إن ثورة الفقراء ليست لأجل الخبز وحده، بل ثورتهم لأجل الجمال والفن والأفكار وكل ما يمتع الروح، بهذه الكلمات ختم جورج لامبي كتابه الثورة الكوبية في القرن الواحد والعشرين الصادر عن دار النشر البريطانية بلوتو برس في 2010 ويقع في 293 صفحة من القطع المتوسط . وجورج لامبي محاضر في قسم السياسة العامة في جامعة مونفورت في ليسيستر، وأستاذ زائر في جامعة هافانا، ومحرّر مشترك في المجلة الدولية للدراسات الكوبية . جاء لامبي بهذه الدراسة الممتعة عن إحدى المحاولات الأكثر أهمية في عصرنا لرسم منهج بديل للتنمية، وخاصة في الوقت الذي أصبحت فيه الرأسمالية العالمية في أزمة عميقة، نجده يمضي إلى ماوراء البديهيات، في محاولة منه لإظهار كيف أن الثورة الكوبية تدخل الآن عقدها السادس،
ولها صلة كبيرة بالصراعات المعاصرة ضد العولمة النيوليبرالية، إنه يضع الثورة الكوبية في القرن الواحد والعشرين في سياق معناها العالمي الأوسع في ما يتعلق بنهوض المشاريع المناهضة للهيمنة في أمريكا اللاتينية والنصف الجنوبي من العالم . يشكّل هذا الكتاب دراسة قيّمة ومناسبة للباحثين المتخصصين في شؤون كوبا وأمريكا الجنوبية، والعلاقات العامة . قسّم لامبي الكتاب إلى خمسة فصول رئيسة، يتخلل كل فصل مجموعة من الأقسام، والفصول على التوالي هي: 1-العولمة: فهم السبب الجوهري للبديل . 2- الديمقراطية الليبرالية الغربية: التعريفات والإيديولوجيا والبدائل . 3- الثورة الكوبية: بناء عملية ديمقراطية تشاركية . 4- الثورة في أزمة . 5- الدفاع عن الاشتراكية الكوبية ضد الرأسمالية العالمية: الديناميكيات الداخلية والفرص الخارجية .
يتحدث الكاتب في مقدمة الكتاب عن التمرد الكوبي في ،1959 الذي جاء مفاجأة ليس للولايات المتحدة فقط، بل للاتحاد السوفييتي أيضاً، حيث كانت هاتان القوتان تعرفان الشيء القليل عن الشؤون الداخلية لكوبا . لكن عندما أطاح فيديل كاسترو ومناصروه دكتاتورية باتيستا، واعتلوا زمام السلطة، سرعان مالفتوا اهتمام القوى الكبرى، وقطاعات الإعلام، وعدد من الأكاديميين، وبشكل خاص، عند حدوث أزمة الصواريخ الكوبية في عام ،1962 التي سببت صدمة كبيرة للمجتمع الدولي، ووضعت كوبا على المسرح العالمي .
يجد الكاتب أن الثورة الكوبية في ،1960 قدمت اشتراكية متجدّدة وأملاً جديداً لليسار السياسي، خاصة عند المقارنة بإيديولوجيات الحرب الباردة المتحصّنة . وبرأيه، اعتقد البعض أن هذا البلد الصغير كان يبني مؤسسات مجتمع صغير، وأظهرت محاولات تشي غيفارا في إفريقيا وأمريكا اللاتينية صورة فعالة عن الاشتراكية .
يجد الكاتب أن هافانا ألهمت اليسار حول العالم أكثر من موسكو بعد تجربتها الراديكالية، وهذا كان صحيحاً ليس فقط لحركات الاستقلال في البلدان النامية، التي كانت على أمل في محاكاة مشروع كوبا الثوري، بل لجيل سنوات 1960 من الطلاب الأمريكيين والأوروبيين، وربما بشكل بارز جداً، حينما حمل المحتجون من الطلاب والعمال الأوروبيين في 1960 صور غيفارا، الذي صار رمزاً لهم، وللكثير من الحركات الثورية في وقتنا الراهن .
