
تقترب منهم أكثر فأكثر، فيتبدد الغموض المحيِّر الذي يلفهم، شيئاً فشيئاً، تدرك أنهم طلبة حقاً، تماماً كما توقعت مسبقاً، وما يجمعهم، سلوك ألفوه خفيةً وغدا ممارسة شبه يومية، حيث يتناولون مواد أشبه في تأثيراتها بالمخدرات، وإن كانت أقل فتكاً منها، إنها أصناف محظورة يتم تداولها في الأسواق خلسة وتحت مسميات عدة، منها: النسوار، والبان، وشيني كيني، ولكنها جميعاً متشابهة في تأثيراتها وحجم ضررها، وفي المواد التي تتكون منها أيضاً . إنه نوع جديد من الإدمان أخذ يطل برأسه، ويستشري في جسد الميدان التربوي بلا هوادة، ويطال شريحة مهمة في المجتمع، إنهم الطلبة، الذين سرعان ما ينغمسون وينقادون وراء متعة آنية زائفة، تبث الكسل والخمول في أجسادهم الغضة، وتدفعهم إلى الانعزال والانطواء، وبالتالي تصبح الدراسة أمراً يتذيل قائمة اهتماماتهم، ناهيك عن الأضرار الصحية العديدة التي تعتريهم بفعل تعاطي مثل هذه المواد .
ويقف وراء هذه الممارسات أشخاص آسيويون لا يهمهم سوى جني المال، جاؤوا إلى الدولة التي فتحت ذراعيها لهم للعمل فيها، فوجدوا ضالتهم في صناعة وافدة استقدموها من بلادهم، وتدر عليهم أرباحاً تسيل لعابهم وتدفعهم إلى مزيد من العمل لإنتاج أكبر قدر منها وتسويقها في مختلف مدن الدولة، وتجد تلك التجارة المربحة آخرين ينضمون إليها على هيئة حلقات متسلسلة، تبدأ من التجار الذين يصنعونها، مروراً بمروجيها، وانتهاءً بالباعة .
ورغم انتشار هذه الظاهرة وعدم اقتصارها على فئة الطلبة، ورغم خطورتها الصحية وتأثيراتها النفسية، فإن الجهات المختصة في الدولة لا تجرِّم من يسعى إلى تصنيعها وبيعها، وتقتصر التشريعات المعمول بها على قوانين محلية تعمل وتنفرد بها كل إمارة في الدولة، يؤخذ عليها أنها غير صارمة ولا توازي حجم الضرر الواقع، كما أن بعض الجهات على مستوى الدولة أصدرت تعاميم لم ترق إلى مستوى القوانين للجهات الرقابية مثل البلديات، لمصادرة تلك المواد فقط، متذرعة بأنها ليست على درجة كبيرة من الخطورة، وتندرج ضمن قائمة المواد التبغية، وهو ما تبين لنا عكسه تماماً . ويذهب مختصون وتربويون، إلى التحذير من هذه المواد لما لها من انعكاسات سلبية على الصحة العامة، إذ تفتك بمتعاطيها وتجعله يدور في حلقة مفرغة، حبيس محيطه ضمن أفق ضيقة، منطوياً على ذاته، رهينة لهذه المواد، التي تجعل منه شخصاً منزوياً بلا هدف، مفرغاً من المسؤولية تجاه ذاته ومجتمعه، مؤكدين أن مستوى الطلبة الذين ينكبون على تعاطيها ينحدر إلى معدلات متدنية قياسية تصل إلى 70%، الأمر الذي ينبئ بعواقب وخيمة، ومستقبلاً بائساً ينتظرهم .
الخليج ارتأت أن تكون حاضرة في هذه القضية لسبر أغوارها، واستشعار حقائق بينة عن الطلبة الذين ينزلقون إلى متاهاتها، ولتسليط الضوء عليها والتعريف بها كونها تمس كيان المجتمع وتدفع به إلى المجهول، وتقصي كل المحاولات التي تبذل للارتقاء بالتعليم، الذي يشكل أولوية قصوى في أجندة المسؤولين في الدولة، ومن خلال هذا التحقيق نضع بين أيديكم رأي أطراف العلاقة والمختصين في محاولة للإجابة عن تساؤلات مشروعة، ولأن الطلبة محور هذه القضية، استطلعنا آراء عينة منهم، مع الأخذ بالاعتبار تجنب ذكر الاسم تارة، أو المدرسة التي ينتمي إليها الطالب تارة أخرى نزولاً عند رغبة بعضهم .
