أزمة مياه الشرب، تضرب معظم دول العالم، وخصوصاً منطقة الخليج، حيث يتم صرف الملايين على محطات تحلية الماء ونقله . ما زاد التكلفة، إضافة إلى الصيانة المستمرة للمحطات وأنابيب النقل .

والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا لو وقع خلل ما في هذه المحطات لأي سبب كان؟ هل اتخذت الدول ما يلزم من تدابير لمواجهة ذلك؟

حيث إن الطاقة الأساسية في تشغيل محطات التحلية هي النفط، وعند نضوبه سوف تتوقف محطات التحلية كلياً .

الآبار الجوفية غير كافية لاستهلاك مدينة الرياض مثلاً، فما بالك بالتوسع المستقبلي ناهيك عن الكثير من الآبار الحالية، التي تحتاج إلى تحلية لتخليصها من الأملاح والعناصر المعدنية لتكون صالحة للاستخدام البشري .

الطاقة الضرورية لمحطات التحلية هي عملية تحويل النفط إلى طاقة حرارية، والنفط، هذا الذهب الأسود التي كلف كوكب الأرض لإنتاجه ما يقارب 650 مليون سنة، لتتحول بقايا النباتات وحيوانات ما قبل التاريخ وتحت تأثير الحرارة والضغط نتيجة تكدس هذه المواد العضوية في أعماق الأرض، إلى نفط خام، يباع على شكل براميل اليوم، والبرميل الخام الواحد يحتوي تقريباً على 42 جالون نفط أو بترول خام كوحدة قياسية .

عند تكرير النفط الخام، أي فصل مكوناته الأساسية، فهو يعطي مايقارب 19 غالوناً من الكازولين أو بنزين السيارات (نحو 74 لتراً) أي أنك تستهلك بالمتوسط إنتاج كامل البنزين المكرر من برميل النفط الخام في خمسة أيام لسيارة متوسطة الحجم تجوب شوارع الرياض، وأيضاً ينتج منه 10 غالونات من الديزل، و4 غالونات من وقود الطائرات و7 غالونات من مواد أخرى تصنع منها مستحضرات التجميل المختلفة، ومواد النظافة بأنواعها، والبلاستك باختلافاته، والأقمشة بكل ألوانها، والألوان وقطع السيارات، وبعض الأدوية، وحتى قطع من الأثاث . . إلخ من مواد عديدة، ولم لا، فهي تحوي عصارة الأرض من المواد العضوية والكيمائية لمدة تزيد على650 مليون سنة، وللأسف البترول يستنزف ويحرق كوقود هو الآخر بشكل محموم . هذه السلعة الثمينة لا يمكن إنتاجها مرة أخرى، وهي عاجلاً أو آجلاً سوف تنضب .

إن النفط وصل في بعض دول العالم إلى قمة خزينه من حقوله، وبدأ بالنضوب من هذه الحقول، وقد تعددت التكهنات والفرضيات حول نهاية عصر النفط ومنها نذكر بإيجاز:

1- المعهد الأمريكي للنفط تنبأ عام 1999 بنضوب النفط بين عامي 2062 و،2094 على فرض أن الاحتياطي العالمي بين 4 .1وتريليوني برميل، والاستهلاك هو 80 مليون برميل في اليوم . . إلا أنه عام 2004 وجد أن الاحتياطي العالمي قل إلى 25 .1 تريليون برميل، والاستهلاك العالمي زاد إلى 85 مليون برميل، الذي بدل وغيّر موعد النضوب فأصبح عام 2057 .

2- الباحثون في جامعة أوكسفورد، وحسب مجلة سياسة الطاقة، تنبأوا بتجاوز المخزون النفطي عام 2015 (إلا إذا تدخلت الحكومات وحالت دون ذلك) . .

