تتمحور سورة آل عمران حول حادثتين: حادثة وفد نصارى نجران التي تمثل أول حوار للأديان في التاريخ، وهي تعلمنا فكرة مناقشة أهل الكتاب عامة، والحادثة الثانية غزوة أحد وتدلنا على كيفية الثبات العملي، ورغم أن غزوة أحد وقعت قبل حادثة وفد نجران إلا أن ورودها بعدها إنما هو لتحقيق فكرة الثبات على العقيدة أولا ثم الثبات في مواجهة أعداء العقيدة ثانياً . ونلاحظ أن بداية السورة ونهايتها يدلان على أن الحق مع أمة محمد، وأن علينا أن نتمسك به، ونثبت عليه: (نَزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَق مُصَدقاً لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) (آل عمران 3)، و(يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتقُواْ اللّهَ لَعَلكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران 200) .
ويمكن القول إن سورة آل عمران تركز على الثبات على الحق، والآيات كثيرة في الثبات: (يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُواْ اتقُواْ اللّهَ حَق تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُن إِلا وَأَنتُم مسْلِمُونَ) (آل عمران 102)، (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرقُواْ) (آل عمران 103)، (وَكَأَين من نبِي قَاتَلَ مَعَهُ رِبيونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِب الصابِرِينَ) (آل عمران 146 )، (يا أَيهَا الذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتقُواْ اللّهَ لَعَلكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران 200) .
حب الشهوات
وسورة آل عمران تُحذّر من الأشياء التي تضيع الثبات وتشكل عقبة في طريقه: (زُينَ لِلناسِ حُب الشهَوَاتِ مِنَ النسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذهَبِ وَالْفِضةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَومَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران 14)، (إِن الذِينَ تَوَلوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنمَا اسْتَزَلهُمُ الشيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِن اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (آل عمران 155)، وهي تدل على أن الذين تولوا في غزوة أحد من المسلمين استزلهم الشيطان نتيجة بعض ذنوبهم السابقة، (أَوَلَما أَصَابَتْكُم مصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِن اللّهَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران 165)، أي كان المسلمون قد انتصروا أول الأمر على الكفار ثم نتيجة حب الشهوات عصوا الرسول لذا فإن ما أصابهم هو من عند أنفسهم ومن معاصيهم .
ثم تتحدث السورة عن أن عوامل الثبات تتمثل في اللجوء إلى الله تعالى: (رَبنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لدُنكَ رَحْمَةً إِنكَ أَنتَ الْوَهابُ) (آل عمران: 8)، والآيات في آخر السورة (رَبنَا إِنكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * ربنَا إِننَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبكُمْ فَآمَنا رَبنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفرْ عَنا سَيئَاتِنَا وَتَوَفنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (الآيات: 192 و193 و194) .
ومما يعين على الحق وعلى الثبات عليه الأخوة الصالحة ولذلك تركز سورة آل عمران على الأخوّة في الدين بشكل شديد: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ منَ النارِ فَأَنقَذَكُم منْهَا كَذَلِكَ يُبَينُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: 103)، و(وَلاَ تَكُونُواْ كَالذِينَ تَفَرقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَينَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران: 105) .
عوامل التثبيت
تقوية عقيدة المسلمين قبل النقاش: (شَهِدَ اللّهُ أَنهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُو الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِن الدينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلا مِن بَعدِ مَا جاءهُمُ الْعلْمُ بَغْيًا بَيْنهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِن اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإنْ حَآجوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتبَعَنِ وَقُل للذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُميينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وإِن تَوَلوْاْ فَإِنمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (الآيات: 18-20)، والآيات: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون) (آل عمران: 83)، (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: 85) .
إيجاد نقاط اتفاق بين المسلمين وأهل الكتاب (الآية 64 و84) (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا من دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنا مُسْلِمُونَ)، (قُلْ آمَنا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنبِيونَ مِن ربهِمْ لاَ نُفَرقُ بَيْنَ أَحَدٍ منْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) .
الحجج والبراهين وسيلة القرآن للتثبيت: من أسس الحوار والمناقشة بعد ما سبق أن نقيم الأدلة العقلية والمنطقية لإقناع من نحاورهم: (إِن مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِم قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (آية )،59 (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلا مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (آية 65)، (هَاأَنتمْ هؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحآجونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (آية 66) . تحذير أهل الكتاب من التكذيب: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَق بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَق وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (الآيتان: 70 و71) .
التحدّي الشديد: (فَمَنْ حَآجكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُم نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (آية: 61) .
العدل في النظرة إلى أهل الكتاب: (وَمنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤدهِ إِلَيكَ وَمِنْهُم منْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنهُمْ قَالُواْ لَيسَ عَلَيْنَا فِي الأُميينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (75)، (لَيْسواْ سوَاء منْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمةٌ قَآئِمةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء الليْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) (113) .
الثناء على الأنبياء الذين أُرسلوا إلى اليهود والنصارى: (إِن اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) ( 33)، (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِن اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ) (42) .
بعد كل هذه البراهين يثبت المؤمن فكرياً، ونلاحظ أن القسم الأول من السورة اختتم بآية تتكلم عن الثبات: (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتقُواْ لاَ يَضُركُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِن اللّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (آل عمران120)، واختتمت آيات القسم الثاني بآية تتكلم عن الثبات أيضاً: (يا أَيهَا الذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتقُواْ اللّهَ لَعَلكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران 200)