في البداية يروي لنا ح، س (17 عاماً) كيف أنه كان ضحية لهذه المواد، ويقول: منذ 4 سنوات أقبلت على تدخين التبغ، ولكني لم أستطع أن أمضي في هذه العادة، لأن والدي ثارت لديهما شكوك حولي، فخفت أن يفتضح أمري، وابتعدت عنه كلياً، ولجأت إلى بعض المواد التي تتداول لدى الباعة، تسمى البان، والنسوار، وهي زهيدة الثمن تباع القطعة الواحدة منها بدرهمين فقط، وكان أصدقائي في المدرسة يشجعونني على أن أقبل على هذه العادة، كونهم يتعاطونها، واستمررت بتناولها لمدة 4 سنوات متواصلة، ولا أزال على ذلك النهج .
ويتابع: أول مرة تناولت هذه المادة شعرت بنشاط وراحة بالغة، وبعد مرور بضعة شهور أحسست بأني أسير هذا المادة، ولا يمكنني الاستغناء عنها، وباتت عادة يومية أقبل عليها، حيث إنه إذا مرّ يوم من دون أن أتناولها أشعر حينها بدوار وصداع شديد، وأصبحت أتناولها بنهم لدرجة أني أضعها في فمي بمجرد استيقاظي من النوم، وبعد مرور أكثر من سنة، بدأ مستواي الدراسي بالتراجع بشكل حاد، وعدت لا أكترث للدراسة، فالنوم والكسل والخمول أمور أضحت تسيطر عليّ كلياً، الأمر الذي أدى إلى حدوث نتائج عكسية سلبية على صعيد تحصيلي العلمي، ومن ثم آثرت الانسحاب وترك المدرسة نهائياً منذ نحو عام، رغم أن مستواي الدراسي قبل أن أتعاطاها لم يكن سيئاً .
رائحة طيبة
أما الطالب أحمد محمد في الصف الثامن، ويبلغ من العمر 15 عاماً، فبين أنه يتناول هذه المادة مع مجموعة من أصدقائه، منذ سنوات، وهم يتعاطون مادة شيني كيني بالذات كون رائحتها طيبة، ويحصلون عليها من شخص آسيوي، يسكن في المنطقة الصناعية بالشارقة، ويبيع القطعة لهم بثلاثة دراهم، ويتناولها في أي مكان، بمعدل 3- 5 مرات في اليوم وحسب مزاجه، كما يؤكد، وأنها تسبب له خدراً بمجرد تناولها .
ويؤكد زميله راشد صقر، في الصف السادس، أنه لا يتعاطى هذه المواد، لكن أصدقاءه في المجموعة نفسها مواظبون على تناولها سوية، ولا يوجد وقت محدد لذلك، ويحصلون عليها من خلال شخص آسيوي، يعمل لدى شركة خاصة، ويقطن في سكن للعمال، حيث يتوجهون إليه كلما نفدت المادة منهم .
ويضيف: كل فصل دراسي في مدرستي يتضمن نحو 20 طالباً، ويتعاطى هذه المادة في كل فصل من 5 7 طلاب، على شكل مجموعات شللية وهي تبث الخمول والكسل فيهم عند تناولها، إضافة إلى الشعور بالرغبة في النوم والاسترخاء، بحيث يصبح الطالب شبه مخدر .
الطالب عامر يسلم النهدي بالصف العاشر في مدرسة الأقصى الخاصة في عجمان، لفت إلى أن العديد من الطلبة يتعاطون هذه المواد المخدرة داخل المدرسة خلسة من دون أن يتمكن المدرسون من اكتشاف ذلك، ويتناولها الطلبة كلما شعروا بتعكر في المزاج، وتصل نسبة الذين يتعاطونها في كل فصل دراسي من 4 6 طلاب، وهي ظاهرة منتشرة بين جميع الفئات العمرية لعامة الطلبة . ويضيف زميله سعود القحطان، أن تلك السلوكيات منتشرة بكثرة بين الطلبة سواء في المدارس الحكومية أو الخاصة في عجمان، وتتسبب في تراجع الطالب دراسياً بشكل ملحوظ، وفق ما يشاهدونه من نماذج داخل المدرسة وخارجها .
