حديث الذاكرة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، يأتي بعد كتاب سرد الذات، ويؤرخ سموه في هذا الكتاب للأحداث والمواقف في مرحلة من أهم المراحل التي مرت بالوطن إبان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة وما رافق قيامها من تحديات ومواقف .
إبراهيم بوملحة كتب قراءة في هذا التأريخ القيم لمرحلة مهمة من تاريخ الدولة والمنطقة تنشرها الخليج على حلقات .
سلطان أنزل العلم المفروض من الإنجليز ورفع علم الاتحاد
يحكي الكاتب وهو في نهاية زيارته لفرنسا تلقيه نبأ مقتل الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله في 20 مارس/ آذار 1975 متأثراً بجراحه بعد أن أطلق أحد أفراد الأسرة المالكة النار عليه . . وكان أهم ما يتذكره عنه أنه كان يتمنى أن يصلي في المسجد الأقصى بعد تحرره من نير الصهيونية، وينقل عنه أحد تصريحاته وأقواله التي تصب في دعم العمل العربي والتوجه القومي وتأكيده سعي المملكة إلى تحرير كل البلاد العربية . .
ويشرح الشيخ سلطان كيفية مقتل الملك فيصل رحمه الله على يد ابن أخيه فيصل بن مساعد بن عبدالعزيز آل سعود الذي تبين أنه مختل الشعور من ص117 إلى .118 . وبصفة الكاتب أحد المثقفين والمهتمين بالتاريخ والوثائق فلا ينسى في زيارته لتونس أن يزور الزيتونة وبعض المكتبات حيث أطلع على أهم المخطوطات الإسلامية لأن لهذه المخطوطات ذوقاً وبريقاً وجاذبية في عين الشيخ سلطان وقلبه لا يستطيع مقاومته . . ويعدّ الشيخ سلطان من أهم الأشخاص الذين يهتمون بالمخطوطات ويمتلك عدداً كبيراً منها يسد بها فراغاً في المكتبة الإسلامية، ولذلك فإنه كان يحرص بشكل متواصل على إنشاء وافتتاح عدد من المتاحف في الشارقة والتي أصبحت تحوي كثيراً من هذه المخطوطات ص 120 .
اللقاء مع السادات
والشيخ سلطان صادق مع مبدئه وتوجهه لا يناور فيه مطلقاً وإنما هو صريح في ذلك إلى غاية بعيدة حتى ولو أغضب هذا الصدق والصراحة غيره من الناس ولو كانوا من الكبار والقادة . . ففي زيارته لمصر ولقائه السادات في 2 إبريل/ نيسان 1975 في القناطر الخيرية واحتفاء السادات به، حيث كان يرحب به بقوله أهلاً أهلاً بابن مصر، وعندما أخذ السادات يشرح ظروف حرب أكتوبر وكيف أن السوفييت لم يمدوه بالسلاح، هنا تدخل الشيخ سلطان لمعرفته بتفاصيل الموضوع فقال (الله يرحم جمال عبدالناصر كان قد أعد كل شيء للمعركة قبل وفاته)، وهنا تكهرب جو المحادثة واكفهرّ وجه السادات وأخذ ينفث دخان غليونه مرات كثيرة في دلالة واضحة على توتره وغضبه من كلمة الشيخ سلطان بحق عبدالناصر، وساد المكان سكوت تام ما اضطر الشيخ سلطان إلى الانسحاب فوقف ومد يده ليودع السادات الذي مد يده وقال له مع السلامة من ص121 إلى123 . وفي زيارته تلك التقى الكاتب الدكتور محمد حافظ غانم الأمين الأول للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي في مقر الاتحاد الاشتراكي وكان قد التقاه قبل سنتين وكان في ذلك الوقت يمدح في عهد عبدالناصر ولكنه اليوم قد تغير عن ذي قبل فأخذ يصب جام غضبه على عبدالناصر بقوله (خذنا أيه من عهد عبدالناصر مصانع خربانة والسد العالي الذي حجز الطمي وأهلك الزراعة) . . ويعتبر الشيخ سلطان ناصرياً ومن محبي عبدالناصر، وتلاميذ مبادئه لا يقبل فيه طعناً ويعدّه خطاً أحمر لا يرضى فيه نقداً ولا تجريحاً فهب يرد على الدكتور بقوة ويبين له عدم صحة حكمه على عهد عبدالناصر، وأن السد العالي لم يهلك الزراعة بقدر ما حماها في فترة الجفاف وأنتج الكهرباء التي مدت خطوطها إلى القرى والنجوع بأثمان زهيدة . . ومن أهم ما قاله له رداً على اتهامه بأن المصانع كانت خربانة (تقول مصانع خربانة تلك التي أخذت حكومة الإمارات حصة فيها قدرت بملايين الدولارات لذلك لابد من أن أراجع حكومتي للانسحاب من تلك المصانع التي صحبها الغش في التثمين) ص123/ 124 . فكان لرد الشيخ سلطان في هذه النقطة بالذات وقع الصاعقة عليه حيث تخوف من أن يصعّد الشيخ سلطان الموضوع إلى أعلى المسؤولين فيعود عليه بالضرر الكبير .
