عندما اقتيد مرتكب مذبحة النرويج، اليميني المتطرف اندرس بيرينغ برييفيك، إلى محكمة في أوسلو، انضمت مجموعات من مهاجرين جاؤوا من إفريقيا وآسيا إلى حشد الصحافيين وقد تملكهم الفضول لمعرفة ما يجري داخل قاعة المحكمة .

لاحظ مراسل محطة ال بي بي سي ريتشارد غالبن في تقرير من أوسلو أن تفجير السيارة المفخخة في العاصمة النرويجية وإطلاق النار عشوائياً على جمع غفير من شبان وشابات في جزيرة قريبة ارتكبا باسم عنصرية متطرفة وايديولوجية تغذي رهاب الإسلام (الاسلاموفوبيا)، وذلك بهدف وقف هجرة الأجانب إلى أوروبا .

ولكن بدلاً من مهاجمة المهاجرين مباشرة، شن القاتل هجومه الذي خطط له بدقة على ما اعتبره أصل المشكلة - وهو حزب العمال اليساري الحاكم وسياساته الليبرالية في مسألة الهجرة .

وفور انتشار أخبار الواقعة، هيأت الجماعة المسلمة في النرويج نفسها للأسوأ، وقد افترضت أن ما حدث كان عمل متطرفين إسلاميين .

وهذا ما افترضه أيضاً كثيرون عبر العالم .

وبالنسبة لجميع المسلمين في النرويج، الذين يعدون الآن أكثر من 100 ألف شخص، تملكهم شعور غريب بالفرج عندما اتضح أن الهجوم لم يكن له صلة بإسلاميين .

ومع ذلك، فإن الشعور بالارتياح لم يدم طويلاً، حيث بدأت تتضح الايديولوجية المنحرفة التي كانت وراء عمل برييفيك .

بين الذين احتشدوا أمام مقر المحكمة، كان الصومالي حسن علي، الذي جاء إلى النرويج قبل 12 سنة هرباً من الحرب الأهلية في بلده .

وقال علي إنه لم يفاجأ أطلاقاً بما حدث: فالعداء تجاه المهاجرين كان يتنامى باطراد في النرويج على مدى العقد الأخير . وهو يلقي اللوم على صعود احزاب اليمين في البرلمان، خصوصاً حزب التقدم، الذي يحتل الآن ثاني أكبر عدد من مقاعد المشرعين .

وأضاف في أشارة إلى برييفيك: هذا الرجل الغاضب تعرض لغسل دماغ من قبل حزب اليمين المتطرف حزب التقدم . . وتبنى ايديولوجيته . . وأعتقد أنه من الضروري أن يفعل شيئاً ما .

وقد شعر أفراد جاليات مهاجرة أخرى هم أيضاً بالقلق بشأن ما وصفوه بأنه موقف سلبي تجاههم . ومن هؤلاء كينيث، الذي جاء من كينيا إلى النرويج قبل ست سنوات، والذي قال إنه كان على متن طائرة عندما وقع الهجوم .

وقال: أول شيء قاله شخص ما هو أن هذا عمل مهاجر، وأنه يجب وقف الهجرة .

وقد اقرت الحكومة النرويجية بأن معارضة الهجرة في هذا البلد تتنامى كما في بلدان أوروبية أخرى .

تهديد متعاظم

في الواقع، اندرس بيرينغ برييفيك ليس وحيداً . إذ يوجد في أوروبا اليوم متطرفون خطرون بأعداد أكبر بكثير مما قد يظن المرء .

