قد تغرنا مظاهرهم فنجدهم يركبون أفخم السيارات ويرتدون أجمل الملابس ويحملون أحدث الهواتف ويتحدثون بألسن المثقفين . ولكننا في برهة نكتشف زيفهم ونسترجع ما أظهروه لنا من خداع فنحاول أن نربط بين ما كان وما هو الآن لنثبت لأنفسنا كم منهم يستطيع خداعنا بمظهره الكاذب . هذه هي المظاهر الخداعة التي قد نجد نماذجها كل يوم في حياتنا وتكلف أصحابها أموالاً وجهداً لكي يثبتوا غير حقيقتهم لمحيطهم ويكونوا ما يحبون وما ليس لهم علاقة به . حاولنا تسليط الضوء على هذه الظاهرة من خلال التحقيق التالي:
ابتهال أحمد صبح (موظفة استقبال في جامعة أبوظبي) لا تؤيد التظاهر بأي مظهر قد لا يعكس حقيقة الشخص سواء الداخلية أو الخارجية، حيث إن حبل الكذب والخداع قصير على حد قولها . وتضيف: إن من يتظاهر بغير حقيقته لابد أن يكون إنساناً يشعر بنقص في شخصيته وليس مقتنعاً بذاته، حيث يحاول دائماً الوصول لمستوى أعلى من مستواه الطبيعي، فعلى كل فرد أن يعرف حدوده ومستواه ويتأقلم على أساسه مع المجتمع، وأبشع خطأ بحقه هو عندما يعلم الناس زيفه وخداعه، وهذا ما يفقده مصداقيته .
إسراء يوسف طالبة في جامعة القاهرة، تعرض أحد أشكال المظاهر الخداعة فتقول: نحن مجتمع الشباب في الجامعة نهتم كثيراً بالملبس وبنوع السيارة التي نركبها وشكلها، وهذا ما يضطر الكثير من الطلبة والطالبات إلى اتباع وسائل عدة للظهور بمظهر أعلى من مستواهم الطبيعي فيكلفون أسرهم ما لا طاقة لهم به ويتبعون وسائل أخرى في حال عدم استجابة الأهل بشكل مطلق، فبعض الفتيات يبعن بعضاً مما يمتلكن من مصوغاتهن الذهبية لشراء ملابس تحاكي أحدث صيحات الموضة، وهذا الفعل تعويض عن نقص ما وتبذير مادي في الوقت نفسه .
أحمد عبدالكريم موظف في شركة ليمونيز للمقاولات، يقول عن المظاهر الكاذبة التي يتبعها الكثير من الناس: إن البعد عن ديننا الحنيف من أهم الأسباب التي دفعت الكثيرين إلى التشبث بمظاهر لا توافقهم، فما داعي الشاب إلى أن يركب أفخم السيارات ويكبل نفسه بديون قد لايستطيع سدادها لسنوات عدة؟ وما الذي يجبر الفتاة على أن تلبس أحدث الأزياء وتحمل أحدث الهواتف؟ ديننا يثبت فينا ثقتنا بأنفسنا ويربط بين النفس السليمة والسيئة ولو كل منا تمسك بهذه التعاليم لما اضطر للتقليد الأعمى للغرب الذي بات يلاحقنا وبات الكثير من الأشخاص يحاولون التشبه بمظاهر لا تمت لنا بصلة .
أمنية يوسف خريجة كلية الحقوق تقول: إن لفت الأنظار الهدف الرئيس لمن يتمسك بمظاهر بعيدة عن شخصيته الحقيقية، والشخص الذي يتبع هذه الوسيلة يعاني الفراغ ولا يملك ما يقدمه للمجتمع وهو بهذا السلوك يحاول جذب النظر إليه، فنرى الشباب يركبون سيارات فارهة ويقومون برفع صوت الموسيقا والأغاني الصاخبة ليسمعها كل من حولهم ويلتفت إليهم وهذا سلوك نلحظه كثيراً وننقده أكثر .
سارة محمد ترى أنه من الجميل أن يعتني الإنسان بملبسه كثيراً وأن يجاري الموضة السائدة لكن هذا لا يستدعي أن يحمل أكثر من طاقته خاصة على المستوى المالي .
صديقتها ملاك علي من مدرسة الريان في أبوظبي، تقول: إذا صادفت صديقة تخدعني بكلامها وبسلوك غير موافق لها ولطبيعتها ولمستواها سواء المادي أو غيره لن أتوانى عن مواجهتها، لكي تعرف أن خداع الناس أمر ليس بالسهل ويجب عليها أن تتوقف عن هذا السلوك لأنه معيب بحقها وبحقنا .