يجد الكاتب أنه على الرغم من دعم كاسترو الشفاهي للغزو السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا في عام ،1986 الذي وضع نهاية للإصلاحات التقدمية لربيع براغ، بالإضافة إلى قرار كوبا الدخول في علاقة أقرب مع الاتحاد السوفييتي في عام ،1970 أبقت صورة الجزيرة الثورية غير ملطخة . ويجد أن دعم القوات الكوبية لحركة التحرر الأنغولية في منتصف السبعينات، عزز التواجد الاشتراكي الدولي لها، وأكسب هذه الدولة الصغيرة في العالم الثالث أهمية ومنزلة دولية غير متكافئة مع حجمها . وفي عام ،1988 بعد حرب مطوّلة، لعب الجيش الكوبي دوراً حاسماً في احتواء قوات المعارضة الأنغولية التي واجهتها جنوب إفريقيا في معركة كويتو كونافالي . ويجد الكاتب أنه في فترة تحقيق هذا الإنجاز العسكري الاستثنائي تغير العالم بشكل ما، حيث قاد ذلك إلى انسحاب كل القوات الأجنبية من أنغولا، وتحرير نامبيا، وساهم بشكل كبير في إنهاء حركة الفصل العنصري الأبارتهايد في جنوب إفريقيا . وفي الثمانينات من القرن الماضي، على الرغم من الدعم المستمر في العديد من الجهات للنموذج المحلي الكوبي، بدأ تأثيرها الثوري العريض بالتلاشي حينما فقد اليسار الدولي الأرضية لحركات التكاتف الدولية، وظهرت النيوليبرالية كنظام عالمي جديد، وأصبحت حينها علاقات كوبا مع الاتحاد السوفييتي غير واضحة .
يذكر الكاتب أنه في عام ،1989 كان من الواضح أن أيام الشيوعية ذات النمط السوفييتي باتت معدودة، وجاء فرانسيس فوكوياما ببيانه الذي صرّح فيه بحتمية العولمة النيوليبرالية ومما قاله فوكوياما: ما نشاهده ليس فقط نهاية للحرب الباردة، أو مرور زمن محدد لتاريخ ما بعد الحرب، بل هو نهاية التاريخ أي: نهاية النقطة النهائية للتطور الإيديولوجي البشري وتعميم الديمقراطية الليبرالية الغربية لتكون الشكل النهائي للحكومة .
يجد لامبي أن فيديل كاسترو على الرغم من مواجهته لمآزق بلاده المروّعة التي تمثلت في كوارث اقتصادية وعزلة وعداء متزايدين من المجتمع الدولي، فإنه يعتقد أن التاريخ يقف إلى جانب الثورة، وليس إلى جانب العولمة الرأسمالية . كما يجد الكاتب أنه ما من أحد يدري على وجه التأكيد، إذا ما يمكن أن تنجو الثورة الكوبية من الضغوط العالمية التي تثقل كاهلها، أو يمكن لها أن تحتوي التحديات والتوترات المحلية، وبرأيه، فإن أفعال الحكومة الكوبية، على صعيدها الداخلي وعلى صعيد سياستها الخارجية، لا تشير إلى أن الثورة تعيش آلام الموت .
الرأسمالية والعمالة الرخيصة
يجد الكاتب في الفصل الأول من الكتاب بعنوان العولمة: فهم السبب الجوهري للبديل أنه لتحليل موقع كوبا اليوم وآمالها المستقبلية، خاصة أنها تكافح بكل السبل للدفاع عن ثورتها، وتسعى لإدماج تجربتها الاشتراكية مع الحركات المعادية لليبرالية الجديدة في أمريكا اللاتينية، فإنه من الضروري فهم التحديات والمعارضة والفرص التي تواجهها في نظالم عالم معولم .
