كان أهل يثرب من الأوس والخزرج شعباً قوياً صلب العود . ولا غرو فقد برهنوا على شدة بطشهم وقوة بأسهم في الحروب التي لم تهدأ ثائرتها ولم تنطفئ نارها بينهم: وقد أقام بها اليهود من بني قريظة وبني النضير زمناً طويلاً، ولا يبعد أن يكونوا قد نزحوا إلى المدينة إثر الكارثة التي نزلت بهم باضطهاد ادريان (Hadrian) لهم . كما أقام اليهود في فدك وتيماء وفي وادي القرى وخيبر .

وكانت هناك صلات وثيقة بين هؤلاء اليهود في يثرب وبين من جاورهم من الأوس والخزرج، حتى إنهم ألفوا أفكار اليهود الدينية ومرنوا على استساغة الكثير منها . وفي الحق أنه كان لوجود دين سماوي في يثرب، له كتاب منزل من عند الله، وفيه ذكر للوحي ووحدانية الله، وعظمته وقدرته الشاملة، والبعث والحساب أثر في سرعة تقبلهم للإسلام .

والواقع أن أهل يثرب وجدوا في الإسلام ما يوحد كلمتهم ويجمع شملهم ويقضي على ما بينهم من تنازع وبغضاء، كما وجدوا في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم بغيتهم المنشودة، إذ عرفوه رجلاً من أكرم بيوتات قريش وساداتها . ثم هو ابن آمنة من بني النجار أحد بطون الخزرج . ومع ذلك فهو نبي يستطيعون أن يطاولوا اليهود بما ينزل عليه من وحي . فهو الذي يستطيع أن يجمع الأوس والخزرج تحت لوائه، وكان الخزرج أحوج إلى ذلك بعد يوم بعاث الذي كان النصر فيه للأوس . ولعل انهزام الخزرج يوم بعاث قد جعلهم أكثر استعداداً لقبول الدين الإسلامي، حتى كانوا أسبق إليه من بني عمهم الأوس .

بيعة العقبة

في الموسم التالي ليوم بعاث، أقبل جماعة من الخزرج للحج، وهم ستة من ساداتهم، وكانوا ينشدون حليفاً لتوحيد كلمتهم مع الأوس أو للتغلب عليهم، إذ كان كل منهما يريد أن تكون له الرياسة، فلقيهم الرسول صلى الله عليه وسلم عند العقبة، وقال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج، قال: من موالي يهود؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون أكلمكم، قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم شيئاً من القرآن . وقال بعضهم لبعض: إنه النبي الذي توعدكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه . فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام . ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا، فلما قدموا المدينة إلى قومهم، ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم . فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله، وذلك بفضل استعداد هذه المدينة لقبول الدعوة، وما أبداه هؤلاء الدعاة من حماسة وغيرة في تأدية رسالتهم .

وفي الموسم التالي، وافى مكة (في السنة الثانية عشرة من البعثة) اثنا عشر رجلاً من أهل يثرب، حيث لقوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالعقبة وبايعوه في تلك الليلة . وقد أرسل الرسول عليه الصلاة والسلام مع أهل يثرب مصعب بن عمير رضي الله عنه يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام، وكان يسمى المقرئ .

إسلام أسيد وسعد

اتخذ مصعب دار أسعد بن زرارة في المدينة مقراً له حيث كان يعلم الناس أحكام الإسلام، وبعد أن زاد عدد المسلمين ولم تعد دار أسعد تتسع لهم لجأ مصعب وأسعد إلى بستان يستقبلان فيه الناس، وذات يوم رآهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وهما من سادات المدينة فقال سعد لصاحبه: يا أسيد، لقد أتى هذان الرجلان إلى ديارنا ليفسدا أبناءنا وسيجر ذلك علينا الشر، فاذهب إليهما واطردهما، وإنك لتعلم أن أسعد ابن خالتي، ولولا ذلك لبادرتهما بنفسي وأنزلت بهما أشد العقاب . فأخذ أسيد حربته وذهب إلى الرجلين ووجه إلى مصعب كلاماً قاسياً فقال له مصعب: ألا تقعد فتسمع؟ فإن سرك ما سمعت قبلته، وإن ساءك كففنا عنك ما تكره وانصرفنا . فقال أسيد: ما عدوت الإنصاف، هات ما لديك . وقرأ عليه مصعب بعض آيات القرآن فقال أسيد: ما أحسن هذا الكلام وما أجمله، كيف يصنع من أراد الدخول في هذا الدين؟ فأرشده مصعب إلى ما يصنع، وهكذا أصبح أسيد من المسلمين وقال لهما: سأبعث إليكما بصاحب لي وراءه خلق كثير لا يخرج أحد منهم عن أمره، فاصدقوا الله معه فإن آمن تبعه قومه . وجرى لسعد بن معاذ ما جرى لأسيد، حيث سمع من مصعب آيات من القرآن الكريم، فشرح الله قلبه للإسلام، ثم عاد سعد إلى قومه فقالوا: نقسم أنك لم تعد بالوجه الذي فارقتنا به . ولما قص عليهم ما جرى له مع مصعب دخلوا جميعاً في الإسلام .