حديث الذاكرة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، يأتي بعد كتاب سرد الذات، ويؤرخ سموه في هذا الكتاب للأحداث والمواقف في مرحلة من أهم المراحل التي مرت بالوطن إبان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة وما رافق قيامها من تحديات ومواقف .

إبراهيم بوملحة كتب قراءة في هذا التأريخ القيم لمرحلة مهمة من تاريخ الدولة والمنطقة تنشرها الخليج على حلقات .

جماهير الإمارات زحفت إلى أبوظبي لمناشدة زايد التراجع عن قراره بالتنحي عن الرئاسة

من ضمن خدمات الشيخ سلطان للمسلمين في الدول الأوروبية أنه قام بعمل لجنة لترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية وتسجيلها على أشرطة ليتمكن من في أمريكا والدول الناطقة بالإنجليزية من فهم القرآن الكريم ويؤرخ في الكتاب لكثير من زياراته ومقابلاته ولقاءاته وأخباره وهذه الخدمات الجليلة التي تعم فائدتها جميع المسلمين في العالم . . والشيخ سلطان كما قلت في أثناء هذا البحث من العروبيين والقوميين الذين يحملون في جوانحهم الاهتمام بقضايا العرب وذلك ما تجلى في اجتماعه في أمريكا أثناء زيارته لها في 11/6/1973م ولقائه بنائب وزير الخارجية الأمريكية (كينث رش) حيث يذكر أن آراءه كانت في تلك الاجتماعات تدور حول القضية العربية والاستفادة من صداقة العرب وعدم الانحياز لأعدائهم ص 39/40/41 .

وعلى إثر الجهد الذي كان يبذله الشيخ سلطان بإيصال الصوت العربي والقضايا العربية إلى أذهان الأجانب من المؤثرين في السياسات العالمية كان من نتيجته اقتناع بعض أولئك بحقوق العرب المشروعة وقيامهم بدور إيجابي في دعمهم والوقوف بجانبهم من أولئك (جيمس إيكنز) من وزارة الخارجية الأمريكية الذي كان سفيراً لأمريكا لدى المملكة العربية السعودية من عام 1973 - ،1976 والذي كانت بينه وبين الشيخ سلطان صداقة خلال وجوده في السعودية واستمرت بعدها وكان كما يقول الكاتب عنه (مناصراً للقضايا العربية وقد أسس مؤسسة (إذا عرف الأمريكيون) اتخذت مواقف مضادة للجمعية الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة والمعروفة ب (أيباك) والتي تعمل ضد الفلسطينيين والعرب) ص 39 .

توحيد القوات المسلحة

ومن أسعد أيام الشيخ سلطان كما يبين من حديثه يوم تم توحيد القوات المسلحة في دولة الإمارات وهي كما يقول (الأمنية التي طالما دعوت إليها) ويعتبر خبر ذلك التوحيد عندما وصل إلى مطار الشارقة بشرى بالنسبة إليه فيقول (ما إن هبطت رجلي أرض مطار الشارقة إلا وقد التف حولي جمهور كبير من أبناء الشعب حاملين إليّ بشرى توحيد القوات المسلحة في دولة الإمارات) . . إذ كان قد صدر في يوم 6/5/1976 عندما كان الشيخ سلطان في زيارة لأمريكا إعلان المجلس الأعلى للدفاع بدمج القوات المسلحة تحت علم واحد وقيادة واحدة وذلك كما ورد من ص185 إلى ص 188 .

