قال أنتونيس ساماراس رئيس أكبر أحزاب المعارضة في اليونان، في تصريحات نشرت أمس، أن حزبه سيصوت برفض حزمة انقاذ ثانية للدولة المثقلة بالديون مالم تغير الحكومة سياستها الاقتصادية .

وأقر البرلمان اليوناني قانونين هذا الاسبوع لزيادة الضرائب وخفض الانفاق بإجمالي 28 مليار يورو (7 .39 مليار دولار)، مما مهد الطريق لصرف الشريحة التالية من أموال الانقاذ من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي ولحصول اليونان على حزمة ثانية من المساعدات .

وفي مقابلة مع صحيفة ريل نيوز اليونانية الأسبوعية، قال ساماراس رئيس حزب الديمقراطية الجديدة المحافظ إن حزبه الذي صوت برفض خطة الانقاذ الأولى سيعارض أيضاً الاتفاق على خطة ثانية مالم تعدل الحكومة الاشتراكية سياسات قال انها تضر الاقتصاد المتأزم بالفعل .

نقلت الصحيفة عن ساماراس قوله سنصوت برفضها (خطة الإنقاذ) ما لم يغيروا السياسة الاقتصادية والتي هي سياسة خنق .

وأضاف نريد القضاء على العجز . لا نريد تركيع الشعب اليوناني والطبقة المتوسطة اليونانية والأسر اليونانية .

قاوم حزب الديمقراطية الجديدة ضغوطاً من قادة أوروبيين منهم المستشارة الالمانية انغيلا ميركل للتغاضي على الخلافات السياسية وتأييد الحزمة، وقد تضفي معارضته تعقيدات على تطبيق الاجراءات التي لا تحظى بشعبية .

وأكد ساماراس الذي لم يوافق سوى على بند الخصخصة البالغة قيمته 50 مليار يورو في خطة الانقاذ، أن على اليونان إعادة التفاوض بشأن برنامجها المالي المتوسط الأجل لخمس سنوات قائلاً: إن اليونان بحاجة لخطة بديلة .

وكرر الدعوة لانتخابات مبكرة أيضاً .

وقال نحتاج إلى ثلاثة أشياء هي خطة بديلة وحكومة أخرى ذات صدقية لتنفيذها، وانتقال سلس الى الخطة البديلة من الخطة الاصلية التي باءت بالفشل .

وجاءت ردود الفعل الأوروبية والعالمية على موافقة البرلمان اليوناني على خطة التقشف الاقتصادي متفائلة بشدة .

ولم يكن مستغرباً أن يكون الفرنسيون والألمان الأكثر حماسة في التفاؤل بتمكن حكومة جورج باباندريو من إقرار خطة إعادة الهيكلة لضمان الحصول على قرض جديد لتفادي الإفلاس بمعنى التخلف عن سداد الديون .

ففرنسا وألمانيا أكثر حرصاً على ألا تفلس اليونان، ربما من بعض اليونانيين أنفسهم، خشية على العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) .

وبرأي كثير من المحللين لا يتعلق الأمر بالسياسة، أي الحرص على الاتحاد الأوروبي، والخوف من تبعات إفلاس اليونان على ذلك الكيان السياسي، بل إن القلق الألماني بالتحديد هو اقتصادي في الأساس .

تخشى ألمانيا من خطوة إفلاس اليونان فتضطر للخروج من اليورو، وأن يستتبع ذلك خروج آخرين من إيرلندا والبرتغال إلى إسبانيا وإيطاليا .

هذا السيناريو سيعني خسارة ألمانيا لميزة تنافسية أساسية في الأسواق الدولية، إذ إن المارك الألماني (في حالة وصول هذا السيناريو إلى منتهاه) سيكون عالي القيمة جداً بما يضر بالصادرات الألمانية .

من هنا، تكون حسبة مساعدة اليونان ببضع مليارات أكثر فائدة لألمانيا، التي يمكن أن تخسر أكثر من المليارات لو انهارت العملة الأوروبية الموحدة .

إذا كان لألمانيا وفرنسا، المساهمين الأساسيين في خطط الدعم المالي لأثينا، أن تتفاءلا بتفادي اليونان أزمة عاجلة، فإن الأسواق المالية وبقية العالم لا يمكنه الاطمئنان إلى أن أزمة الديون الأوروبية إلى انفراج .

فالأزمة التي بدأت باليونان، وتبعتها إيرلندا والبرتغال، أمكن تأجيل تفاقمها بقروض إنقاذ أوروبية ودولية عاجلة، تساعد تلك الدول على إعادة هيكلة ديونها لتفادي التخلف عن سدادها .