يتحدث عن فترة نهاية الحرب العالمية الثانية، وعن حضور الدول المتحالفة مؤتمر بريتن وودز في الولايات المتحدة، والذي ترأسته أمريكا وبريطانيا، لمناقشة النظام الاقتصادي العالمي ما بعد الحرب . وكان يسيطر على المؤتمر تيارات إيديولوجية قوية تقف في وجه السوق الحرة، وليس ضد التجارة الحرة، برئاسة الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز والأمريكي هاري ديكستر وايت . ويقول الكاتب:اعتقدوا أن النظام المالي الليبرالي في عام 1920 (السوق الحرة)، والذي كانت تسيطر عليه مصالح مالية خاصة تقديرية وإيمان أعمى بالسوق، قاد إلى انهيار وول ستريت في ،1929 ونتج عن هذا تباعاً انهيار الأسواق الرأسمالية الدولية، والاستغناء عن عيار الذهب، والدخول في كساد، وفوضى اجتماعية واقتصادية في القوى الرأسمالية، وفي العديد من الدول المحيطة، وبشكل غير مباشر إلى الحرب .
يجد الكاتب أن فترة مابعد الحرب -من وجهة نظر ماركسية- كانت أقل في ما يتعلق باحتواء وتنظيم الرأسمالية، وأكثر استجابة إلى أزمة الربحية خلال السنوات التي تخللت الحربين . كما يرى أن أحد العوامل المساهمة في التجديد الرأسمالي بعد الحرب العالمية الثانية كان النظام الدولي للتبادل غير المتساوي بين القوى الغربية المتطورة ودول العالم الثالث الجديد، وزوّدت هجرة العمال مساهمة حاسمة بالنمو الاقتصادي المستمر في الدول الرأسمالية المتقدمة مع وصول 37 مليون شخص إلى الولايات المتحدة و15 مليون إلى أوروبا بين عام 1945 و،1975 وهؤلاء المهاجرون في الولايات المتحدة جاؤوا من العديد من المناطق، لكن بشكل رئيس من أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، بينما كانت غالبيّة أولئك الواصلين إلى أوروبا من المستعمرات السابقة . ويجد الكاتب أن هذا التدفق الهائل للعمالة الرخيصة وغير الماهرة لعب دوراً حاسماً في فترة التنمية الاقتصادية السريعة، وساعد على تحديد مطالب العمال الأصليين .
يرى الكاتب أن الماركسيين فهموا أن نظام مابعد الحرب لم يكن مصمّماً لضبط الرأسمالية، بل لخلق بيئة جديدة يمكن أن تزدهر فيها، ولم يدم الأمر طويلاً بعد تعافي مابعد الحرب، عندما بدأت القوى العاملة بالتوسع، وتم حل تلك المشكلات لأجل الرأسمال .
يرى لامبي أن الازدهار الهام الذي جاء إلى السوق هو في ،1986 وبشكل جزئي بسبب تدفقات الدولار الكبيرة من الولايات المتحدة والتكاليف المتزايدة لحرب الفيتنام، ونجحت القوانين التنظيمية في وضع قيود على قضية القروض الخارجية من قبل بنوك الولايات المتحدة . ويرى أنه لتجنب قيود التنظيم المحلي، سعت هذه البنوك إلى إنشاء فروع في الخارج، وبشكل خاص في سوق اليورودولار في لندن .
ومن المثير للاهتمام أن المملكة المتحدة التي سعت إلى استراتيجية رخاء واقتصاد كينزي بقوة بعد الحرب، استحسنت السماح للبنوك التجارية في لندن بالاشتراك في عمليات الرأسمال غير المقيد . ويرى أن تدفق الرأسمال على لندن ساعد على حل مشكلات ميزان المدفوعات .
العولمة والسياق الكوبي
يدخل الكاتب في الحديث عن الأداء الاقتصادي للعولمة وتأثيراتها في البلدان النامية والطبقات العاملة والطبقة المتوسطة، ويرى أنه لشرح العولمة في النصف الثاني من القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين، هو لإعطاء تاريخ من تمكين الرأسمال العالمي وتأثيراته في تنظيم الإنتاج وفي الحياة السياسية والاجتماعية بشكل عام، وهذه العملية مرتبطة بشكل معقد مع النخبة العالمية الواعية لذاتها، والتي ترتبط مصالح طبقتها عن قرب بعالمية قوى السوق . لكن لأن العولمة هي عملية، وليست حدثاً، فإن تشكيلات الطبقة والإصلاحات لاتزال جارية .