ويتحدث الشيخ سلطان بشكل لافت ومؤثر عن موضوع تنحي الشيخ زايد عن رئاسة الاتحاد فيذكر أنه انتشر بين الناس في بداية أغسطس/ آب 1976م خبر مفاده بتنحي الشيخ زايد عن رئاسة الاتحاد وسرى بين الناس سريان النار في الهشيم وقد تفاجأ الجميع مواطنين وأعضاء المجلس الأعلى بهذا القرار الذي رفضوه جملة وتفصيلاً وإجماعهم على بقائه رئيساً للاتحاد ويصور مطار أبوظبي في مساء يوم الخميس 9 سبتمبر/ أيلول 1976 عند عودة الشيخ زايد بعد سفر دام أكثر من شهر زار خلالها الصومال وحضر مؤتمر عدم الانحياز بسريلانكا حيث امتلأ المطار بآلاف المواطنين الذين أتوا من جميع الإمارات رافضين هذا التنحي مطالبين الشيخ زايد بالبقاء والتمسك به وفي خضم هذه الجموع المحتشدة والنداءات التي كانوا يطلقونها سأل مندوب صحيفة الاتحاد الشيخ سلطان عما يجيش في صدره فكان رده كالتالي ص 202 (إن أبناء دولة الإمارات مصرون على بقاء زايد قائداً للمسيرة الاتحادية في الحاضر والمستقبل وأملي في أن يعدل رئيس الدولة عن قرار اعتزامه التنحي عن رئاسة الاتحاد فنحن لا نريد بديلاً ولا نريد أن يتركنا في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها أمتنا ويأمل أبناء الشعب والمواطنون جميعاً أن يقود زايد مسيرة الأمة في الفترة القادمة بل والفترات اللاحقة إن شاء الله ونحن من ورائه نؤازره ونناصره داعين له بالتوفيق والسداد لما فيه جمع شمل وتوحيد الكلمة وتحقيق الخير والرفاهية لهذا الشعب والوطن) .

ويصور الشيخ سلطان مشهد استقبال الشيخ زايد بأنه ما كاد يخرج من الطائرة حتى تعالت الهتافات وارتفعت الأصوات بعفوية وصدق حيث تحولت كلها إلى كلمة واحدة زايد زايد زايد ومر زايد بسيارته بصعوبة بين الجماهير المحتشدة التي التفت حوله تناديه وتطلب منه الاستجابة والبقاء رئيساً لهم . . وتنطلق سيارة الشيخ زايد وأرتال سيارات المواطنين من ورائه وقد أحاطت الجماهير بقصر البطين وأصواتها تخترق المدى إلى داخل القصر تنادي باسم زايد الذي طلب فتح أبواب القصر أمام المواطنين ليندفعوا داخل القصر مطالبين زايد بما يتمنونه من بقائه في رئاسة الدولة .

ويحكي الكاتب بالتفصيل عن هذا الموضوع وذلك من بداية إعداد دستور دائم للدولة والذي رفعته اللجنة التأسيسية المكلّفة بإعداده للمجلس الأعلى الذي اجتمع في 21 فبراير/ شباط 1976 واطلع على تصور اللجنة ومن ثم أحيل إليها ثانية لوضعه في صيغته النهائية على أن يقدم في 9/3/1976م وفي الوقت المحدد اجتمع المجلس ووافق على ما أبدته اللجنة من تعديلات وأحيل إلى المجلس الوطني الاتحادي وعقدت له جلسة خاصة لمناقشته حيث أدخل المجلس عليه بعض التعديلات وفي 12/7/1976م اجتمع المجلس الأعلى وناقش المشروع الدائم فكان أمام المجلس كما يذكر الشيخ سلطان خيارات عدة إما الموافقة على مشروع الدستور الدائم كما قدم من اللجنة أو الموافقة عليه حسب التعديلات التي أجراها المجلس الوطني عليه أو تمديد العمل بالدستور المؤقت . . وقد ترجح لدى أعضاء المجلس الأعلى الخيار الأخير وهو تمديد العمل بالدستور المؤقت لمدة خمس سنوات جديدة . ومن أهم ما ورد في الكتاب تفصيل حادثة تنحي الشيخ زايد عن حكم الاتحاد وما أعقبها من ردود الفعل لدى المواطنين جميعاً الذين فاضت مشاعرهم وعبّروا بأقوالهم ومواقفهم ودموعهم عن رفض هذه الاستقالة والتمسك بالقائد في منظر من أروع المناظر التي شهدتها الإمارات في تاريخها والتي أدت في نهايتها إلى نتائج إيجابية على مسيرة العمل الاتحادي في ما بعد .