شعور بالمرارة
أم سعود، مواطنة، في الثلاثين من عمرها، زوجها متزوج بأخرى ولديه ولدان، يبلغ الأول من العمر 14 عاماً، والثاني 16 عاماً، تتحدث بمرارة عن قصة أولاد زوجها حينما بدأت تراقب تصرفاتهما خلال السنوات الثلاث الماضية، بعد أن شعرت بأمور غريبة أخذت تطرأ عليهما، مثل حالة الخمول، وتدني المستوى الدراسي، والانعزال عن الأسرة، وصعوبة الاستيقاظ والرغبة الشديدة في مواصلة النوم، وتطورت حالتهما إلى حد محاولة السرقة، إضافة إلى الأعراض الصحية الأخرى، كالكحة، والتهابات الجهاز التنفسي، وتشقق الشفاه، والشرود والنسيان، وقلة التركيز، وفقدان الشهية .
وتقول: لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى أمور أشد خطورة، تتصل بالجنس، حيث إن الخمول والفراغ اللذين يعيشانه، باتا يسيطران عليهما، ويدفعانهما إلى التفكير الدائم في إقامة علاقات مع الفتيات، وهو ما بدا واضحاً من خلال الصور المثيرة لنساء يحتفظون بها، والمكالمات الهاتفية، وكل هذه الأمور كانت تقلقني، كوننا عائلة واحدة نعيش في المنزل نفسه، ولذلك لجأت إلى المختصين لأستعرض حالتهما لعلي أصل إلى نتائج عن سبب هذه العوارض الخطرة الآخذة بالتصاعد، وكانت المفاجأة عندما أكدوا لي، أن هذه السلوكيات برزت بفعل تناولهما مواد مخدرة مثل، النسوار والبان وشيني كيني، وغيرها من المواد الأخرى التي تنتشر في الأسواق .
ضبط وإنكار
رضا محمد، أخصائي اجتماعي في مدرسة حلوان الثانوية في الشارقة، بيَّن أن ثمة حالات عديدة ترد إليهم لطلبة يتعاطون المواد المخدرة، وعند محاولة معرفة أسباب إدمانهم لها، فإنهم يرفضون الحديث، وإذا ضبطت هذه المواد معهم، فإنهم ينكرون أنها لهم أو يتعاطونها .
وأثناء دوامهم يستغلون دورات المياه لهذا الغرض، وهي تنتقل من شخص لآخر من باب التقليد والتجربة .
وفي المدرسة تبلغ نسبة الطلبة الذين يتعاطونها نحو 3%، ونأخذ بحقهم الإجراءات المتبعة، حيث نستدعي ولي الأمر، وعند التكرار يتم عمل مجلس تأديبي للطالب .
وعن المدارس التي تشهد حالات أكثر لطلبة يتعاطونها، يشير أشرف محمد صحصاح الاختصاصي الاجتماعي في مدرسة خالد بن محمد للتعليم الأساسي، إلى أن الظاهرة تزداد في المدارس الثانوية مقارنة بالأساسية، نظراً لأن الطلبة يدخلون في مرحلة سن المراهقة الحرجة، أما بالنسبة لأعداد الطلبة في مدرسته، فلا توجد إحصاءات عنها، ولم يتم حصرها .
خلفان محمد الرويمة، مدير مدرسة الخليج العربي في الشارقة، يقول إن الطلبة يقبلون على المواد المخدرة الدارجة في السوق من باب الفضول، وللأسف فهي منتشرة بين الطلبة، ولا توجد دراسات ميدانية واقعية تعالج الموضوع، سواء من قبل وزارة التربية والتعليم، أو الشرطة المجتمعية .
وأوضح أن نسبة الطلبة الذين يتعاطونها في المدرسة تصل إلى نحو 5%، وقد كانت العام الماضي 10%، وتقلصت بسبب انتقال بعض الطلبة الذين يتناولونها لمدارس أخرى، أو ترك جزء منهم للدراسة بشكل نهائي، ونتواصل مع الأسر التي يعاني أبناؤها هذه المشكلة للعمل على حلها، ولا نبلغ المنطقة التعليمية بها إلا إذا استدعى الأمر ذلك .
أكدت سلمى درويش مبارك الزعابي، وتعمل موظفة في قسم مراقبة جوازات منفذ ميناء خالد بالشارقة، أنها من خلال احتكاكها بصديقاتها وجلوسها مع أمهات خرجت بانطباع أكيد عن استفحال وانتشار مشكلة تعاطي المواد المخدرة، إلى جانب جهل العديد من أولياء الأمور، بأن أولادهم معرضون لتعاطيها وهم في غفلة عن ذلك، حيث تولد لديهم انطباع أن من يتعاطاها هم فقط الآسيويون، ولكن الكثيرين يفاجأون بعد بروز السلوكيات الغريبة على أبنائهم أنهم وقعوا فريسة سهلة في هذا الفخ .