ويرى الكاتب أن مستقبل العولمة، لن تشكّله كمالية السوق، بل عبر التفاعل وصراع هذه القوى الاجتماعية الظاهرة . وبشكل نهائي، أي تغيير يحدث، يستطيع أن يوضح نفسه بالكامل كاستجابة واعية من استجابات ضحايا العولمة، والتي يراها الكاتب أغلبية سكان العالم . ويراها أقل المتغيرات توقعاً، لكن يعتمد عليها مستقبل الإنسانية . ويقول: ما يحدث في أمريكا اللاتينية اليوم ربما هو جنين تلك العملية، وربما تزوّد الثورة الكوبية بفرص جديدة، ليس فقط لتصدير أيديولوجيتها وممارساتها، بل لضمان بقائها واستمرارها .
ويرى لامبي أنه مع ظهور العولمة، تلاشى دور كوبا الدولي في سياق الحرب الباردة، وإن إصرارها المستمر على التمسك بالاشتراكية في وجه الضغوط القاسية من قبل الليبرالية الجديدة أدّى إلى فرض عزلة عليها، ويمكن لهذا الوضع أن ينتهي في حال نجاح إخوة كاسترو والقادة الثوريين المتبقين الذين يشاركونهم مفاهيمهم، حسب ما يبين لامبي .
وبرأيه، في الوقت الذي يركّز فيه العالم على الثورة الكوبية، يتوقع فناءها الحتمي في وجه نظام العولمة النيوليبرالية المتسم بالقوة . وتجد كوبا أن هذا النظام العالمي الجديد لايعالج مشكلات الاحتياجات البشرية والمعيشية والكرامة الإنسانية، رغم أنه يبني نجاحه الدائم ووجوده المستمر على ذلك . بالنسبة للقيادة الكوبية، فإن منطق الرأسمالية العالمية خاطئ، ويستشهد الكاتب بتعليق فيديل كاسترو على ذلك وترجمنا بعضاً مما ذكره: إن العالم الثالث مطالب بدفع ديون تقدّر بنحو 5 .2 تريليون دولار، ولا يمكن دفعها تحت الظروف الراهنة، ومع ذلك فإنه يتم إنفاق (1) تريليون دولار كل سنة على الأسلحة الفتاكة والمتطورة جداً . لماذا كل ذلك وما الغاية منه؟، وفي مكان آخر: إن المجتمع الاستهلاكي اليوم هو أحد أكثر التدخلات المروعة للرأسمالية المتطورة في هذه المرحلة من العولمة النيوليبرالية .
ويرى الكاتب أنه من وجهة نظر كوبا، فشل العولمة الاجتماعي هو الذي يجعل تعديل الرأسمالية أو فناءها أسرع، ويزوّد ذلك أيضاً بالمادة الخام للمقاومة التي يمكن أن ترتبط بها الثورة في كل من توسيع تجربتها الاشتراكية إلى البلدان الأخرى، وكوسائل لتخطيط مستقبلها .
الديمقراطية الليبرالية الغربية
في الفصل الثاني بعنوان: الديمقراطية الليبرالية الغربية: التعريف والأيديولوجيا والبدائل، يجد الكاتب أنه لاستكشاف الأيديولوجيا، على المرء أن يكون واعياً من أنه ليس هناك حالات ثابتة أو صحيحة، بل هناك مجموعات من الأفكار والنظريات المتغيّرة تاريحياً واجتماعياً، وإن الأفكار وتقديمها في الأنماط المصاغة مثل النظريات، هي الطرق التي يفهم فيها البشر البيئة التي يقطنونها، لكن يرى الكاتب أنه في عالم العلاقات الاجتماعية المتنافسة، دائماً هناك صراع أيديولوجي، يعكس الصراع الاجتماعي والاقتصادي، وكيف يمكن لشكل الحاضر والمستقبل أن يكون منظماً . ويرى أن الجماعات الحاكمة التي تسيطر على القوى الاقتصادية والإنتاجية دائماً ما تسعى إلى تقديم أيديولوجية تدعم نظرتهم ومصلحتهم المادية . وإن خلق النظرة الأيديولوجية والسيطرة عليها، وتقديمها على شكل نظرة طبيعية تظهر أنها لأجل الخير العام، هي ما أطلق عليه غرامشي الهيمنة .
