بخير جميعنا ال 33 في الملجأ تحت الأرض .
يذكر أن كبسولة انتشال العمال فونيكس هي أنبوب يبلغ عرضه 54 سنتيمتراً صممتها ونفذتها البحرية التشيلية للقيام برحلة آمنة عبر ممر ضيق لمسافة 622 متراً إلى سطح الأرض . (وكالات)
إشادة إسبانية وأمريكية
وصفت نائبة رئيس الوزراء الإسباني ماريا تريزا فرينانديز دي لا فيجا عملية الإنقاذ بأنها عمل بطولي حقيقي، ودليل إضافي على كيف أن التكنولوجيا تعمل في خدمة الإنسانية .
وأعلن البيت الأبيض أن الرئيس باراك أوباما كان يصلي لنجاح عملية إنقاذ عمال المنجم . وجاء في بيان للبيت الأبيض باللغتين الإنجليزية والإسبانية أفكارنا وصلواتنا هي مع العمال الشجعان وعائلاتهم ومع الرجال والنساء الذين يعملون بقوة من أجل إنقاذهم . وأشادت الولايات المتحدة الأربعاء بعملية الإنقاذ اللافتة الجارية في المنجم . وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية فيليب كراولي في رسالة على موقع تويتر للمدونات القصيرة تهاني لتشيلي على عملية الإنقاذ الناجحة لأول عمال المنجم . إنه دليل أمل وكفاءة لافت . (أ .ف .ب)