ومن هذا المنطلق دفعني الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع إلى أن أقوم بإعداد استبيان يدور حول هذا الموضوع، لقياس حجم الضرر ونسبة تعاطي وانتشار هذه المواد في المدارس، والاستمارة الآن في طور التنفيذ، وسأقوم بتوزيعها على عدد من المدارس، وعند فراغي منها سأقدمها إلى وزارة الداخلية، وتلفزيون الشارقة لتسليط الضوء على هذا الأمر، والاستفادة من النتائج في وضع القضية في دائرة الضوء حتى تلقى الاهتمام الكافي .
بداية خادعة
وكان لنا وقفة مع الدكتور أحمد العموش، عميد كلية علم الاجتماع في جامعة الشارقة، حيث أكد أن تعاطي أي عقار أو مخدر يؤثر بشكل سلبي في نمط الحياة، إذ يقود إلى انعزال الفرد عن المجتمع وعدم التواصل معه، وأحياناً يؤدي إدمانه إلى اضطراب في سلوك الفرد، بحيث تصبح شخصيته انفعالية تؤطرها مفردات الإحباط والتوتر والقلق وفي مراحل متقدمة تصل بصاحبها إلى مرحلة الاكتئاب .
وأضاف: في البداية يمكن ألا يكون للمادة المخدرة التي يتعاطاها الشخص أي تأثير سلبي، كونها تمنحه جرعة من النشاط، ثم يبدأ الحال بالتغير فيتحول النشاط إلى خمول وكسل، وتصبح تلك المادة المخدرة حاجة أساسية يومية لا يمكنه الاستغناء عنها .
ويرى العموش، أن المواد التي تتداول في الأسواق تندرج ضمن المواد المخدرة بالنظر إلى العوارض التي تعتري متعاطيها، وعند تناولها من قبل الطلبة فإنها تعد سبباً في فقدان الطالب للتركيز خلال اليوم الدراسي، وتؤثر في تحصيله العلمي وتدنيه إلى مستويات قياسية تصل إلى 70%، كما أنهم يصبحون انسحابيين عند إدمانها، الأمر الذي لا يمكن التغاضي عنه، بل يتطلب وقفة جادة من قبل الجهات المختصة، وتضافر الجهود حتى يتسنى إيجاد الحلول المؤثرة، واتخاذ التدابير الوقائية العاجلة .
وفي سياق متصل أرجع سعيد الكعبي مدير منطقة الشارقة التعليمية المشكلة إلى عدم وجود إحصاءات دقيقة عنها، قائلاً: ما يتناهى إلى مسامعنا وجود بعض الحالات، ولكن أين وكيف ومن وراءها؟ فلا نعلم عن ذلك شيئاً، كما أن معالجة القضية يتطلب تعاون مختلف الجهات سواءً المدرسة أو الجهة الرقابية التي تضبط تلك الحالات لنكون على بينة وعلم بها لدراستها، ونحن في المنطقة التعليمية لدينا برامج خاصة بالثقافة الأمنية تتصل بهذا الشأن .
وأكد عبدالله حماد الشحي، مدير منطقة رأس الخيمة التعليمية سابقاً، أن تسرب تلك المواد المخدرة إلى تجمعات الشباب سواء في المدارس أو الأندية أو الأسواق والمراكز الرياضية أمر دخيل على مجتمع دولة الإمارات، وهي عادة مرفوضة ولم ترق بعد إلى حد الظاهرة، وفي الوقت نفسه لا يمكننا إنكار وجودها، ويتباين مدى انتشارها من مكان لآخر، ومن مدرسة لأخرى، لذا فإن من الواجب أن تقوم إدارات المدارس والقائمون على التعليم في الدولة، باتخاذ خطوات صارمة لمواجهة هذه القضية، والتنسيق والتشاور مع مختلف الجهات المعنية بهذا الأمر .
ونطالب الجهات المختصة بتشديد العقوبة تجاه كل من يساعد على انتشارها ويزرع الشوك والسموم في طريق جيل بأكمله بهدف التربح، والإبلاغ عن وجودها حتى لا يظل الأمر طي الكتمان .