3- معلومات الطاقة الامريكية تنبأت عام 2006 بأن الاستهلاك العالمي سوف يزداد إلى 3 .98 مليون برميل في اليوم عام ،2015 ويصل إلى 118 مليون برميل عام 2030 . إن زيادة النمو السكاني وتوسع الاستهلاك العالمي وقلة استكشاف آبار جديدة تجعل عصر النفط آيلاً إلى الانتهاء وذلك ليس ببعيد؟ فهل بدأ العد التنازلي لنضوبه؟

الأمور واضحة أمامنا، لابد من التخطيط الحالي إلى البدائل، والبدائل متنوعة وعديدة منها الكفؤ (الجدوى الاقتصادية) وغير الكفؤ (تنتج طاقة قليلة محدودة الاستعمال) ومنها:

1- الطاقة الشمسية، إن الله تعالى حبانا بطاقة لا تنضب من الشمس، هذه الطاقة إن أحسّنا تطويرها واستخدامها (كما هو الحال في جزيرة فرسان الآن وقرية العينة سابقاً) وتحويلها إلى كهرباء، يمكن عندها الاستفادة من الكهرباء للتحلية أو أخذها مباشرة للتحلية، (ومحطات التحلية الحالية قائمة على مبدأ عام وهو الحرارة المتولدة من الطاقة لتبخير مياه البحر وتخليصه من الأملاح والمعادن المصاحبة أو جعلها بكميات مناسبة لماء عذب صالح للشرب وري المزروعات) . وفي الحالتين قد لاتكون كفؤة بالقدر الكافي، وتستخدم لإنتاجات قليلة، أما الطاقة الشمسية عندما تستخدم في توليد طاقة الهايدروجين (عند فصل ذرة الأوكسجين عنه في جزئية الماء (الله أكرمنا بمياه البحر الهائلة حولنا) المتكون من ذرتين واحدة أوكسجين وأخرى هايدروجين، وطاقة الهايدروجين هذه تستعمل للتحلية ولتوليد الكهرباء وهي طاقة كفؤ وطاقة هائلة القدرة ونظيفة للبيئة (أي لا تسبب التلوث البيئي) وسوف تفتح آفاقاً صناعية متجددة .

2- الطاقة النووية والمفاعلات الذرية قادرة أيضاً على إنتاج كميات تجارية من المياه العذبة، باستخدام الحرارة الزائدة والمتولدة في هذه المفاعلات نتيجة إلى التفاعل الانشطاري . . إن الشمس والنجوم مصدر طاقة لا ينضب (ومنها الطاقة الشمسية والضوء الواصل إلينا من الشمس) . هذه الطاقة تنتج من التفاعلات النووية الانشطارية منها والاندماجية (بلغة الفيزياء)، حيث تتحول المادة إلى طاقة؟ وقد تعلم البشر منذ عام 1942 (في الدول المتقدمة) في محاكاة الطبيعة بإنتاج التفاعلات الانشطارية (حسب نظريات آينشتاين) في ما يسمى المفاعلات الذرية وأحياناً تسمى النووية (أجهزة تحوي هذه التفاعلات، وهي عند مستوى الذرة ومكوناتها) ويعمل الباحثون بجدية للحصول على التفاعلات الاندماجية، وهي لها القدرة على طاقة أكثر بآثار سلبية أقل، حالياً الطاقة النووية توفر 16% تقريباً من كهرباء العالم، وسبق استخدامها في اليابان لتحلية مياه البحر وتملك اليابان حالياً 8 محطات تعمل بالطاقة النووية، وتسارع الدول الأخرى في هذا الاتجاه .

الطاقة النووية أو الذرية ممكن أن تحدث طبيعياً في الشمس والنجوم لتكوين الحرارة والضوء (وهو ما يصل منها إلينا، والحمد لله أنها بعيدة عن أن تصلنا الطاقة المدمرة والإشعاعات المميتة)، أو أن تكون من صنع الإنسان كما أسلفنا، مثل القنابل الذرية والهايدروجينية والمفاعلات الذرية، الطاقة النووية تنتج بطريقتين مختلفتين، الأولى نواة ذرات كبيرة تنشطر لإطلاق الطاقة (نواة اليورانيوم) والأخرى نويات صغيرة (نواة الهايدروجين) تندمج لإطلاق الطاقة، حسب مبدأ فيزياء آينشتاين في تحول المادة إلى طاقة، وهو ما يعرف بالطاقة الانشطارية والاندماجية .

