يكاد المؤرخون والنسّابة العرب يجمعون على أن ابن أبي طالب رضي الله عنه، كان أول هاشمي من أبوين هاشميين، ولذلك، كانت قد اجتمعت في شمائله الحميدة التي عرف بها خلاصة الصفات التي اشتهرت بها هذه الأسرة العربية الكريمة التي كان منها النبي العربي الهاشمي محمد صلى الله عليه وسلم، فتقاربت سماتها وتدانت ملامحها في كثير من أعلامها المقدمين، وهي في جملتها، النبل والشجاعة والمروءة والذكاء، عدا المأثور أو المنوّه به، إن في سماتها الجسدية، أو في علاماتها الفكرية، التي تلاقت أو تقاربت ولو في عدد قليل من الرجالات الأعلام، إن في الأسرة الهاشمية أو في غيرها من الأسر العربية الأصيلة المعدودة .

وفي روايات النسابة والمؤرخين: هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وهو عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم . وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف . وفي روايات الإخباريين أن أمه فاطمة، كانت قد اختارت له اسماً آخر هو حيدرة، وكأنها تريد أن تسميه على اسم أبيها أسد، إذ الحيدرة هو الأسد . غير أن أباه سماه علياً، فعرف واشتهر بهذا الاسم بعد ذلك، ويذكر أصحاب السير بأن علياً رضي الله عنه، كانت ألقابه كثيرة . وحيدرة واحد منها للدلالة على مهابته وشجاعته وإقدامه وجلال شأنه وصلابة عضده، وشدّة قبضه على مقبض سيفه، وهو ذو الفقار الذي اشتهر له .

وكان لعبد المطلب أربعة أبناء: علي وهو أصغر أبناء أبويه . وأكبر منه جعفر وعقيل وطالب . وكان بين كل منهم وأخيه عشر سنين . وطالب هو أكبر أبناء عبد المطلب، والذي كني به، حتى بات يُعرف بأبي طالب، أكثر مما يعرف باسمه الشخصيّ: عبد المطلب . أما عقيل فكان أحبّ هؤلاء الإخوة إلى أبيه . ويقال إنه عندما أصاب القحط أهل مكة، ومن بينهم قريش، أهاب النبيّ صلى الله عليه وسلم بعميه: حمزة والعباس، أن يحملوا ثقل أبي طالب في تلك الأزمة الشديدة التي نالت من عبد المطلب أكثر مما نالت من غيره من القرشيين وعموم أهل مكة، بسبب تحمله عنهم جميعاً سدانة الكعبة ورعاية حجاج بيت الله الحرام، فجاؤوه وسألوه أن يدفع إليهم أولاده فقال: دعوا لي عقيلاً وخذوا ما شئتم . فأخذ العباس طالباً، وأخذ حمزة جعفراً، وأخذ النبيّ عليا .

وعي مبكر

وكانت طفولة علي بن أبي طالب رضي الله عنه مبكرة النماء بسبب سبقه لأقرانه في الوعي المبكر وفي الفهم المبكر أيضاً، والقدرة على استيعاب ما يدور حوله . وهو الذي أدرك في السادسة أو في السابعة من عمره، شيئاً من الدعوة النبوية التي يدق فهمها ويستعصي بلوغ كنهها، وهو في مثل تلك السن المبكرة . فكانت له مزايا التبكير في النماء، وأعباء ومتاعب المبكرين .

ويذكر المؤرخون وأهل السير، أن ابن أبي طالب رضي الله عنه، كان مكين البنيان في الشباب والكهولة، حافظاً لتكوينه المكين والمتين حتى بلغ الستين . وقد وصفه أحد القدماء فقال فيه: إنه في تمام الرجولة، كان رضي الله عنه ربعة أميل إلى القصر، آدم (أي أسمر) شديد الأدمة، أصلع، مبيض الرأس واللحية طويلها . ثقيل العينين في دعج وسعة . حسن الوجه واضح البشاشة، أغيد، كأنما عنقه إبريق فضة . عريض المنكبين لها مشامش السبع الضاري، لا يتبين عضده من ساعده، قد أدمجت إدماجاً . ثم يقول فيه أيضاً: وكان ابن أبي طالب رضي الله عنه أيضاً أبجر (أي كبير البطن)، يميل إلى السمنة في غير إفراط، ضخم عضلة الساق مستدقها، وضخم عضلة الذراع مستدقها أيضاً . شثن الكفين، يتكفأ في مشيته على نحو يقارب مشية النبيّ صلى الله عليه وسلم ويقدم في الحرب، فيقدم مهرولاً لا يلوي على شيء .

شجاعة نادرة

وكان ابن أبي طالب رضي الله عنه تجتمع لديه القوة البالغة والشجاعة الفائقة، بحيث لا ينهض له أحد في ميدان مناجزة أو في ساحة مبارزة، حتى كأنه لجرأته وإقدامه، لا يهاب قرناً من الأقران، بالغاً ما بلغ من الصولة ورهبة الصيت . وفي أخباره التي تسير في الآفاق، أنه اجترأ وهو فتى ناشئ، على عمرو بن ود العامري، فارس الحواضر والبوادي والذي كما يقال، كان يقوم بألف رجل عند أصحابه وأعدائه . فعندما وقعة الخندق، خرج عمرو في الحديد ينادي جيش المسلمين: من يبارز . . فصاح عليّ رضي الله عنه: أنا له يا نبيّ الله . . . فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم وبه إشفاق عليه: إنه عمرو . اجلس . وإنه لكذلك حتى أذن له . فمشى إليه فرحاً بهذا الإذن، كأنه الإذن بالخلاص . وعندما دنا من عمرو سأله هذا الأخير: من أنت؟ فقال ولم يزد: أنا عليّ . قال: ابن عبد مناف؟ قال: ابن أبي طالب، وأقبل عمرو عليه يقول: يا ابن أخي، من أعمامك من هو أسن منك، وإني أكره أن أهريق دمك . فقال له علي: ولكني والله لا أكره أن أهريق دمك . فغضب عمرو، وأهوى إليه بسيف، كأنه شعلة من نار . فاستقبل علي رضي الله عنه الضربة بدرقته . ثم ضربه عليّ على حبل عاتقه، فسقط فما انجلى الغبار إلاّ عن عمرو صريعاً، وعليّ يجأر بالتكبير .