يرى اقتصاديون كثيرون أن إيرلندا أو البرتغال، ربما تتمكن من إعادة هيكلة اقتصادها بما يساعدها على العودة إلى سداد ديونها .

ذلك أن الأساسيات الاقتصادية للبلدين تبدو أفضل كثيراً من اليونان، التي لها تاريخ طويل من التخلف عن سداد الديون والإفلاس التام .

لذا تتواصل أزمتها لما يقارب العامين الآن، وكلما أقرضت أوشكت على الإفلاس ثانية .

من هنا، قد يفيد الإقراض الأخير في تأجيل أزمة إفلاس اليونان لعدة أشهر أخرى، لكنه لا يحل مشكلتها .

أما خطط خفض الإنفاق وزيادة الضرائب وتقليل الأجور فربما تساعد حكومة باباندريو على البقاء في السلطة لفترة، لكن هناك شكوكاً كبيرة في أنها يمكن أن تعيد الاقتصاد اليوناني إلى طريق النمو الذي يمكن البلاد من التعافي .

بل إن بعض المتشائمين يرى تبعات سلبية لسياسة التقشف على الوضع الداخلي اليوناني، ربما تؤدي في النهاية إلى مخاطر أشد وإفلاس لا يمكن إنقاذ أثينا منه .

بعض المتحمسين للحكمة الاقتصادية التقليدية، يرون أنه ما كان يجب الاستمرار في إقراض المفلس كي نؤجل إفلاسه .

ولعل التاريخ الاقتصادي لليونان يجعلها المؤهلة أكثر لتقود سلسلة إفلاسات في الاقتصادات الرأسمالية التقليدية، بما يخلص النظام من كثير من عيوبه المزمنة التي لم يعد يجدي معها العلاج الجزئي .

يقول بعض المؤرخين إن أول إفلاس بمعنى التخلف عن سداد الديون سجله التاريخ كان في اليونان قبل الميلاد بنحو نصف قرن .

وسواء صح ذلك أم لا، فإن القرنين الأخيرين يزخران بمشكلات اليونان الاقتصادية، يتكرر سيناريو المظاهرات والاحتجاجات ومقاومة التغييرات .

وفي مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر أسقطت الاحتجاجات ملك البلاد، وأوتي بأحد أفراد الأسرة المالكة الدنماركية لحكم البلاد برعاية مصرف بريطاني (هامبروس) تولى إدارة شؤون اليونان المالية .

الخلاصة أنه ربما يكون أفضل لليونان ولأوروبا ولبقية النظام الرأسمالي أن تترك اليونان للإفلاس .

وهذا السيناريو يعني خروج اليونان من اليورو والعودة للدراخما وتخفيض قيمتها وشطب القدر الأكبر من ديونها لتبدأ بداية اقتصادية جديدة .

ولعل أيضاً في التبعات التي قد تبدو للوهلة الأولى سلبية ما هو مفيد لبقية العالم، إذ إن ذلك ربما تكرر مع بقية الدول المتعثرة بالنسبة إلى مديونيتها .

المشكلة أن الخسارة القريبة من سيناريو الإفلاس هذا، وهي انكشاف كثير من البنوك والمؤسسات المالية والتأمينية على ديون اليونان وغيرها، تكبل الحكومات .

والخشية الأكبر هي أن يستمر منحى الإفلاس ليصل إلى أكبر دولة مديونة في العالم الولايات المتحدة .

لكن على الأمد البعيد سيكون في ترك المتعثر يفلس فائدة كبيرة، خاصة إذا تخلص العالم من عقدة ان هناك من هو أكبر من أن يترك لينهار .

فإذا كان إفلاس اليونان سيخلص النظام المالي العالمي من أقل من نصف تريليون دولار من الديون الرديئة .

وهو علاج قاس لكنه ضروري، فإن إفلاس أمريكا مثلاً يمكن أن يكون الشفاء الناجع بتخليص النظام المالي العالمي، ما يقارب 15 تريليون دولار تخسر الصين وحدها منها ما يقرب من تريليون وربع التريليون دولار .

يرى اقتصاديون تقليديون أن في ذلك الربح من ترك المتعثر يتخلف عن سداد ديون، أو يفلس تقنياً، فائدة أكبر بكثير من الخسارة القريبة لبعض المصارف والمؤسسات المالية، لأنه إصلاح جذري للوضع الاقتصادي العالمي . (وكالات)