وقد أقنع العالم آينشتاين رئيس الولايات المتحدة آنذاك بالاستفادة من هذه الطاقة، وبدأ عصر الذرة عام 1942 بعمل التفاعل التسلسلي في كومة يورانيوم . وفي 6/8/1945 أسقطت أمريكا أول قنبلة نووية على هيروشيما في اليابان قتلت أكثر من 100 ألف شخص، وبعدها بشهرين أسقطت أمريكا أيضاً على نكازاكي القنبلة الذرية الثانية التي قتلت أكثر من 45 ألف شخص واستسلمت اليابان على الأثر وانتهت الحرب .

هذه القنابل أحدثت دماراً شاملاً في كل أوجه الحياة وبقيت آثارها الإشعاعية لعدد من السنوات . إن إشعاعات ألفا وبيتا وكاما التي تولدها هذه القنابل مع قدرة الانفجار قادرة على فناء البشرية والإخلال بتوازن حركة الأرض حول نفسها وحول الشمس .

أما المفاعلات النووية فقد روعي في تصميمها كل أوجه السلامة والأمان في إنتاج الكهرباء الرخيص، وتحلية المياه المالحة، ولم يعرف سوى عدد محدود من الحوادث التي يمكن السيطرة عليها ومنها حادثة مفاعل شرنوبل في روسيا ولونغ ايلند في أمريكا .

ولكون الأرض محدودة الإنتاج للفحم والنفط وهما يكونان الطاقة الأساسية، فإن الطاقة النووية هي البديل الأكثر جدوى حالياً، من كل البدائل الأخرى للحصول على مياه عذبة، وكهرباء رخيصة، خصوصاً لدول الخليج ودول شمال إفريقيا التي تفتقر لمياه الانهار . إن خُمس سكان العالم (أكثر من مليار نسمة) حالياً لا يملكون مياه شرب، والنتيجة أن أكثر من 3 مليارات حالة مرضية، ومليوني حالة وفاة في السنة تحدث جراء أمراض منسوبة للماء وشحها . في عام 2025 أي مايقارب 33% من سكان العالم أي أكثر من 8 .1مليار نسمة سوف يعيشون في بلدان ومناطق من دون ماء كافٍ . كل هذه الأمور وغيرها ستضطرنا لدخول عصر الذرة للاستخدامات السلمية، وعلينا ببناء الاختصاصين في هذا المجال إذا أردنا أن نستمر في تمتعنا بتقدمنا العمراني والصناعي .

3- طاقة الرياح، وطاقة أمواج البحر، وطاقة الوقود الحيوي (طحالب ونفايات الحيوانات والنباتات) . يمكن الاستفادة منها، في إنتاج طاقة ذات جدوى اقتصادية قليلة، وأخرى محدودة الكفاءة . وهذه نافعة كبديل خصوصاً للقرى والأرياف حيث قلة الاستهلاك، وتقوم بتحلية مياه الآبار أو البحر، في إنتاج عدد محدود من الأمتار الكعبة، وإنتاج الكهرباء الرخيصة .

إن التعددية في إنتاج الطاقة من مصادر متنوعة له فوائد جمة والأهم تكوين الكوادر الفنية المتخصصة في هذا الاتجاه، والعمل على توعية المواطنين والشركات الخاصة بأهمية الاستثمار فيها، خصوصاً في الجامعات والمعاهد ومراكز البحث العلمي، والتخطيط المبكر للطاقة البديلة من قبل الوزارات والمجالس المعنية، خصوصاً وزارات التعليم العالى، والتخطيط، وأرجو ألا يفوتنا الوقت في إيجاد البدائل لتوفير الماء والكهرباء، وأن تكون استراتيجيتنا مستقبلية وليست آنية .

رئيس ومؤسس الأكاديمية العالمية لتطبيقات الليزر (مؤسسة غير ربحية)