9 سنوات انقضت على وفاة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ الأديب محمد بن علي المحمود، الذي وافته المنية عن عمر يناهز الـ90 عاماً، عرف بها بشيخ المعلمين وبالمربي الفاضل، حيث كان رائداً من رواد العلم والمعرفة، ومؤسس أول مدرسة للتعليم النظامي في الإمارات، فضلاً عن تأسيسه أعرق المكتبات الثقافية، وافتتاحه فرعا في مدرسة الإصلاح لتعليم البنات بمفهومه التطوري .
تمر ذكرى وفاة شيخ المعلمين الذي توفي عام 2002 حاملة بين ثناياها ذكرى أديب كبير جليل، كرس حياته وعلمه ومعرفته من أجل خدمة المجتمع والإسلام والعروبة، وبث القيم الأصيلة بهدف استنهاض الهمم والدعوة إلى حب العلم والوطن، ولترسي مشروعاته دعائم الثقافة التجديدية في نفوس أبناء الأمس ورجال اليوم .
امتلك المرحوم بإذن الله محمد بن علي المحمود منذ صغره موهبة الإصغاء والتأثر بجمال اللغة وقدرتها على التأثير في النفس، كما تأثر بكبار الشعراء العرب القدامى والمحدثين، وكانت أول قصيدة كتبها بعنوان تحية لعظيم المجد والشان، كما أضاءت إسهاماته الفكرية والعلمية الحياة الثقافية في مرحلتها الأولى، وتخرج على يديه مجموعة من الشخصيات الاجتماعية المرموقة في أرض الإمارات وقطر .
ولد الشيخ الأديب في عام 1911 بحي يسمى حي الشيوخ، وبدأ يميل في طفولته إلى حب الاكتشاف والبحث عن كل ما هو مفيد لتطوير ذاته، فكان من محبي قراءة الكتب التربوية والدينية والأدبية واللغوية، وقد ساعده في ذلك نشأته في بيت قام على الصلاح والتقوى، حيث كان والده التاجر والمصلح الكبير علي بن محمد المحمود، أول من أسس مدرسة تطورية أسهمت في تعليم الأبناء وتثقيفهم الثقافة الإسلامية وترسيخ إيمانهم بأركان الإسلام وحب العلم والمعرفة، فكان للبيت المحافظ الذي نشأ فيه الأثر الكبير في نشأته نشأة دينية وإسلامية صرفة قامت على أسس متينة من الكتاب والسنة النبوية .
دراسته
تتلمذ الشيخ محمد وتعلم على يد نخبة من العلماء، حيث درس في المدرسة الأحمدية وقبلها في مدرسة تتشبه بالأحمدية لكنها مصغرة فتحها المرحوم عبيد بن عيسى النابودة، تعلم فيها سنة واحدة، ثم انتقل إلى المدرسة السالمية ودرس فيها ثلاث سنوات، ثم التحق في عام 1928 بمدرسة الهداية الخليفية بالبحرين لمدة أربع سنوات، حيث كان والده يعمل تاجراً في اللؤلؤ، وليعتني بنفسه بعد ذلك عن طريق القراءة والاطلاع على الكثير من الكتب والدراسات .
أسس الشيخ محمد بن علي المحمود مدرسة القاسمية التي تعتبر أول مدرسة نظامية في الشارقة، تعتمد نظاماً تعليمياً مختلفاً ومتطوراً عن باقي المدارس التطورية، ما مهد الطريق وهيأ الأسباب لظهور التعليم الحديث ونشأة أول مدرسة نظامية في الإمارات عام 1953م، التي تطور من خلالها التعليم، ثم افتتحت المدارس في مختلف إمارات الساحل .
تعلقه بالعلم
وعن بدايته وحبه للبحث عن كل ما هو جديد في مجال العلم والتعليم منذ الصغر يروي قصة زيارته المدرسة الأحمدية، فيقول: كنت لم أتجاوز العاشرة عندما انطلقت أنا وخادم لنا اسمه رباع وكان في مثل عمري، وأخذنا الطريق البحري، ومررنا ببيت سالم بن مصبح، وبيت ماجد بن غرير، ووصلنا إلى الرأس ومشينا، ولما تجاوزنا بيت سعيد بن بطي، واقتربنا من بيت سعيد بن حمدان بن دلموج سمعنا أصوات الطلاب . فقلت لرباع، إذاً هنا المدرسة، وعرجنا عليها فورا، ودخلنا، وأعجبت ببنيانها الجميل، وفنائها وفصولها، وكان الطلبة في الطابق العلوي، أما في الطابق الأرضي، فقد جلس الشيخ المرحوم عبدالعزيز بن أحمد آل مبارك، وأمامه الطلبة في حلقة علمية مهيبة، ويتكون الطابق العلوي من أربعة فصول، ثلاثة في فناء واحد، وفي كل منها مقاعد من الخشب، أما الفصل الرابع وهو الأكبر، فيقع في الجانب الشمالي من ناحية البحر .