والشيخ سلطان مرح لطيف صادق كما قلت، لا يكاد يخفي ما يحدث له شيئاً ولو كان مسيئاً له، فيكمل في لقائه مع الدكتور محمد حافظ غانم بأنه بعد أن خرج من عنده صب جام غضبه على الصحفي زكريا نبيل الذي نقل للشيخ سلطان أنه عندما سأله المذكور بداية عنه قال له الصحفي إنه ابن مصر وعندما خرج الشيخ من عنده رفع صوته وقال له هل هذا ابن مصر؟ ده جيزاوي ومرقّع . . بمعنى أنه عارف كل شيء ص 124 .
التمسك بعروبة الجزر
وفي أثناء زيارة سابقة للشيخ سلطان إلى مصر زاره الأمين العام لجامعة الدول العربية محمود رياض في 3/7/1973م ويذكر الكاتب أن هذه الزيارة سببت له إزعاجاً كبيراً، حيث زار بعده مصر السيد خلعتبري وزير خارجية إيران واجتمع مع الرئيس أنور السادات ثم محمود رياض الذي علم منه عن موضوع زيارة الشيخ سلطان وما دار فيها من مناقشة حيث قام بدوره بإخبار وزارة الخارجية الإنجليزية بأن الشيخ سلطان حاكم الشارقة أثار في جامعة الدول العربية قضية الجزر وعائدات النفط من المياه الإقليمية حولها، ما أزعج الإنجليز وخوفهم على مصير الاتفاقية البترولية الموقّعة مع الشارقة، وعندما زار السفير الإيراني في لندن الشيخ سلطان وسأله عن موضوع الخبر أنكره ونسب إلى السيد محمود رياض إبلاغه بأن بعض الدول العربية تعمل على تصعيد قضية الجزر واقتراح الأمين العام توقيع اتفاقية بتنازل العرب عن جزيرتي طنب لإيران مقابل اعتراف إيران بنفوذ وسيادة العرب على جزيرة أبوموسى . ويكمل الشيخ سلطان تفاصيل هذا الموضوع من ص 63 إلى 65 .
وسلطان مؤمن بأهمية الاتحاد وحتميته لأن في نظره أن الاتحاد أمل الجميع وغايته وأنه لا مكان للكيانات الصغيرة، يقول ص193 (الاتحاد غاية الجميع ولا توجد أماكن للكيانات الصغيرة بين الأمم ) وذلك ما صرح به لمجلة منار الإسلام في 27 مايو/ أيار 1976 حيث يقول إن الشارقة، من موقع المسؤولية وكجزء من دولة الإمارات، تتفاعل مع الاتحاد، ترتبط بحاضره، وتعيش أمجاده، ومكانتها في ظل الاتحاد، وإن إسهام الشارقة في الاتحاد ظاهر للعيان، فنحن منذ تكوين الاتحاد الجزء الفعال فيه على مستوى المؤسسات وعلى مستوى الشعب، وقد أدمجت معظم الدوائر المحلية بالاتحاد، وهو إسهام من الشارقة في تدعيم الكيان الاتحادي . . وكان الشيخ سلطان لا يترك مناسبة في ذلك الوقت وخاصة الإعلامية منها إلا ويستغلها لدعم الاتحاد وتسويق فكرته وبيان إيجابياته وكان له في ذلك لقاء مع صحيفة القبس الكويتية وصحيفة الاتحاد الإماراتية في 6 مارس/ آذار 1976 أجاب فيها عن الأسئلة التي وجهت إليه وضّح فيها وجهة نظره في كثير من المسائل . . كما أجرت معه مجلة المجالس الكويتية لقاء نشر في 20 أبريل/ نيسان ،1976 كما كان له لقاء ثالث في 16 أبريل/ نيسان 1976 مع مجلة صوت الخليج وكذلك مع جريدة القبس الكويتية وصحيفة الاتحاد الإماراتية . . ويبين في ذلك الوقت كثرة زيارات ومقابلات الشيخ سلطان ولقاءاته الصحفية بهدف تسويق فكرته الوحدوية ودعم كيان الاتحاد ومؤسساته وجعله معلماً ثابتاً في ضمير ووجدان الشعب وعقله .
