يراقب العالم المالي عن كثب، ويتابع باهتمام بالغ، عرض مجموعة ناسداك أو إم إكس، وبورصة إنتركونتننتال آي سي ئي، لشراء، وتملك بورصة إن واي إس ئي يورونكست (إن واي إس ئي)، لقاء 3 .11 مليار دولار نقداً وفي شكل أسهم طبقاً للعرض . وهو عرض يتفوق على عرض بورصة دويتشه المبكر لشراء البورصة نفسها لقاء قرابة 10 مليارات دولار . وعرض ناسداك/آي سي ئي، في حال نجاحه، سيؤدي إلى دمج أكبر ثلاث بورصات للأسهم، والخيارات، وبورصة المشتقات رقم 14 (آي سي ئي) في الولايات المتحدة، وتأسيس (في حال موافقة الجهات التنظيمية عليه، واجتيازه لفحص المنافسة)، أكبر بورصة لتداولات الأسهم والخيارات في العالم (ناسداك/إي واي إس ئي)، بالإضافة إلى رابع أكبر بورصة للمشتقات في العالم (آي إس سي ئي/إن واي إس ئي) .
حينما نضيف إلى ذلك جميع البورصات الأخرى في العالم التي تمتلكها كل من ناسداك، وإن واي إس ئي، أو تلك التي لها حصة أغلبية فيها، أو علاقة شراكة معها، فيمكن حقيقةً اعتبارها أكبر عملية تكتل واستحواذ البورصات في العصر الحديث . وبطبيعة الحال، من شأن ذلك ان يلقي بآثاره حتى على بورصات دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تمتلك بورصة دبي حصة في ناسداك، في حين تستحوذ بورصة قطر على حصة في إن واي إس ئي .
إذن، وفي ظل هذا التكتل الضخم للبورصات حول العالم، ما الذي يمكننا تعلمه من تجربة كهذه، حتى نسرِّع من جانبنا عملية توحيد بورصاتنا في الإمارات، أي سوق أبوظبي للأوراق المالية، وسوق دبي المالي، الذي يمتلك بدوره بورصة ناسداك دبي . فالجميع يعتقدون منذ مدة، بأنه القرار الصحيح والأفضل من جميع النواحي . غير أنه، لا يبدو حتى الآن، أننا قريبون من تحقيق ذلك الهدف المهم . ومعظم الأسباب، والعقبات التي أثيرت في كل المناقشات التي جرت خلال السنوات الماضية، والتي حالت دون إنجاز هذه الخطوة، يمكن إيجاد حلول لها . وبالتالي ليس هناك سبب يدعو إلى تأجيل اتمام عملية الدمج، وبصورة عاجلة وليس آجلة . وفي الواقع لدينا قواسم مشتركة بين سوق سوق أبوظبي للأوراق المالية وسوق دبي المالي، أكثر مما يتوفر لدمج بورصتي ناسداك/آي سي ئي، وإن واي إس ئي .
المصاعب والتعقيدات الإجمالية للصفقة
من الواضح بالنسبة للجميع، أن شراء ناسداك/آي سي ئي، لبورصة إن واي إس ئي سيكون أكثر تعقيداً من دمج سوق أبوظبي للأوراق المالية، وسوق دبي المالي، سواءً من النواحي الفنية، أو التنظيمية، أو حتى المالية . فالقيمة السوقية لبورصة ناسداك أصغر من القيمة السوقية لبورصة إن واي إس ئي . كما أن ناسداك لا تمتلك القدرة على الاستحواذ على أعمال المشتقات لدى إن واي إس ئي . ولذلك لجأت إلى عرض مشترك مع آي سي ئي للاستحواذ على تلك الأعمال . وبالتالي فنحن فعلياً أمام اندماج ثلاث بورصات تمتلك ثلاثة أنواع مختلفة من أدوات التداول، وهي الأسهم، والخيارات والمشتقات .
ويتضمن عرض ناسداك/آي سي ئي، الذي يقوم على مبالغ نقدية، وأسهم، دفع بعض المبالغ النقدية إلى مساهمي إن واي إس ئي، مع مبادلة أسهم شركاتهم . أما بالنسبة لبورصاتنا المحلية، فالحكومة تمتلك أغلبية الأسهم (100% من سوق أبوظبي للأوراق المالية، و80% من سوق دبي المالي) . ومن ثم، فإن التوصل إلى عرض مالي يكون مقبولاً بالنسبة لكافة المساهمين المتأثرين، ويحمي في الوقت ذاته المساهمين الأقلية من الأفراد، سيكون الاحتمال الغالب .
ودعونا لا ننسى انه، وبسبب الأزمة المالية التي وقعت في ،2008 رأينا كيف ان عدد المساهمين الأقلية انخفض أكثر من 75 في المئة في بعض الشركات المساهمة العامة، حيث اشترى مستثمرون استراتيجيون آخرون أسهمهم بالكامل، ومن دون أن تكون لهم (الأقلية) كلمة فاصلة بذلك الشأن . لا شك في ان وجود الحكومة كطرف سوف يعزز احتمال تقديم عرض مالي منصف بالنسبة للمساهمين الأقلية في بورصة الإمارات الجديدة، والأكبر حجماً . ففي بعض الأحيان يكون امتلاك 10 في المئة من الشركة إكس للمدى البعيد، أفضل من امتلاك 20 في المئة من شركة بنصف حجم إكس في المدى القصير .
سرعة التنفيذ
ثمة اعتقاد بأن عرض ناسداك/آي سي ئي لشراء إن واي إس ئي، والبالغة قيمته 3 .11 مليار دولار، تم تجهيزه في أقل من شهرين . شهران فقط لإتمام كافة الإجراءات المتعلقة بالتقييم، والنواحي القانونية والإدارية، قبل تقديم العرض الرسمي . أما هنا، فتدور شائعات تتحدث عن وجود مناقشات جادة بشأن دمج أسواقنا منذ أكثر من ثلاث سنوات .