وكانت منطقة أم القيوين التعليمية، وبعد أن رصدت سلوكيات سلبية بين صفوف الطلبة، ضمنها تعاطي المواد المخدرة لجأت إلى تركيب كاميرات للمراقبة داخل المدارس، حيث نجحت في كشف حالات لطلبة يتعاطون تلك المواد التي يحصلون عليها من البقالات والمحال التجارية المنتشرة في عدد من المناطق السكنية، ويتناولونها داخل الفصول ودورات المياه المدرسية، وأكدت آمنة المعلا مديرة المنطقة التعليمية، أنه تم التمكن من تحديد أماكن الجهات التي تبيعها .
ويظل السؤال الحاضر بقوة: ماذا عن خارج أسوار المدرسة، هل هناك رقابة تمنع الطلبة من الوصول إليها؟
والعود أحمد
علي مصبح الطنيجي مدير بلدية الذيد استعرض أبرز الإشكاليات التي تواجه البلدية في التصدي لظاهرة تصنيع المواد المخدرة، حيث أكد أن هذه القضية ليست وليدة اللحظة وإنما تعود إلى سنوات جندت خلالها البلدية مفتشيها لمراقبة من يقف وراءها لوأد المشكلة في مهدها قبل أن تتفاقم، وقد نجحت البلدية في ذلك في كثير من الأحيان، إلا أن طبيعة مدينة الذيد التي تتضمن أكثر من 3 آلاف مزرعة، كانت إحدى العقبات التي واجهتنا، حيث تم استغلالها من قبل الآسيويين لتصنيع المواد المخدرة، فضلاً عن تحويل البيوت إلى مصانع لهذا الغرض .
وعن رأيه في حجم ضرر هذه المواد، بيَّن أنها مواد مخدرة، نظراً لكونها تخدر الجسم ومن يقبل عليها يصبح مدمناً يصعب عليه تركها، لذا ينبغي وضعها ضمن لائحة المخدرات، وقد كان غياب قانون صارم يجرِّم ممتهني هذه الصناعة، سبباً رئيسياً بعدم التمكن من السيطرة على الوضع، فالصلاحيات المتاحة إزاء مثل تلك المخالفات تقتصر على تحرير عقوبات مادية بسيطة، إضافة إلى مصادرة المواد والآلات التي تستخدم في صناعتها فقط، الأمر الذي لم يكن كفيلاً في ردع هذه الفئة، فهي تدر عليهم أرباحاً جيدة تجعلهم يقبلون على تصنيعها وبيعها من جديد .
ويوضح أن البلدية خلال عام 2010 نجحت في رصد وضبط نحو 8 مصانع لالنسوار والبان، إلا أن ضعف الإجراءات المتخذة بحق من يقف وراءها أغرى البعض لمعاودة الكرة، وذلك ما اتضح لنا بعد أن ضبطنا عام 2011 أشخاصاً وقعوا في قبضة مفتشي البلدية سابقاً، وجُلّهم من الآسيويين وبعضهم مخالف لشروط الإقامة في الدولة .
أضف إلى ذلك، أنه لا يوجد قوانين فاعلة على مستوى الدولة، بل هناك تعميم من الأمانة العامة للبلديات صدر عام 1997 ينص على منع هذه المواد وتداولها في الأسواق، ومصادرة أية كمية تضبط، في حين لم تحدد أي عقوبة، ونحن بدورنا بناءً على تعميم آخر من بلدية الشارقة التي نتبع لها إدارياً، حدد فيه غرامة مالية تراوح من ألف إلى 7 آلاف درهم للمخالفين، ولكن يظل الوضع الراهن أبلغ خطورة، فنحن نخشى أن تستفحل هذه الظاهرة بين فئة الشباب والمراهقين، لذا يتعين وضع قانون يضع هذه المواد في خانة المخدرات، ويجرم من يصنع أو يروج لها .
من جانبه، رأى الدكتور مصبح راشد حميد مدير بلدية أم القيوين، أن أيجاد قانون موحد على مستوى الدولة بمنع تداول مادة النسوار وأشباهها يحدد فيه العقوبات أفضل من أن تعمل كل إمارة بقوانين محليه، قد لا تتناسب مع حجم الضرر الحاصل، ونحن في الإمارة لدينا قوانين محلية، للتعامل مع الحالات التي نضبطها .
ضرورة ومصلحة
وشرح الدكتور القرشي عبدالرحيم البشر عميد كلية الشريعة، القاعدة الشرعية لتعاطي هذه المواد المخدرة، قائلاً: إن المواد التي يترتب عليها ضرر سواء تخدير للجسد أو فتور أو تأثير عقلي، بجانب عدم القدرة على التركيز هي أمور تستوجب المنع والتحريم شرعاً، إذ إن ضررها أكبر من مصلحتها، وفي الحالة التي نحن بصددها لا تترتب عليها أي مصلحة بتاتاً، لذا فهي شر محض، وينبغي الابتعاد عنه .