يتحدث لامبي عن مقال بعنوان الديمقراطية في كوبا: ما النموذج المرغوب؟ لدومينغيز وهو أحد المتخصصين البارزين من أمريكا الشمالية في شؤون كوبا . يقترح دومينغيز عدداً من التغييرات للنظام الحكومي الكوبي، التي من الممكن أن تجعل النظام أكثر ديمقراطية وأكثر تأثيراً في تطبيق الإصلاح . ومن ضمن هذه الإصلاحات: حرية تعدد الأحزاب السياسية المعارضة، وإمكانية منافسة الحزب الشيوعي الحاكم في انتخابات مفتوحة، وتقليل القيود المفروضة على القطاع الخاص، وتحسين الاستجابة الحكومية على المستوى الوطني لمطالب الناخبين . ويجد لامبي أن دومينغيز معتدل، حيث يرفض السياسة المتطرفة الموجودة بين أجزاء من الجالية الكوبية المنفية، وبشكل رئيس هؤلاء المقيمين في فلوريدا، حيث يسعون إلى انهيار حكومة كاسترو، والعودة إلى النظام الذي كان يحكم قبل الثورة بقيادة أمريكية . وبرأي لامبي، يعرض دومينغيز نصيحة سليمة بشأن المعايير التي لابد من اتخاذها إذا ما أسست كوبا ديمقراطية تمثل الجميع وتحركت نحو اقتصاد السوق . ويرى أن مناقشة دومينغيز مبنية على افتراض أن كوبا يديرها نظام شمولي، يسمح بالقليل من الانفتاح الديمقراطي للسكان، وأي مستقبل يمكن أن تشكله كوبا في المستقبل الحديث معتمد بشكل كامل على قدرتها للقيام بإصلاحات ديمقراطية، والاتجاه نحو انفتاح السوق، ويشير لامبي إلى أن متخصصين معتدلين آخرين في شؤون كوبا يشاركون دومينغيز رأيه مثل: ميسا لاغو (1993)، وإيكستين (2003)، ولوبيز (2002) .
وجهة نظر اشتراكية
يرى الكاتب أنه سيكون غير دقيق ومبتدع تقديم حالة إيجابية وغير معقدة للديمقراطية تحت الاشتراكية المجرّبة في أكثر الدول الاشتراكية والشيوعية في القرن العشرين . ويشير إلى أنه في ظل هذه الأنظمة، حدثت بعض من أسوأ انتهاكات حقوق الإنسان، وغالباً ما كانت ادعاءات الديمقراطية فيها كذباً . ويرى أن منظرين اشتراكيين مثل روسو وماركس ولينين اقترحوا نموذجاً في الطريقة التي يستحسن أن تؤدّى فيها، ويتناول في صفحات عديدة آراء هؤلاء المنظرين وأولهم المفكر الفرنسي جان جاك روسو (1712-1778) الذي يستهل كتابه العقد الاجتماعي بطرح السؤال: ماهو أساس عدم المساواة بين الناس، وهل عدم المساواة نابع من القانون الطبيعي؟ يرى لامبي أنه في تحليل روسو، ينقسم عدم المساواة إلى صنفين: أولهما طبيعي وجسدي، والثاني أخلاقي وسياسي، ولأنه يعتبر الصنف الأول ما وراء التحكم الإنساني، فإنه يركّز على الثاني، والذي يجده روسو سريع التأثر بالإرادة البشرية . ومنهجه إلى هذا التساؤل هو ضروري في فهم الطرق المختلفة التي يمكن أن تتشكل فيها مفاهيم الديمقراطية والسياسة، ومن بعض كلام روسو: يظهر لي أن العلوم الإنسانية الأكثر نفعاً ونقصاً هي العلوم التي تركّز على البشرية، كيف لنا أن نعرف مصدر عدم المساواة بين الناس، إذا لم نبدأ بمعرفة البشرية؟ .