وكان قرار تنحي رئيس الدولة عن منصبه يرجع في أسبابه إلى عدم الموافقة على مشروع الدستور الدائم من قبل الحكام إذ كان الشيخ زايد قد بذل جهداً كبيراً لإخراجه بصورة يستطيع تحمل مسؤوليته من خلال الدستور الدائم . . وبعد قبول رئيس الدولة بالبقاء في منصبه جراء المطالبة والضغط الشعبي اجتمع المجلس الأعلى وبحث التقرير المقدم من رئيس الدولة حول متطلبات المرحلة المقبلة والتي وافق المجلس الأعلى عليها وقد ذكر الشيخ سلطان القرارات التي وافق المجلس عليها من ص 206 إلى ص 210 . . وفي الاحتفال باليوم الوطني الخامس للدولة الذي شهده رئيس الدولة والحكام ينقل لنا الشيخ سلطان الكلمة الجميلة المؤثرة التي ألقاها رئيس الدولة في هذا الحفل والتي جاء في بعضها ص214/215 إن الأمانة حمل ثقيل، فضموا معي أيديكم وقلوبكم، وعبئوا معي مشاعركم وأحلامكم، لنبني بيد واحدة وقلب واحد مستقبل بلدنا وعزة شعبنا . . وشكر رئيس الدولة إخوانه أعضاء المجلس الأعلى بإعادة انتخابه رئيساً للدولة . . ويظهر من ذلك فهم الشيخ سلطان لمعنى العيد لذا فإنه يطلق على يوم استقلال الدولة (اليوم الوطني) لأن للعيد في الفهم الديني معنى غير معناه في اليوم الوطني .

التواصل مع الطلبة

ويبين من الفصل الثامن تحت عنوان (من أيام حكم الشارقة) أجندة مملوءة بالمهام والمسؤوليات اليومية كانت أمام الشيخ سلطان ويكفي أن نلقي نظرة على ما نقله من هذه المسؤوليات لنرى كيف كانت تزدحم أمامه هذه المهام وتتكاثر المسؤوليات ويكفي القارئ أن يطلع على بعض ما قاله الكاتب من ص211 وما بعده من صفحات . . ولكون الشيخ سلطان صاحب اهتمام كبير بالتعليم كما مر بنا فقد امتلأت أجندته اليومية منذ بدايات مسؤوليته بزيارات تفقدية لمدارس الشارقة الثانوية منها والمتوسطة بنين وبنات وكان يتحدث مع الطلبة والطالبات حديثاً أبوياً ودياً ويجيب على أسئلتهم ويناقش معهم كثيراً من القضايا التي كانوا يطرحونها وتشغل أذهانهم وكان يستغل وجوده بينهم ليطرح عليهم القضايا المصيرية للنقاش ليتعرّف إلى وجهات نظرهم فيها وليبني شخصيتهم من خلالها ومن أهمها المسيرة الاتحادية ودور الشباب في تعميق مفهوم الوحدة وكان يركز عليهم بصفتهم نقطة البدء نحو الوحدة الشاملة وهذا ما كان يهمه ويشغل باله منذ البداية لأن اهتمامه بالوحدة لا حدود له ويطرح على الطالبات قضايا المرأة والتي تقع ضمن اهتماماته .

ويذكر بأنه يقف بجانبها يساند دورها ويبني شخصيتها العربية المسلمة ويحثها على أخذ حقوقها وليس المطالبة بها لأن الحقوق تؤخذ ولا تعطى ويطلب منها التحرك في إطار الحشمة والالتزام . . ويذكر بأن الدين يقف بجانبها في كل حقوقها المشروعة لها إلى غير ذلك من الموضوعات التي كان يناقشها معهن ويبدي رأيه فيها من ص217 إلى 228 .

الثناء على تريم عمران

ويتعرض في كتابه لوفاة المغفور له الشيخ محمد بن سلطان القاسمي وتشييع جنازته في 7 فبراير/ شباط 1977م وحضور بعض الحكام مراسم التشييع وأبناء المرحوم وإخوانه وأبناء عمومته وجمع كبير من المواطنين ص 229 .

ويذكر عن عملية انتخاب رئيس المجلس الوطني تريم عمران في يوم الثلاثاء 1 مارس/ أذار 1977 للفصل التشريعي الثالث ويثني على صديقه المرحوم تريم ويصف العلاقة بينهما بالحميمية فيقول (كان تريم بن عمران بن تريم من أعز الأصدقاء جمعنا فكر واحد ونضال واحد وأمل واحد كنا منذ بداية التعليم حتى التخرج في جامعة القاهرة تخرج هو من قسم الاجتماع سنة 1968م وتخرجت أنا في كلية الزراعة سنة 1971م . . كانت الثلاث سنوات التي افترقنا فيها هي السنوات التي عملت فيها مدرّساً في المدرسة الصناعية بالشارقة . . عمل تريم بن عمران رئيساً لدائرة الشؤون الاجتماعية بالشارقة، إبان حكم المرحوم الشيخ خالد بن محمد القاسمي حاكم الشارقة . . أسس مع أخيه عبدالله بن عمران بن تريم أول صحيفة يومية بالبلاد وهي صحيفة الخليج وأول مجلة أسبوعية وهي مجلة الشروق . . وتولى منصب سفير دولة الإمارات العربية المتحدة في القاهرة منذ قيام دولة الاتحاد كما كان ممثلا لدولة الإمارات العربية المتحدة في جامعة الدول العربية .