ويذكر الشيخ سلطان في ترجمته كثيراً من تفصيلات اللقاءات التي عقدها والزيارات التي قام بها والأمكنة التي ذهب إليها، ما يبين أن الكاتب كان يوثق تفصيلات وأحداث أيامه بشكل تام . . لأن ما ورد فيها من دقائق لا يمكن أن يتذكرها الإنسان بعد فترة طويلة من حدوثها إلا إن كان تسجيلها قد تم في يومها . . وقد ثبت الاتحاد كتجربة وحدوية شهدتها المنطقة العربية ونجح في مجاله نجاحاً كبيراً أدى إلى لفت الأنظار ناحيته من خلال تأسيس مؤسساته وتقديم خدماته وجعله ثابتاً راسخ المعالم في نفوس أبنائه ومواطنيه وقد حقق في ذلك خطوات بعيدة المدى .
لجنة دعم الاتحاد
وقد شكّل المجلس الأعلى لجنة برئاسة الشيخ سلطان لبحث أوجه دعم الكيان الاتحادي وتقويته، حيث اجتمعت اللجنة وقدمت تقريراً للمجلس الأعلى في عشر صفحات والذي اجتمع لمناقشته برئاسة الشيخ زايد في 20 إبريل/ نيسان 1975م لغرض تفعيل مقترحات دعم الكيان الاتحادي وتقوية مؤسساته وتوحيد أركانه . . وفي21 أكتوبر/ تشرين الأول 1975 عقد الشيخ زايد مؤتمراً صحفياً مهماً طرح فيه كثيراً من القضايا الداخلية المهمة التي من شأنها دعم وتقوية كيان الاتحاد وتعرض لكثير من المسائل الجوهرية سواء كانت إيجابية لتقوية الروابط الاتحادية أو كانت سلبية لها تأثيرها في خطوات الاتحاد وكيانه في كثير من المجالات، وقد أحدث هذا المؤتمر حراكاً واهتماماً بالغاً في الإمارات وخارجها، ومن ضمن من تأثر بذلك وسانده ووقف بجانبه الشيخ سلطان حيث ألقى كلمة بمناسبة افتتاح مبنى دائرة المرور في الشارقة في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975م تحدّث فيها إلى المواطنين بود وإخلاص وتعرض إلى كثير من الموضوعات المهمة ونقد كثيراً من السلبيات، وطالب الحكام بدمج الأجهزة المحلية في جهاز اتحادي واحد، وأبان لهم بأن تلك إرادة الشعب عامة الذي يهفو إلى مثل هذه الخطوات الإيجابية التي ينتظرها . . وفي نهاية كلمته أعلن قراراته المهمة والمصيرية التي كان لها أثرها وتأثيرها على مستوى المسيرة الاتحادية مستقبلاً، وذلك بدمج الأجهزة المحلية في الشارقة في الجهاز الاتحادي مثل الشرطة والأمن العام والعدل وإذاعة الشارقة والمواصلات السلكية واللاسلكية والحرس الوطني بقوله (ونحن هنا في الشارقة نعلنها صريحة واضحة أن الوحدة هدفنا)، وكانت لحظات مهمة ومؤثرة التقى بعدها في مساء ذات اليوم مع ممثلي الصحف ووسائل الإعلام المحلية والعربية ليجيب عن كثير من أسئلتهم واستفساراتهم في هذا الشأن المهم . . وقد كان الشيخ زايد متفاعلاً مع هذه القرارات راغباً فيها وداعماً لها بشتى أشكال الدعم والمساندة، فقد وصل إلى الشارقة في اليوم التالي 5 نوفمبر 1975 لتقديم التهنئة للشيخ سلطان والمباركة له بهذه الخطوة المتقدمة الداعمة لكيان الاتحاد واستقبلته جماهير الشعب بالهتافات والأناشيد والأعلام واللافتات . . وتم رفع أعلام الاتحاد على تلك الدوائر والمؤسسات بدلاً من علم الشارقة وبدأت المسيرات في أنحاء الشارقة تأييداً لحاكمهم وترديد الهتافات بضرورة الوحدة، ومما جاء في كلمة الشيخ سلطان في هذه الحشود . . (إن الشعب يطالب حكامه اليوم بدمج الأجهزة المحلية في جهاز واحد اتحادي وتحت علم واحد ورئيس واحد ولا أظن أن فينا من يخالف هذا الرأي أو يقف ضد إرادة الشعب . . إن هذه الإرادة لها قوتها ولها وزنها ولها حساباتها وأنا هنا باسمكم أقول إن الدمج ضرورة حتمية تتطلبها المرحلة الراهنة التي تمر بها دولة الاتحاد) .