ومن المؤسف أن ينشغل الطلاب بهذه الأمور التي تضرهم وتحيدهم عن الصواب والطريق السليم، وتؤثر في قدراتهم وفهمهم واستيعابهم .
من جهتها، حذرت مياده حسن عوض -صيدلانية- من مخاطر تناول المخدرات التي يتم تداولها في الأسواق تحت مسميات مختلفة، خاصة بعد أن أشتكي عدد من الأمهات من تعاطي أطفالهن لتلك المواد التي تباع في بعض البقالات على شكل حلوى .
وقالت: تسبب تلك المواد أمراضاً تصيب الجهازين التنفسي والهضمي، وقرحة في غضون 6-12 شهراً للبالغين، وعندما يتعاطاها طفل دون 18 فإن مفعولها وضررها يكون أكبر، ويظهر في فترة قصيرة لا تتجاوز شهرين، إضافة إلى أنها قد تؤدي إلى سرطان الرئة واللثة .
تضارب في الآراء
وعند مكاشفتنا كنيز العبدولي مديرة الإرشاد الطلابي في وزارة التربية والتعليم عن حقيقة تنامي هذه الظاهرة بين الطلبة، نفت ذلك جملة وتفصيلاً، وطلبت منا تزويدها بأرقام وإحصاءات دقيقة عن أعداد الطلبة الذين يتعاطونها، في حين أن الوزارة التي تعتبر الجهة المسؤولة والمخولة بإجراء مثل هذه التقارير، تفتقد إلى تلك البيانات .
واستطردت: توجد هناك لائحة سلوكية للعقوبات يتم تطبيقها بحق أي طالب يخالف التعليمات .
في المقابل، أكد الدكتور أسامة اللالا اختصاصي الأنشطة الصحية في وزارة التربية والتعليم، أن المواد المخدرة، التي باتت جيوب العديد من الطلبة بمختلف فئاتهم العمرية لا تخلو منها أمراً يستحق وقفة جدية وقراءة متأنية، فتلك المواد ضررها بالغ وتعاطيها بداية نحو الإدمان، وهي تدق ناقوس الخطر، كونها تداعب أهواء الطلبة مدفوعين بحب الفضول لتجربة كل جديد، وبالتالي يصبح جسد الطالب بحاجة لها، ويبحث عنها لتوفيرها من أي مصدر، بغض النظر عن المكان والمال، نظراً لتكيف الجسم عليها، ومن هنا يبدأ الانحراف السلوكي .
وخلص اللالا إلى أن جهل بعض الأهل بأن تلك المواد مخدرة كونها تباع في البقالات على أنها نوع من الحلويات حيث يقبل عليها أطفال لا تتجاوز أعمارهم 11 عاماً، إلى جانب خوف الأبناء من إبلاغ ذويهم عنها خشية العقاب، أمران يسهمان بانتشارها، وضررها مضاعف على الطلبة الصغار، وتؤثر بشكل متنام في التحصيل الدراسي .
حبوب الهلوسة
اعتبرت مريم مال الله، رئيسة قسم الخدمة النفسية في مؤسسة الشارقة للتمكين الاجتماعي، أن تعاطي الطلبة لهذا النوع من المواد المخدرة أمر يقود إلى أنواع أخطر من الإدمان، قائلة: من خلال عملنا وتجارب عديدة خضناها مع نحو 2000 طالب وطالبة أيتام نرعاهم وردت إلينا حالات لطلاب ذكور يتعاطونها، ونظراً لأنهم انساقوا طويلاً في تناولها، فإنها لم تعد تشبع رغباتهم، فلجأوا إلى حبوب الهلوسة للوصول إلى النشوة والمتعة، وهي عبارة عن أدوية تصرف للذين يعانون من الأمراض النفسية، وضررها أكبر من النسوار والبان، وأقل من المخدرات بمفهومها الشامل .
وقالت: تضطلع المؤسسة ببرامج توعوية للطلبة بصفة مستمرة، من خلالها نستطيع أن نتعرف إلى من يتعاطاها أو أولئك الذين لديهم قابلية لذلك، عبر الاحتكاك معهم، ونقوم بتحويلهم إلى مركز التأهيل التابع لشرطة الشارقة للتعامل مع تلك الحالات، وتطرأ على الطلبة المتعاطين أعراض مختلفة، منها تقلب في المزاج باستمرار، وخمول، وعدم الرغبة في المشاركة بالأنشطة .