هذا ما استنتجه الباحثان في برنامج العنف والتطرف في مركز أبحاث ديموس البريطاني، جيمي بارتليت وجوناثان بيردويل، اللذان كتبا مقالاً حول الموضوع في موقع فوراين بوليسي قالا فيه:

خلال السنوات الخمس الأخيرة، وفي معاقل أوروبا المتحضرة، كان اليمين المتطرف ينبعث ناهضاً . وقد سجلت أحزاب اليمين المتطرف السياسية نجاحات انتخابية غير مسبوقة في عدد من البلدان، بينها النمسا، وفرنسا، وهولندا، والسويد . وحركات الشارع اليمينية المتطرفة، التي تضم شباناً ناقمين، والتي بالكاد كانت تشاهد خلال حياة جيل، أخذت تظهر الآن بأعداد متزايدة في ميادين وساحات مدن تعج بالحركة . وحتى يوم الجمعة ذاك (22 يوليو/تموز)، كانت الحكومات وأجهزة الأمن تنظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها اتجاهاً مقلقاً، ولكنه اتجاه يمكن احتواؤه . غير أن هذه النظرة تغيرت الآن إثر هجوم النرويج المذهل والمأساوي . واجهزة الاستخبارات، التي كانت منشغلة بتنظيم القاعدة طوال عقد، تنبهت فجأة إلى تهديد جديد وفتاك .

وهكذا فجأة، أصبحت الصلة بين التطرف اليميني الصاعد والعنف السياسي شاغلاً سياسياً وأمنياً يحظى بأولوية قصوى . والمجموعات اليمينية المتطرفة ستخضع الآن لتفحص دقيق، ومن المحتمل جداً أن تعيد الحكومات دراسة هذه القضية بهدف حظر بعض من هذه المجموعات .

ولكن لماذا ينبغي أن تفعل ذلك؟ خلال الأشهر الستة الأخيرة، كنا نحلل هذه المسألة من خلال مسح واسع النطاق شمل النشطاء السياسيين لليمين المتطرف والمتعاطفين معه عبر أوروبا . وقد وجدنا أن الجواب ليس بسيطاً أطلاقاً .

على مدى العقد الأخير، كان اليمين المتطرف في أوروبا يلقى قبولاً متزايداً . وقد نبذ هذا اليمين العنصرية الصريحة والتباهي القومي اللذين كانا سائدين في السنين الماضية . وما يميز اليمين المتطرف الجديد هو دفاع جريء وهجومي عن الثقافة والتاريخ الوطنيين بمواجهة عالم متغير، والعلمانية، وحتى الديمقراطية والحرية . وإذا كان لكل من أحزاب اليمين المتطرف خصوصياته، إلا أنها جميعاً تستجيب لهواجس حقيقية لدى العديد من الناخبين، الذين يرون أن العولمة المعاصرة لم تفدهم، وأن الهجرة المكثفة - خصوصاً من بلدان ذات أغلبيات ملسمة - تهدد الهوية المحلية والوطنية .

وربما يكون أهم شيء هو أن احزاب اليمين المتطرف الجديدة هذه، مثل حزب الحرية بزعامة غيرت فيلدرز في هولندا وحزب الجبهة الوطنية بزعامة مارين لوبن في فرنسا، برعت في تصوير السياسيين الذين يتزعمون التيار اليميني العام على أنهم ضعاف، ومتخاذلون، وقابلون للرشوة . وفي الواقع، فإن أحداثاً وقعت حديثاً - مثل انقاذ بنوك من مأزق مالي، وأزمة منطقة اليورو، وفضيحة القرصنة المعلوماتية التي عصفت بمؤسسة نيوز انترناشيونال الصحافية في بريطانيا - قد أضفت شيئاً من المصداقية على الرأي القائل بأن السياسيين قطعوا بالفعل الصلة مع الناس العاديين .

وهذا المزيج القوي من الأفكار الشعبوية واليمينية المتطرفة - الذي كثيراً ما يستخدم مرجعيات تاريخية وثقافية نافذة، مثل فلاسفة عصر التنوير والإعلام الوطنية - أدى إلى تشكيل تحالفات جديدة وشوش الخطوط الواضحة بين اليمين واليسار . وعلى سبيل المثال، فإن السياسي الألماني تيلو سارازين، مؤلف كتاب المانيا تمحو ذاتها الذي يجادل بأن هذا البلد يتروبص نحو هاوية متعددة الثقافات، هو عضو بارز في الحزب الديمقراطي الاجتماعي اليساري . وفي الدنمارك، وصف زعيم منظمة يمينية متطرفة نفسه خلال حديث معنا بأنه ماركسي ملحد .

ومن الواضح أن شريحة كبيرة من الناخبين الأوروبيين قد تأثرت بهذه الأفكار الشعبوية واليمينية المتطرفة . وفي الوقت الراهن، تضع استطلاعات الرأي لوبن في المرتبة الثالثة بين المرشحين الأوفر حظاً للفوز في انتخابات الرئاسة الفرنسية عام 2012 . وحزب الحرية بزعامة فيلدرز هو أيضاً ثالث أكبر حزب في هولندا . وفي اسكندينافيا، حققت احزاب الفنلنديين الحقيقيين، والشعب الدنماركي، والديمقراطي السويدي، أفضل نتائج انتخابية في تاريخها خلال الأشهر الثمانية عشر الأخيرة، وفي ألمانيا والنمسا، تتعاظم قوة أحزاب اليمين المتطرف، ما يثير مخاوف أوروبية من ماض بغيض . وإلى الشرق في المجر، أصبح حزب الحركة من أجل مجر أفضل ثالث أكبر حزب سياسي في ا لبلد، بعد أن ضاعف مقاعده في البرلمان في الانتخابات الأخيرة .

وما قد يكون أكثر دلالة، هو أن القوة المتعاظمة لهذه الأحزاب تمارس قوة جذب على تيار الوسط السياسي . ففي الآونة الأخيرة، أعلن كل من ديفيد كاميرون وانجيلا ميركل موت التعددية الثقافية، في حين أن نيكولا ساركوزي دفع لفرض حظر على النقاب سيجني منه أصواتاً انتخابية .

وسط هذا الصخب السياسي، يبرز أكثر فأكثر تيار جديد من مجموعات قومية ويمينية متطرفة تتخذ الشارع مقراً لها . ففي بريطانيا، استخدمت رابطة الدفاع الانجليزية مزيجاً مشابهاً من أفكار شعبوية ويمنية متطرفة لتطلق عام 2006 حملة احتجاج ضد ما اعتبرته أسلمة زاحفة في المجتمع البريطاني . وقد استخدمت هذه الرابطة بذكاء مواقع التواصل الاجتماعي، وتمكنت من حشد ما بين 2000 و3000 شخص في مظاهرات، وزعمت أن عدد أعضائها في موقعها على فيس بوك يبلغ 90 ألفاً . وبريطانيا لم تشهد مثل هذا الحدث منذ السبعينات . ويعتقد أن القاتل النرويجي ربما حتى شارك في مسيرة نظمتها في مارس/آذار ،2010 وقد عبر علانية عن إعجابه بأساليبها، وأراد إنشاء رابطة دفاع نرويجية .

وفي فرنسا، هناك مجموعة كتلة الهوية، وهي حركة شارع نظمت حفلات شرب خمرة وشواء لحم خنازير أمام مساجد .

وقد وجدنا في أبحاثنا أن هذه المجموعات كثيراً ما تتجاذبها أهداف متعارضة أحياناً، حيث تسعى لكسب احترام نظيراتها وتجنيد أعضاء جدد . وفي الدنمارك، حيث أجرينا دراسة ميدانية الشهر الماضي، اليمين المتطرف منقسم حول المواقف من مسائل العداء للسامية، والعرق، والمثلية . وكثيرون يتحدثون الآن عن أنفسهم باعتبارهم قوميين معاصرين يركزون على مسألة تنامي الإسلام، بينما هم يحاولون قطع صلتهم بالمفاهيم النازية من أجل كسب شرعية . وما يلفت النظر أن بعض أحدث مجموعات اليمين المتطرف، مثل الحزب الدنماركي، ترى أن برييفيك هو رجل مجنون وليس قومياً، وموال لليهود لكونه عضواً في الحركة الماسونية . وفي هذه البيئة المحمومة بالذات، تجد شبكات النازيين الجدد، والاصوليين المسيحيين، ودعاة تفوق العرق الأبيض، حياة جديدة ومجندين جدداً . واليمين المتطرف حقاً في أوروبا لايزال محصوراً في نطاق ضيق، ولكن حتى قبل هجوم النرويج كانت إرهاصات أحياء جديد واضحة تماماً .