احترام الرأي الآخر

والشيخ سلطان ديمقراطي يؤمن بالرأي الآخر وحق صاحبه في إبدائه والدفاع عنه وذلك ما اتضح منه في المجلس الوطني في 21 يوليو/ تموز 1977 بمناسبة عرض الميزانية الاتحادية على المجلس الوطني حيث ألقى كلمة مطولة بهذه المناسبة وأجاب عن استفسارات الأعضاء التي يدخل كثير منها ضمن الأسئلة المهمة والحساسة جداً وربما الحرجة أيضاً ولكن الشيخ سلطان واسع الصدر مؤمن بحرية الرأي يتقبّل الأسئلة الحرجة ويجيب عنها برحابة صدر مثل سؤال عن سياسة تمليك الأجانب وعن تأجيل الدستور الدائم وعن توحيد أجهزة الأمن وفي ذلك ما يكشف عن شيء من نشاط ودور المجلس الوطني في ذلك الوقت في مناقشة الحكومة ومدى اهتمام أعضائه بالتعرض للمسائل المهمة والكبيرة في حياة الوطن وطرحها على بساط البحث والمساءلة مع الحكومة من دون حرج ولا مداراة . . ولولا الإطالة لنقلت نص الخطاب والمناقشة ليكون أمام نظر القارئ فليرجع إليه من أراد من ص237 إلى 259 .

ويتعرض الكاتب لمسألة اغتيال سيف بن غباش وزير الدولة لشؤون الخارجية على أرض مطار أبوظبي ويشرح تفاصيل هذه الجريمة وكيف حدثت في حين كان المقصود بها بداية عبدالحليم خدام وزير خارجية سوريا أثناء استقبال سيف له حيث أطلقت عليه النار لكنها أصابت سيف بن غباش فأردته قتيلاً وعلى إثر هذا الحادث دعي المجلس الأعلى لاجتماع طارئ في 29 أكتوبر/ تشرين الأول 1977 وأصدر المجلس بيانه في هذه الحادثة وألقي القبض على القاتل الذي تبيّن أنه يعود إلى أصول عراقية فلسطينية ص 283 .

ومن منطلق مصداقية الكاتب وشفافيته يأتي حديثه مع الرئيس حافظ الأسد رئيس الجمهورية السورية في زيارة له لسوريا في توضيح خطأ عبدالحليم خدام حين زاره الشيخ سلطان والوفد المرافق له وكان المذكور يسب وينتقد صدام حسين وياسر عرفات والفلسطينيين بشكل علني سافر على مسمع من الشيخ سلطان والوفد الذي معه حيث كان الشيخ يرى أن هذه العلنية والوضوح في النقد والتعرض المباشر أمر منافٍ للذوق والأدب وبين الكاتب للرئيس الأسد أن هذا الكلام غير جائز لأنه سيعود بالضرر على سوريا وحافظ الأسد ذاته من ص283 إلى 284 .