قانون اتحادي
رضا سلمان، مدير إدارة الصحة والسلامة في بلدية دبي، طالب بوجود قانون اتحادي على مستوى الدولة للتعامل مع الحالات التي يتم ضبطها، بغية توحيد العقوبات والإجراءات على مستوى الدولة في هذا الشأن، لاسيما أنها ظاهرة غير مقتصرة على إمارة دون أخرى .
وأكد أن القوانين المعتمدة في بلدية دبي، محلية صادرة عن حكومة دبي، تنص على مصادرة المادة، وإتلافها، وتتراوح العقوبة من 500 درهم حتى 500 ألف درهم، تقع وفقاً لحجم الضرر الصادر .
وذكر أن بلدية دبي كانت السباقة على مستوى بلديات الدولة في التحذير من ضرر هذه المواد المخدرة، لحظة ظهورها، خاصة مادة شيني كيني، وإجراء مسوحات وحملات تفتيشية للأسواق للتخلص منها، كما أن منافذ المدينة من موانئ ومطارات تخضع لرقابة شديدة .
تحديث القانون
المهندس سلطان عبدالله المعلا، مدير عام بلدية الشارقة، شدد على أن البلدية لن تتوانى في اتخاذ كل ما من شأنه كبح جماح من يروج ويصنع المواد المخدرة، حيث أضحت منتشرة بكثرة، سواء وسط طلاب المدارس، أو بين الآسيويين الذي يتعاطونها، ولذلك ستضع البلدية دراسة تؤطر الوضع العام لهذه المشكلة، للخروج بقرارات جديدة، وتحديث القانون المعمول به حالياً بعد أن ثبت عدم جدواه، وسيتم رفع المقترحات والتوصيات إلى المجلس البلدي، لاتخاذ القرار المناسب حيال الأمر .
وأضاف أن البلدية ضبطت حالات عديدة لبقالات ومحال تبيع هذه المواد، علاوة على أشخاص يتخذون من المزارع أماكن لتصنيع النسوار كان آخرها بمنطقة الزبير، لذا تحتاج هذه الظاهرة إلى تضافر جهود الجميع للقضاء عليها، منوهاً بأن القوانين المعمول بها حالياً في بلديات إمارة الشارقة محلية وليست اتحادية على مستوى الدولة .
التهاون مُضر
عن رأي الدين في تبعات عدم تناسب العقاب مع حجم الجرم، قال الداعية الدكتور أحمد الكبيسي، إن الدولة يقع على كاهلها تقدير الضرر ووضع العقوبة المناسبة، بحيث لا يتم التقليل من أهمية المخالفة الموجودة، وقد عانت العديد من الشرائح في المجتمعات العربية من ويلات ظواهر سلبية عديدة، لكونها استهانت بالضرر الحاصل، وتغاضت عن اتخاذ الخطوات الكفيلة بتحجيمها ووقفها .
أما بالنسبة إلى المواد المخدرة فإن هناك قاعدة شرعية تقول: ما أسكر كثيره فقليله حرام، والمواد المخدرة نوعان، الأول ما يتم تداوله في المستشفيات، حيث تقتضيها الحاجة الطبية، لذا فهي حلال، أما تلك التي تُذهب العقل أو تخدره، فتندرج ضمن مسألة التخدير الطوعي، ولا يوجد إذن طبي باستخدامها، وبالتالي فهي محرمة شرعاً، ومن باب أولى تغليظ العقوبة حتى لا يستشري الداء في المجتمع .
طالب مروج
لم يخف علي بو غازيين، رئيس قسم رقابة الأسواق في بلدية الشارقة، وجود وتداول هذه المواد المخدرة وبكثرة في الأسواٌق، وأكد أن مفتشي البلدية يعملون على مصادرتها فور العثور عليها، وتغريم الباعة الذين يتداولونها، ولكن الإجراءات التي تتخذ لم تعد كافية، ولا تتكيف مع حجم الضرر الحاصل، فالغرامة المالية لا تشكل رادعاً يحول دون تكرار المخالفة .
وبيَّن أن من ضمن الحالات التي وردت إلى البلدية، شكوى بوجود طالب يبلغ من العمر 14 عاماً يروج لأنواع مختلفة من تلك المواد بين زملائه داخل حرم المدرسة بهدف الكسب المادي، حيث اكتشفنا لاحقاً وبعد التحري أنه يشتريها من بقالة قريبة من المدرسة، كما أن صاحبها يعمد إلى بيعها للطلبة، الذين تشيع بينهم أفكار هدامة بأن هذه المواد منشطة وتساعدهم على الدراسة .