علم القواسم
وعندما أنزل الشيخ سلطان علم الشارقة ورفع مكانه علم الاتحاد تأثر بعض المواطنين وكأنهم أشاروا فيما بينهم إلى أن سلطان أنزل علم القواسم، فبين لهم وشرح لهم حقيقة هذا العلم الذي فرض المعتدون الإنجليز على القواسم رفعه على سفنهم بعد هزيمتهم في 8 يناير/ كانون الثاني 1820م وذكر لهم بأن علم القواسم الأصلي الذي أنزله الإنجليز لحظة هزيمتهم واحتلال أرضهم كان بثلاثة مستطيلات من أعلى إلى أسفل الأحمر فالأبيض فالأسود وكتب باللون الأخضر على المستطيل الأبيض (نصر من الله وفتح قريب)، لذلك لم يكن الشيخ سلطان العارف بالتاريخ الوطني نادماً على إنزال ما يعده البعض علماً للقواسم بينما يراه هو ذاته علماً فرض عليهم وقت هزيمتهم واستمر لحين إنزاله بيد الشيخ سلطان عندما أعلن دمج أجهزة إمارة الشارقة في المؤسسة الاتحادية الشاملة ورفع علم الاتحاد مكانه . . وذكر لهم بأن ما قام به كان إعادة الكرامة لمواطني الشارقة في إلغاء هذا العلم الذي فرضه الإنجليز . . وقد أحدثت خطوات الشيخ سلطان أثرها لدى الإمارات الأخرى .
ويذكر أنه في اجتماع المجلس الأعلى في 15 نوفمبر 1975م وافق كل من حاكم عجمان وأم القيوين والفجيرة على اتخاذ نفس الخطوات في دمج الدوائر والمؤسسات المحلية في المؤسسات الاتحادية واستبدال علم الإمارة بعلم الاتحاد .
ومن أهم ما اتخذ في هذا الاجتماع من قرارات هو قرار الشيخ زايد بإلغاء علم أبوظبي واستبداله بعلم الاتحاد وإنشاء جامعة الإمارات وتأسيس مجلس للمحاسبة وتقديم 50% من عائدات أبوظبي إلى موازنة الإمارات العربية المتحدة، ما يمثل فيضاً من السخاء والشعور بالمسؤولية الوطنية من ص130 إلى 141 .
انتماء ديني وفكري
ومن باب شفافية الشيخ سلطان ومصداقيته وعدم مجاملته على حساب المبدأ الذي يقتنع به، أنه في زيارته إلى الصومال في 20 يناير 1976م ولقاءاته بالرئيس الصومالي سياد بري . . ففي أحد لقاءاته كان الرئيس يتحدث عن الشيوعية كمنهج للحياة فاعترض عليه الشيخ سلطان بقوله (جاهل من يستورد الأفكار من الخارج، حكيم من ينمي أفكار شعبه) وبعد ترجمة تلك الكلمات له بان عليه الغضب وأخذ يتمتم ببعض الكلمات باللغة الصومالية التي لم ينقل المترجم فحواها للشيخ سلطان وقتها، ولكن بعد فترة من الزمن عندما اختلف المترجم أحمد حسن مع سياد بري وزار الشيخ سلطان في الشارقة سأله عن تلك التمتمات التي كان يقولها سياد بري في اللقاء بينهما فقال له المترجم إنه كان يقول ملعون ملعون يصف الشيخ سلطان بالجهل .