جلست أنا ورباع في الجانب الشرقي خارج الفصل أتفرج على فصول التعليم، وإلى جانبي غرفة كبيرة منظمة كانت مخصصة للمدرسين، وخرجت من المدرسة وعدت في اليوم الثاني، وهكذا تكررت زياراتي، وفي اليوم الثالث كان رباع بجانبي، وإذا بالشيخ عبدالله الوهيبي المعروف بالمزين مدير المدرسة يفتح عينه ويصوبها علينا، كأنه يقول إن هذا الولد، اليوم هو الثالث له يأتي ويجلس هنا، من هو وماذا يريد؟ ورد عليه الطلبة مؤيدين، وكان من بينهم الأديب المرحوم أحمد بن سلطان بن سليم .
وجاء المدير يمشي مهلاً مهلاً، وجلس عندي وقال لي يا ابني انته ولد من؟ فقلت له: أنا ولد علي بن محمود، وما كاد يسمع الكلمة إلا وفرح وطفق سرورا، فقال: أنت ولد الحاج علي؟ فقلت: نعم فقال، أهلا وسهلا - أقول حق أبوك اييبك هنا عندنا في المدرسة - وكانت تلك هي أول زيارة لي للمدرسة الأحمدية .
فكره التعليمي
اعتمد الفكر التعليمي عند الشيخ محمد في بداية ظهوره على الثقافة التي تأصلت بتفاعل المثقفين مع التعليم، حيث إن التعليم كان المنطلق والعمود الفقري لتأصيل ثقافات مستمدة جذورها وأشكالها من النظرة الواقعية للحياة، وقد تعددت الرؤى، لكنها اتجهت لتحقيق هدف واحد، ألا وهو التطوير والتحديث والتغيير، كما أسس مكتبة ثقافية في مدرسته الأولى التي ظهرت في الحيرة، وكانت المكتبة تسمى مكتبة الإصلاح، وهي ثالث مكتبة في الشارقة ظهرت بعد المكتبة التيمية التي أسسها والده في المدرسة التيمية المحمودية، حيث دعا طلبة الإصلاح للقراءة والاطلاع، وعدم الاعتماد على المنهج أو المقرر المدرسي .
وكان الفقيد سبّاقاً لتعليم البنات بمفهومه التطوري، حيث افتتح أول فرع في مدرسة الإصلاح لتعليم البنات، ليأخذ بذلك مفهوم التطوير والتحديث لديه - رحمه الله - أشكالاً وجوانب مختلفة، حيث كسر بجهوده ونظرته التقدمية حالة الارتداد والتباطؤ في تقبل مظاهر العصر الحديث، ومنها تعليم البنات وتثقيفهن ليصبحن أمهات صالحات، حيث رأى أنه من الواجب إتاحة الفرصة للبنت لتلتحق بالمدارس التطورية، وتجلس على مقاعد الدرس .
صقل الذات
تتلمذ الشيخ محمد وتعلم على يد نخبة من العلماء، وكان من أساتذته ومعلميه الشيخ صالح محمد الخليفي، والشيخ سيف بن محمد المدفع، والعالم الفقيه محمد بن سيف، والشيخ مشعان بن ناصر المنصور، والشيخ عبدالرحمن بن محمد الشامسي، وبعد أن تتلمذ على أيديهم اعتنى بنفسه عن طريق القراءة والاطلاع على الكثير من الكتب والدراسات .
كما تأثرت شخصيته وحياته بالبيئة، وظهر ذلك على شكل صور وتجارب عديدة لها واقعيتها في الحياة .
أبرز أشعاره
من أبرز ما جاء في شعر الشيخ محمد المحمود الوطني قصيدة له تتناول القيم السامية وطنياً وعربياً لمعاني عيد الجلوس، ومما جاء فيها:
تحية لعظيم المجد والشان
تحية الله من وحي وقرآن
إلى الهدى والعلا والمكرمات
إلى الندا به يسعد الدنيا بإحسان
إلى همام إمام عادل بطل
إلى الذكا والحجا في حسن إمعان
إلى مقام سمو الحاكم اليقظ الشهم
العظيم رفيع القدر والشان
وذروة العز والعلياء ترمقه