وتقول صفاء إسماعيل (صيدلانية): أعطي العذر للشخص الذي يجاري الناس بملبسه ومستواه لأنه يريد الوصول إلى مستواهم، إلا أنني لا أؤيده، لكنني أجد أن هناك بعض المهن مثلاً التي تستدعي من الشخص أن يظهر بمستوى معين حتى لو كان مخالفاً له ذلك أنه يجاري الوضع السائد، خاصة أن المغريات كثيرة والمناخ الاقتصادي مشجع على هذا السلوك .
قد يعزو الكثيرون سلوك الشخص المحب للمظاهر إلى مؤثرات بيئية واجتماعية معينة، إلا أن البعض الآخر يرجع هذا السلوك إلى شيء يتعلق بالعصرية التي نشهدها اليوم، وترى مسلمة رأفت (موظفة في شركة تأمين) أن السلوك الاستهلاكي الذي نشهده اليوم وأصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا هو كذلك أحد الأسباب التي تجعل الشخص ينحو للاستهلاك إلى ما لا نهاية .
يرى محمد أنور (مدير بيت الديكور) أن المظهر ليس فقط ملبساً وسيارة وبيتاً إنما هو أيضاً سلوك معين يجعلنا ننبهر أحياناً كثيرة بأصحابه . ويضيف: لا نريد دوماً أن نتحدث عن المظاهر الخداعة بشكل سلبي إنما هناك أوجه إيجابية عدة لها، إذ التقيت شخصية مرموقة مرة توقعت أن تكون هناك حواجز في الحديث بيننا، إلا أنني وجدتها شخصية متواضعة من كل النواحي، وهذا مظهر أو مركز اجتماعي خادع لكن بشكل إيجابي، أما الخداع المظهري السلبي فهو ذلك الذي تراه مثلاً يتحدث بثقة وشخصية وأسلوب يوحي بعظم المكانة الاجتماعية والمهنية، بينما يتضح عكس ذلك حين الاحتكاك الفعلي .
يوافقه ببعض الجزئيات صابر الأسيوطي (محاسب في شركة نفطية)، ويجد أن المظهر مهما كان لا يمكن الاعتماد عليه في التعامل، لكن الأمر دائماً بحاجة إلى تجارب عدة ليصل الشخص لهذه النتيجة، وقد تكلفه هذه التجارب زمناً وجهداً طويلاً وقد تحمل خسائر كذلك .
الإعلام يشجع الاستهلاك
يرى د . علي الكعبي أستاذ التربية مساعد العميد لشؤون الطلبة ودعم الخريجين في جامعة الإمارات، أن التظاهر بما ليس في الشخص أو ما نسميه المظهر الخداع للشخص، أصبح ظاهرة . ويقول: إن أهم ما يدفع الشخص إلى التصنع والتظاهر هو التعويض عن النواقص التي يشعر بها نفسياً واتخاذ هذه السلوكيات كتغطية لهذه النواقص كشراء أفخم السيارات والتورط في ديونها وارتداء أرقى الملابس واقتناء أحدث الهواتف والتصنع بثقافة عالية يكون مفتقدها ليظهر كالآخرين، التفاخر أحد مظاهر العرب قديماً، لكن الأمر لم يكن خارج حدود إمكاناتهم، بل كان للطبقة المتمكنة مادياً فقط، ويضيف: للإعلام تأثيره الواضح في السلوكيات المكتسبة لدى فئة كبيرة من الناس في ظل ضعف التوعية الإعلامية بهذه الظواهر، وللإعلانات دور كبير في الاستهلاك لكن الأمر هنا أيضاً يعود لرغبة الشخص ذاته وبقدر ما يكتسب من الإعلام، فنلحظ أن إعلامنا لا يزرع التوعية بهذا الأمر وشبابنا منجرفون وراء المظاهر الخداعة، وتوفر الإمكانات المادية الجيدة لدى فئة من الناس يدفع الآخرين إلى تقليدهم لكن بالانجرار إلى السلوك البعيد عن حقيقتهم، ولعل هذا الأمر يجعلنا نعيد التفكير في تركيبة الشخص النفسية ومدى شعوره بأن هذه المظاهر قد تضيف له الكثير وتعزز من ثقته بنفسه وتغطي نواقص أو عيوباً يشعر بها ولهذا يجب هنا أن نركز على بنائنا لذواتنا ونركز على دور الأسرة التربوي في تعزيز الثقة بأنفس أبنائها وتشكيل الوعي لديهم بأن هذه المظاهر ليست هي التي ترفع من شأنهم في مستقبلهم أو بعلاقاتهم بالمحيط المجتمعي، وأنه لا بد أن يعرف كل فرد حدوده وإمكاناته ويتأقلم معها بشكل لايضره ولايضر غيره .