مكانة زايد

ويعتبر الشيخ زايد أحد أهم الشخصيات والقادة على المستويين الإقليمي والعالمي وقد كسب هذا الوضع المتميز لدى شعبه والشعوب الأخرى ولدى القيادات منذ بداياته وذلك لميزات وسجايا فطرية ومكتسبة فيه وكان القادة والزعماء يحترمونه ويضعونه في المكان الذي يستحقه من التقدير والاحترام وكأن هذا الوضع المتميز للشيخ زايد كان في ذهن شاه إيران عنه رغم ما قد ذكرناه عنه بداية من غضبه عليه نتيجة مواقفه العربية الصادقة لذلك قدم له دعوة لزيارة رسمية إلى إيران وقد قبلها الشيخ زايد وحدد لها الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1977م حسب ما نقله الشيخ سلطان في كتابه . . وحيث إن الشيخ سلطان يكن للشيخ زايد مودّة منقطعة النظير ويعرف ما لسموه من منزلة رفيعة تستدعي أن يكون استقباله في إيران بما يتناسب وقدره لذلك فقد بذل الشيخ سلطان جهداً متميزاً في تحقيق أمنيته بأن تنجح زيارة سموه لإيران وأن يكون استقباله فريداً من نوعه متميزاً على استقبال غيره من القادة وكان قد تحدث بذلك مع صديقه (كيم روزفلت) مسؤول المخابرات الأمريكية في المنطقة أثناء رئاسة محمد مصدق رئيس الوزراء الإيراني وقتها والذي زار الشيخ سلطان قبل سفره إلى إيران لمقابلة الشاه ومما قال له (إن الشيخ زايد صديقي، وأعرفه حق المعرفة، وإن الصورة المنقولة إلى الشاه عن الشيخ زايد غير صحيحة، وأتمنى أن يكسب الشاه الشيخ زايد كصديق له . . لذلك لابد من الترحيب بالشيخ زايد في طهران، لنتأكد أن الشاه قد غيّر الصورة التي كانت لديه عن الشيخ زايد) لذلك فقد طلب الشاه أن يزور الشيخ سلطان إيران قبل زيارة الشيخ زايد للإعداد لهذه الزيارة المرتقبة التي يريد الشاه أن يوليها عنايته واهتمامه ويريد لها أن تحقق مستوى كبيراً من النجاح مما يبين أن كيم روزفلت تحدث مع شاه إيران بخصوص طلب الشيخ سلطان في إعطاء هذه الزيارة أهميتها وكانت موافقة الشاه على ذلك دليلاً على أهمية الشيخ زايد لديه وعنايته بنجاح زيارته وإعطائه وضعه المتميز في استقباله بما يليق به . . فسافر الشيخ سلطان إلى إيران في 25/10/1977م والوفد المرافق له لهذا الغرض وفي مقابلة مع الشاه في قصره سأله ماذا تريد لصاحبك فرد عليه كل الترحيب والتكريم والتبجيل فقال له الشاه تحدثت مع نصيري وهو سيرتب لك كل ما تطلب . . وفي ذلك ما يكشف عما يكنه الشاه من احترام وتقدير بالغين للشيخ سلطان وبعد انتهاء اللقاء فتح الشاه باب سيارته للشيخ سلطان وأركبه معه فيها وأغلق الباب بنفسه عليه وأخذه في جولة بالسيارة في حديقة القصر ومن ثم أدخله إلى داخل القصر وأخذه في جولة في أنحائه ومن ثم انتقلوا مع الوفد المرافق إلى طاولة الطعام لتناول الغداء .

وفي جلسة عشاء في مساء ذلك اليوم تفاهم معه نصيري رئيس المخابرات (السافاك) الذي أخبره بأن الشاه كلّفه ببحث الترتيبات الخاصة بزيارة الشيخ زايد لطهران معه ولم يرض الشيخ سلطان بأن يستقبل الشيخ زايد كأي رئيس دولة فقط وإنما أراد أن يكون استقباله بذلك الاستعداد الذي يرتب للشاه ذاته في زياراته الرسمية لذلك استفهم عن الطريقة والإجراءات التي يستقبل بها الشاه فجاء الجواب أنه (بعد التحية واستعراض حرس الشرف، يركب الشاه في عربة ذهبية تجرها الجياد البيضاء، ويحفها مئة وخمسون فارساً على جيادهم، عن يمين ويسار العربة، حتى يصل إلى ميدان شهباد أريامهر، حيث الرقصات الشعبية من الفتيات وهن يحملن المباخر) فأكد الشيخ سلطان أنه يريد هذه الإجراءات كاملة للشيخ زايد . . ولم يجرؤ رئيس المخابرات أن يعتمد ذلك البرنامج للشيخ زايد إلا بعد أن عرضه على الشاه ووافق عليه عند ذلك ارتاح الشيخ سلطان لتحقيق مسعاه بالصورة التي يريدها فعاد إلى الشارقة مباشرة وهو في غاية السعادة . . وفي وقت الزيارة المحددة للشيخ زايد كان الشاه في استقباله في المطار وعانقه طويلاً وبعد تبادل الحديث تقدمت طفلة في عمر الزهور بباقة ورد تحية لضيف إيران الكبير وبعد سلام القائدين على أعضاء الوفدين تم تنفيذ برنامج الاستقبال طبق ترتيبه الذي عرضه رئيس المخابرات على الشيخ سلطان قبل ذلك وكان كما ينقل الشيخ سلطان أنه قد أعد لسموه برنامجاً حافلاً طوال مدة زيارته فلمن أراد مزيداً من التفاصيل فليعد إلى الكتاب من ص277 إلى 290 .