وفي مناقشة آراء ماركس، يرى لامبي أن ماركس لم يحاول أن يطوّر نظرية المجتمع الاشتراكي أو التركيب الديمقراطي الذي سيكون ملائماً لهذا التشكيل الاجتماعي، وبشكل رئيس لأنه كان مشتركاً في تحليل الحركة التاريخية للرأسمالية وضعفها الجوهري . إلى جانب أنه من المستحيل التكهن بمجتمع مستقبلي، حيث يرى ماركس التاريخ عملية متكشّفة مبنية ليس على قوانين اقتصادية فقط، بل على تشكيل وإصلاح الوعي البشري .
ويرى لامبي من الناحية التاريخية أن كومونة باريس في ،1871 والثورات الروسية في 1905 و،1917 والحرب الأهلية الإسبانية، وتطور الاتحاد السوفييتي بعد موت ستالين كلها أمثلة عن محاولات لتتبع بعض أشكال الفهم الاشتراكي للديمقراطية .
إشارات
ما يحاول الكاتب أن يشير إليه في الفصل الثاني هو أن نظرية الديمقراطية الحديثة وتوضيحها الأيديولوجي والعملي هي تحت سقف الليبرالية الجديدة والعولمة . على الرغم من أن النهوض ما بعد الشيوعي للديمقراطية احتفى به عدد من المؤلفين مثل (دايموند وبليتر إيدس في عام 1993 وأكسورثي في 1992)، وإن قدرة هذا النهوض على تسليم السلطة إلى الشعب، وتحقيق إنجاز بسيط من ضمان توزيع عادل ومضمون للخدمات والبضائع، يبقى موضع الشك والتساؤل . ويسأل لامبي ما مدى تأثير الديمقراطية الإجرائية في الليبرالية البرلمانية، التي تعرض فرصاً جديدة لتحدي التراكيب العالمية للسلطة والثروة، في إرضاء احتياجات وتطلعات الجماهير، خاصة في البلدان النامية؟
يجد الكاتب أن كوبا على الرغم من سجلها الحافل بالتنمية مع المساواة الاجتماعية، لكن يعتبرها بعض المحللين دكتاتورية . ومثل هذه النظرة يمكن أن تدعّم عبر افتراض مؤكّد أن الديمقراطية الليبرالية المعاصرة هي النموذج التعريفي في وجه كل الصيغ الأخرى من التنظيم الاجتماعي والسياسي التي لابد من إخضاعها للدراسة والقياس . وبرأي لامبي وضع منهج كوبا المتميز للديمقراطية في السياق، يبقى شيئاً نافراً، ولايمكن فهمه كجزء من العملية المعادية للهيمنة، ولايمكننا أن نفسّر أهميتها الممكنة للصراعات الأخرى المعادية للعولمة . ويرى أنه للتعهد بهذه المهمة، فإن وجهتي النظر الاشتراكية والليبرالية تحللان المسار التاريخي للديمقراطية . وحينها يتم خلق تقدير من الدعامات الإنطولوجية والأيديولوجية لهذه المفاهيم المختلفة .
ويرى لامبي أنه في السنوات العشر القادمة، لابد من أن يكون الاتجاه الديمقراطي الذي تأخذه كوبا حاسماً، وفي الواقع هناك خياران: الطريقة التي اقترحها دومينغيز الديمقراطية الإجرائية والأسواق، أو بناء الاشتراكية المستمر المبني على فهم أنطولوجي منفصل للطبيعة البشرية .