أيضاً تتردد أنباء منذ أكثر من ستة أشهر، عن تعيين بنك عالمي لتقديم الاستشارة إلى هيئة حكومية اتحادية حول التقييمات المتعلقة بكلا السوقين، ولكن من دون إعلان نتيجة رسمية عن نتائج تلك الإجراءات والدراسات حتى الآن .
توقيت الاستحواذ
على الرغم من ان آلاف الأميال تفصل بين الولايات المتحدة ودولة الإمارات، إلا ان السبب الرئيسي الذي يقف وراء شراء البورصات في الولايات المتحدة، أو عملية الدمج في حالتنا، متشابه في أساسياته، فانحسار العائدات المالية للأسواق نتيجة لانخفاض التداولات، وتآكل هوامش الربح لديها نتيجةً للمنافسة القوية من قبل الآخرين . ففي أسواقنا انخفضت قيم التداول منذ تفجر الأزمة من 537 مليار درهم في ،2008 إلى 104 مليارات درهم في ،2010 وبنسبة انخفاض تجاوزت 80 في المئة . أيضاً رأينا بنوك الاستثمار العالمية تقدم النصح إلى العديد من شركاتنا المساهمة العامة، و/أو تلك التي تفكر في طرح أنفسها للمساهمة العامة في بورصتينا، لكي تتجه لإدراج أنفسها في الأسواق الخارجية بدلاً من سوقي أبوظبي للأوراق المالية ودبي المالي . وفي ذلك منافسة خطيرة للبورصات المحلية، وربما تجردها من أقيم أصولها، وهي الشركات المساهمة العامة المدرجة فيها حالياً وفي المستقبل . وفي حال تم الاندماج سيساعد التوفير في المصاريف، مقروناً بتعزيز الكفاءة التشغيلية، إضافة إلى الفوائد الأخرى بلا شك على جعل بورصة للإمارات الموحدة أكثر جاذبية ونجاحاً .
تعديلات الهيكل التنظيمي واللوجيستي
الاحتمال الغالب أندمج أسواقنا المالية، وتوحيد هياكلها التنظيمية، سيكونان أكثر سهولة من مما سيتطلبه الاندماج في البورصات الأمريكية . ولدى سوق دبي المالي تجربة بهذا الخصوص، حينما اشترى بورصة ناسداك دبي في العام الماضي . وليس هناك ما يمنع بورصة الإمارات المرتقبة من امتلاك قاعات تداول متعددة، على ان تكون القاعات الرئيسية في أبوظبي، ودبي، بينما توزع القاعات الأصغر في بعض المناطق الاستراتيجية في الإمارات الأخرى، وعلى أساس عوامل الربحية، والوصول إلى أكبر عدد من المستثمرين .
وسيوفر الكيان المندمج الجديد، تداول الأسهم، والخيارات، والسندات بدرجة أقل (في شهوره الأولى)، في البورصة الموحدة والتي ستكون فريدة من نوعها في منطقة الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا مينا . ومن المؤمل أن تؤدي عملية الدمج إلى تطورات متسارعة بشأن إدراج سندات الشركات في أسواقنا، وهي خطوة ستجد الترحيب من قبل البورصة حيث إنها ستمثل مصدر دخل جديداً ينمو بعائداتها في المستقبل . أيضاً سوف يرسخ ذلك مكانة الإمارات القيادي في مجال الخدمات المالية، ويرسخ أيضاً كونها المركز المالي الأول في منطقة دول مجلس التعاون والمينا، من حيث الحجم، والتنظيم، وقابلية الدخول . أما المسائل الأخرى، فهي بنظري أقل أهمية، ويمكن حلها بسهولة، ويجب ألا تقف عائقاً أمام عملية الدمج .
وعليه، وفي ضوء ما يجري في هذه الأيام بشأن اندماج كبريات البورصات العالمية، تبقى فكرة توحيد سوقي أبوظبي ودبي الماليين، ضرورة ملحة أكثر منها ترفاً، ويجب إنجازها، في رأينا، عاجلاً لا آجلاً .
لقد تجاوزنا هنا في دولة الإمارات تحديات أكبر بكثير في الماضي لكي نصل إلى ما نحن عليه اليوم . ففي بلدٍ توحد في دولة اتحادية قبل 40 عاماً، وتمكن من توحيد جميع دوائره الحكومية، وقواته المسلحة، ومؤسساته المالية، تحت علم دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن مواجهة ما يسمى عراقيل، تبقى مجرد مطبات ونتوءات على طريق تأسيس بورصة إماراتية موحدة، وتكون بحق بورصة أكبر، وأفضل، وأكثر فاعلية . بورصة ترسخ مكانة الإمارات كمركز مالي رئيسي في مجلس التعاون الخليجي، ومنطقة مينا، وبحيث تكون الأكثر تقدماً بين نظيراتها من جهة خدمة المستثمرين المحليين والعالميين، من خلال توفير تداولات الأسهم، والخيارات (وربما المشتقات في المستقبل المنظور)، وأن تتحول إلى لاعب رئيسي حقيقي في عالم بورصات المنطقة والمينا الصغير مقارنة ببورصات الأسواق الناشئة والعالمية نسبياً .
يجب ألا نهدر فرصة إنجاز حدث بهذه الأهمية بالنسبة للأسواق المالية في الإمارات . وإذا كانت سنة 2011 تمثل مرحلة مهمة في صياغة مستقبل العالم، فلنجعلها نحن السنة التي ستبصر فيها بورصة الإمارات النور .
رئيس قسم الاستثمار لدى شركة كاب إم للاستثمار