وقد ختم الكاتب ترجمته بواقعة جميلة ومؤثرة عن الشيخ زايد ومدى التحامه بشعبه حسب ما يذكر الشيخ سلطان ص292) بقوله (حتى إذا ما جاء اجتماع المجلس الأعلى للاتحاد يوم الإثنين 19 مارس/ أذار 1979 زحفت أكبر مسيرة شعبية في البلاد إلى العاصمة أبوظبي حيث الاجتماع مطالبة بالوحدة فخرج إليها سمو الشيخ زايد وبالدموع أكد قائلاً (سنبقى دائماً حريصين على مسيرتنا) . . فأنعم بزايد رحمه الله تلك الشخصية الفريدة التي دخلت التاريخ وسطّرت فيه أروع الأمثلة والمواقف الكبيرة الباقية النافحة بأجمل عطر وأعذبه . . وأكرم بتلك الدموع الزكية التي أكّد بها سموه حرصه على مسيرة الاتحاد . . والكتاب بقدر ما هو ترجمة لحياة الشيخ سلطان في فترة من عمره ابتداء من قيام الدولة إلى عام 1979 بقدر ما هو كتاب ثري مملوء بالتاريخ وأحداث الوطن التي حدثت خلال تلك الفترة والتي تصدى لها الشيخ سلطان بالتوثيق التفصيلي الذي أعطاها مثل هذا الزخم التاريخي الذي يشد القارئ ناحيتها لمدى أهميتها وشفافية تسجيلها بعيداً عن أي تحوير أو توجيه وإنما نقلها الكاتب للقارئ كما حدثت في واقعها بكل صدق وأريحية متصفاً في ذلك بصفات المؤرخ الأمين حتى ولو أن هذه المعلومات مرتبطة به ارتباطاً وثيقاً أو كانت شخصية بالنسبة له لكنه كان فيها على درجة من الثقة والنزاهة والشفافية والأمانة التاريخية مما يعد من أسباب تميز الكتاب ونجاحه تاركاً للقارئ أن يستنتج منها حسب قراءته وتحليله من دون تدخل فيها من الكاتب من قريب أو بعيد وتلك أمانه تاريخية لابد لي أن أشيد بها .

هذا الاستعراض عبارة عن جولة عامة في كتاب حديث الذاكرة نقلت منه لمحات موجزة مما ورد فيه من توثيق لكثير من الأحداث خلال أهم فترة من فترات المسيرة الاتحادية وإلا فإن في الكتاب كثيراً من التفصيل لا تغني عنه هذه المقتطفات بحال وإن كان القصد منها التشجيع والتحفيز إلى الرجوع إلى الكتاب وقراءته لمزيد من المعرفة بتاريخ الوطن وأحداثه والاستمتاع بما ورد فيه من أحاديث وأخبار وحكايات ممتعة استطاع قلم الشيخ سلطان أن يصوغها بذلك التعبير الأدبي الجميل المشوق الذي يجعل القارئ متفاعلاً معه منجذباً إليه إلى آخر ورقة في الكتاب . . وأرجو بذلك أن أكون قد أفدت القارئ وقدمت له مادة جديرة بالمتابعة في هذه القراءة السريعة لكتاب من أهم الكتب التي صدرت في هذا الوقت سواء كان من حيث موضوعها الذي يتحدث عن تاريخ الإمارات أو من حيث كاتبها لكونه من الإمارات خاصة أنه من أقرب الأشخاص إلى ما يوثقه من هذه الأحداث المهمة المرتبطة بتاريخ الوطن لكونه أحد المشاركين فيها بصفته عضو المجلس الأعلى للحكام وحاكماً للشارقة .