نوم في الفصول
أوضح يعقوب حمد الحمادي الاختصاصي الاجتماعي في مدرسة الشهباء للتعليم الأساسي بالشارقة واقع الطلبة مع هذه المواد، قائلاً: لا تخلو معظم المدارس منها، وهي تنتشر أكثر في المدارس الموجودة في المناطق ذات الخليط السكاني، ويمارس الطلبة هذه العادة من باب المحاكاة والتقليد، الذين ما يلبثوا أن يدمنوا عليها، فيصبح الطالب كسولاً يغط في النوم لفترات طويلة، لدرجة أنهم ينامون في الفصول الدراسية، ويتعاطونها في دورات المياه بالمدرسة، ويتخلصون منها بعشوائية عبر البصاق . وأضاف: نجري حملات تفتيش شخصي للطلبة، وضبطنا حالات عديدة، والبعض من الفئات السنية الأكبر تلجأ إلى إخفاء هذه المواد بالاحتفاظ بها مع زملاء لهم أصغر منهم سناً، لاسيما أولئك الذين ليسوا عرضة للشبهات والإجراء المتخذ بحق من يضبط متلبساً استدعاء ولي الأمر وتوقيعه على تعهد بعدم التكرار، وقد سيطرنا على العديد من الحالات داخل المدرسة، منها طالب كان يبيع هذه المواد، ولكن متابعتهم في الخارج أمر يظل خارج إرادتنا ومسؤوليتنا، وتصل نسبة الطلبة الذين يتعاطوها في المدرسة نحو 10% .
7 ثوان إلى الدماغ
كشف تقرير سابق صادر عن المختبر الجنائي التابع للقيادة العامة لشرطة دبي، أن مادة شيني كيني تتضمن نسبة عالية من النيكوتين، وتنتقل إلى الدم ثم الدماغ في غضون 7 ثوان، حيث تؤدي إلى النشوة والاسترخاء ومن ثم الإدمان، وقد تؤدي إلى شلل في الجهاز التنفسي عند تكرار تعاطيها .
وتعقيباً على التقرير، أكد الرائد الدكتور جمعة الشامسي، مدير إدارة التوعية والوقاية في الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في دبي، أن تلك المادة، لا تتضمن أي مواد مخدرة أو مؤثرات عقلية مدرجة في القانون الاتحادي رقم 14 لسنة ،1995 وكذلك القانون المعدل رقم 1 لسنة 2005 .
وعن إمكانية إدراجها ضمن المواد المخدرة قال: إن ضررها موجود وكبير، ويجب أن ترتقي إلى حد الظاهرة حتى تلقى الاهتمام، ويتطلب إدراجها فترة زمنية طويلة، حيث استغرق في السابق إدراج نوع من الأدوية مدة سنتين، وتعد وزارة الصحة هي الجهة المخولة بإدراجها ضمن لائحة المواد المخدرة، ويجب تشديد الإجراءات وتغليظ العقوبات بحق من يتداولها، لاسيما أن العقوبات المطبقة حالياً غير كافية، لتصل إلى حد الإبعاد عن الدولة والحبس، إذا اقتضت الضرورة، ويجب على البلديات ودوائر التنمية الاقتصادية ومنافذ الدولة إحكام قبضتها على مروجيها .
في المقابل، اكتفى الدكتور أمين الأميري وكيل وزارة الصحة، المساعد لشؤون الممارسات الطبية والتراخيص، بالقول إن الجهات الأمنية هي المعنية بهذا الأمر كونه من ضمن اختصاصها .
الأمراض التي تصيب المتعاطين
* التهابات الجهاز التنفسي
* سرطان المعدة
* سرطان الفم واللثة
* تقرحات في الفم
* قرحة في المعدة
* تثبيط وظائف الدماغ
* فقدان الشهية
* شلل في الجهاز التنفسي
* تأثير ضار بالجهاز العصبي المركزي
الأعراض الصحية
* يصبح الطالب شخصية انفعالية
* فقدان الاتزان والتركيز
* خمول وكسل
* إحباط وتوتر وقلق واضطراب
* الشرود والنسيان
* اكتئاب
* الرغبة الشديدة في النوم
نتائج التعاطي
* انخفاض المستوى التعليمي بشكل حاد
* محاولة السرقة
* عدم المشاركة في الأنشطة
* الانطواء والانعزال عن الأسرة
* الانسحاب من الحياة الدراسية