وبطبيعة الحال، فإن كل مجموعة يمينية متطرفة لها خصوصياتها . وفي الواقع، فإن القاعدة الأولى التي تتبناها الحركات اليمينية المتطرفة هي عدم جرح المشاعر الوطنية . وبعض المجموعات اليمينية المتطرفة، مثل مجموعة الكفاح 18 النازية الجديدة والإرهابية البريطانية والتي اخذت تنتشر في بلدان أخرى، يسيطر عليها هاجس النظريات التآمرية المعادية لليهود . وتؤمن مجموعات أخرى بالتفوق العرقي وفي أهمية نقاء العرق الآري الهندي الأوروبي . وفي اسكندينافيا، تتبنى بعض المجموعات أساطير المنطقة .

هذه هي المجموعات التي كانت أجهزة الأمن والاستخبارات تراقبها بانتباه منذ وقت طويل، لأن العنف هو مبدأ أساسي في رؤيتها العالمية - وهذه نقطة مهمة تميز هذه المجموعات عن أحزاب ومنظمات التيار اليميني العام .

واليمين السياسي ينأى بنفسه طبعاً عن المجموعات الصغيرة المتطرفة . ولكن من المؤكد أن هناك بعض التداخل الايديولوجي بين الإثنين . فكلاهما يشترك في استخدام الخطاب الملهب للحماس المؤسس على أزمة يفترض خطأ أنها أزمة وجودية، وهذا الخطاب يعلن أن الحضارة الغربية تتعرض لتهديد، حيث يهاجمها يهود، ومسلمون، ودعاة تعدد ثقافي، مصممون جميعاً على تدمير العالم المسيحي والهوية الوطنية . وال مانيفستو (البيان) الذي بثه برييفيك عبر الإنترنت قبيل بدء هجومه، وهو بيان مكون من 1500 صفحة عرض فيه تفكيره، يتضمن هذه المقولات بالذات . وقد كتب يقول إن الماركسية الثقافية دمرت الهوية الأوروبية، بينما دعاة التعددية الثقافية هم متواطئون عن طيب خاطر . وقال أيضاً إن الإسلام هو الآن أكبر تهديد للنرويج وأوروبا، نتيجة ل الحرب السكانية .

وقد وجدنا في أبحاثنا أن هذا الرأي منتشر بين مجموعات يمينية متطرفة متنوعة في الدنمارك . وتجدر الإشارة إلى أن هناك أكاديميين لا يزالون يجادلون، من دون أن يبتوا في المسألة، حول ما إذا كانت منظمات إسلامية سلمية ولكن متشددة تشكل مداخل إلى إرهاب مجموعات إسلامية .

وفي جميع الأحوال، فإن جميع الإهاربيين يعتقدون أنهم يدافعون عن جمهور كبير من الأنصار، ويقاتلون من أجل أفكار يتفق معها آخرون، ولكن جهلهم أو خوفهم يمنعهم من القيام بعمل . وقد بث برييفيك رسالة غريبة عبر موقع تويتر، أعاد فيها صياغة كلمة للفيلسوف الليبرالي البريطاني جون ستيوارت ميل، فقال: إن شخصاً واحداً مدفوعاً بإيمان ليساوي قوة 100 ألف تدفعهم فقط مصالح . وإرهابيو اليمين المتطرف، مثلهم مثل أعضاء القاعدة، يرون أنفسهم عموماً كطليعة - فيوجهون ضربات يعتقدون أنها ستوقظ الجماهير .

ومن المؤكد أن احتمال أن يجد شخص مثل اندرس بيرينغ برييفيك هذه البيئة في أوروبا اليوم هو احتمال أكبر مما كان قبل عقد مضى . وبرغم أنه ربما عمل بمفرده، إلا أن هناك بالتأكيد آخرين مثله يشاركونه هواجسه، وايديولوجيته، وإيمانه بأنه من دون عمل فوري وعنيف، فإن الحضارة الغربية ستنتهي .

إن العالم لم يعد يستطيع بعد الآن تحمل تجاهل مثل هذا التهديد المتعاظم .