وهذا يدل على أن الشيخ سلطان صادق في ما ينقل حتى وإن كانت بعض المواقف والمقولات تمسه شخصياً . . فمن مدى شفافيته ما كان له أن يحذف شيئاً من ذلك مطلقاً حتى ولو كان فيه إساءة إليه، ورغم ذلك فقد قدم الشيخ سلطان مساعدات للصومال باسم الشيخ زايد الذي كان قد فوّضه فيها . . والذي يلفت النظر فيما نقله الشيخ سلطان أن الرئيس سياد بري طلب حذف فقرة في البيان المشترك تنص على وحدة العقيدة الإسلامية والمحافظة على مبادئ الإسلام السامية، فرفض الشيخ سلطان ذلك وطلب مقابلته وعندما علم الرئيس أن الشيخ سلطان لن يلغي المشروعات والهبات التي قدمتها دولة الإمارات للصومال لأن تلك هبات من الشيخ زايد لم يشترط مقابلها أي شي وافق الرئيس الصومالي على جميع ما ورد في البيان دون حذف من ص143 إلى ،147 فهذان نوعان من القيادة فكر أصيل نابع من عمق الانتماء الديني والفكري للأمة العربية والإسلامية يحمله الشيخ سلطان ويعبر عنه بأقواله وتصريحاته ومواقفه وينتصر له في كل المواقف والمواقع دون تنازل أو مساومة، وفكر دخيل لا أصالة وانتماء له يطفو على السطح فترة ثم يزول مع أصحابه دون أن يبقى منه ما يؤثر في الحياة سوى ذكريات بائسة لا قيمة لها .
وقد كان مقرراً أن يزور الشيخ سلطان السودان بعد الصومال في 26/1/1976 ولكن صادف أن تم إعدام 23 من الذين قاموا بمحاولة انقلابية على الرئيس جعفر نميري، ما اضطر الشيخ سلطان إلى إلغاء زيارته لعدم مناسبتها للظروف الحاصلة هناك، وكأنه أراد ألا ترتبط زيارته في ذهن الشعب السوداني بهذه الحالة الدامية في السودان .
ولطرافة الشيخ سلطان التي لا تفارقه ومداعباته التي تأتي طبق مناسبتها قال للسودانيين (كنتم تذبحون العجول لضيوفكم فما بالكم تذبحون البشر لي)، في استنكار ورفض لهذا التصرف في إطار من الفكاهة الهادفة إلى معنى واضح وعميق ص ،147 وبقدر ما كان الشيخ سلطان يتمتّع بقوميته وعمله الدؤوب من أجل تأكيد وتجذير هذه القومية في مجتمعه كما ذكرت فإنه بقدر ذلك وأكثر منه مؤمن بعقيدته عامل على تنميتها في قلوب الناس وتصحيح مفاهيمها في عقول معتنقيها، داعم لأنشطة المسلمين في العالم ومن ذلك تأتي زيارته لأمريكا لهذا الغرض . . فحين كلمه الدكتور عزالدين إبراهيم عن أمة الإسلام وما تحتاج إليه في شخص رئيسها وارث الدين محمد وسفره إلى هناك واجتماعه معهم لهذا الغرض النبيل، يصور الكاتب كيف استقبله في مطار شيكاغو في 3/5/1976 ما يقرب من مئة ألف من جماعة أمة الإسلام يتقدمهم زعيمهم وارث الدين محمد على طول الطريق كانت جموع المسلمين تهرول على جانبي الموكب ومن ضمنهم كان الملاكم محمد علي كلاي حيث ازدحمت الشوارع وتعطّل المرور، وفي مساء ذلك اليوم اجتمع مع زعيم الجماعة ارث الدين محمد والذي عرف الشيخ سلطان أنه ابن زعيم الجماعة الأصلي الذي توفي وقد كان أسلم على يد مهاجر باكستاني اسمه فرد محمد وبعد ثلاث سنوات اختفى فرد محمد فأخذ اليجا محمد زعيم الجماعة يخوض في أحكام ومعتقدات الإسلام على غير هدى ولا بينة، وادعى أنه رسول وأن فرد محمد هو جبريل وأنزل عليه القرآن، ولكن الابن أخذ يلاحظ هذه الأمور على ادعاءات والده والتي لا يقبلها العقل ويريد من الشيخ سلطان أن يصححها تمهيداً لإعلان التغيير في هذا المعتقد . . وفي احتفال في المسجد حضره الشيخ سلطان الذي طلب منه إلقاء كلمة فيه ليتسنى بعدها لأمير الجماعة وارث الدين إعلان التغيير المطلوب في فكر الجماعة ومعتقداتها، وبعد إنهاء الشيخ لكلمته وسط تكبير الجماعة أسرع زعيمها إلى المنصة ليقبل يد الشيخ الذي احتضنه والدموع تبلل وجهه وخاطب زعيم الجماعة أعضاءها بقوله (ما نحن فيه ليس بإسلام كامل . . الإسلام الكامل والصحيح لدى هذا الشيخ)، وقال إن والده ليس برسول وإنما هو إمام من أئمة المسلمين وأن فرد محمد ليس جبريل وإنما رجل باكستاني يستطيع هذا الشيخ أن يحادثه بالهاتف أمامكم وطلب منهم أن يسلموا من جديد وينطقوا بالشهادتين التي أخذوا يرددونها خلفه وصلوا جميعاً بإمامة الدكتور عزالدين إبراهيم بصوته الجهوري الجميل الذي ينبعث من مكبر الصوت ليملأ الساحة والشوارع المحيطة بالمسجد التي استقطبت جموعاً من الناس تتسلق الأسوار المحيطة بالمسجد للتفرج على أداء الصلاة في أكبر شوارع شيكاغو . وهناك مزيد من التفاصيل يمكن للقارئ أن يراجعها فيما سرده الكاتب بصورة مشوقة في الصفحات من ص154 إلى 163 .
وعلى مائدة طعام حاكم ولاية تنيسي بالولايات المتحدة الأمريكية شاغل نظر الشيخ سلطان رجل أمريكي أسمر من أصول إفريقية يقدّم أطباق الطعام على المائدة سلّم عليه بصيغة سلام المسلمين، وعندما رآه حاكم الولاية منشغلاً به أعطاه فكرة عنه من أنه مسجون في قضية قتل في حانة للخمور وهو في آخر أيام سجنه يستعين به لهذا الغرض، وأنه على خلق كريم يأتي من السجن صباحاً ويرجع إليه مساءً وهو رئيس المسلمين في السجن فردّ الشيخ سلطان (لابد أن يكون هكذا) . وعند توديع الشيخ سلطان على باب منزل حاكم الولاية اصطف المدعوون من علية القوم لتوديعه فأسرع ذلك المسجون ليفتح له باب السيارة فأمسك الشيخ سلطان بيده وودعه قبل أن يودع علية القوم، ما أثار غضب حاكم الولاية لاستغرابه من أن يقوم الشيخ سلطان بمثل هذا التصرف، وعندما لامه على ذلك أثناء طريقهم في السيارة إلى المطار من أنه عبد، فردّ الشيخ سلطان إنه أخي في الإسلام، قال له أنت أمير وهو عبد فردّ عليه الإسلام يساوي بيني وبينه فطلب منه كما يذكر الشيخ سلطان في كتابه، أن يحدّثه عن الإسلام . . أي كأن قلبه انبسط وسريرته انشرحت لهذا الإسلام الراقي في تعامله مع الناس جميعاً دون تمييز ولا تفرقة بينهم، فردّ عليه (سيحدّثك عن الإسلام ذلك المستخدم السجين) . هذه قصة مؤثرة من واقع مواقف وتصرفات الشيخ سلطان يمثل فيها بسلوكه دعوة للإسلام تلفت نظر من حوله، حتى أن حاكم الولاية يريد منه أن يحدثه عن الإسلام هذا الدين الذي يجعل الشيخ سلطان في مثل هذا الموقف الذي يحضره حاكم الولاية وعلية القوم فيها أن يهتم بذلك الإفريقي المسجون ويوليه عنايته واهتمامه قبل اهتمامه بمن حوله من المسؤولين وأصحاب المقامات العالية بحكم أنه أخوه، إذ إن الإسلام دين سواسية لا يفرّق بين أحد وآخر من البشر من ص 165 إلى 167 .