
تشكل الجزيرة الحمراء القديمة قرية تراثية متكاملة وفريدة من نوعها في الدولة، تعكس صورة متكاملة عن التراث الإماراتي الأصيل، الحضاري والعمراني والاجتماعي، مع صورة موازية لمنظومة قيم وتقاليد أبناء الإمارات، حيث تضم بين جنباتها نحو 334 مبنى تراثياً، بينها 300 مسكن للمواطنين من أبناء المنطقة، و11 مسجداً قديماً، ومدرستان قديمتان بنيتا في الخمسينات من القرن الماضي، ومركز شرطة، وعيادة شيدت في بداية عهد الاتحاد، ونحو 18 محلاً تجارياً على شكل الدكان القديم، ومقهى تراثي، والفرجان التقليدية ومجموعة من الأشجار والنباتات المحلية، ومرافق أخرى فرضتها طبيعة الحياة في الدولة سابقا . وتقع القرية التراثية، التي صنفتها دائرة الآثار والمتاحف في رأس الخيمة كأقدم منطقة معروفة في الإمارة، بالقرب من ساحل الجزيرة الحمراء في رأس الخيمة، وهي بمثابة ذاكرة المنطقة ورأس الخيمة عامة .
مبادرة أبناء الجزيرة الحمراء تهدف إلى حماية القرية التراثية من مخاطر الاندثار، ووقف مسلسل التعدي على حرمتها، وحماية قيمتها التاريخية والتراثية، بمبادرة ذاتية وجهود تطوعية خالصة من الشباب المواطنين، حيث يعملون بأنفسهم وبأيديهم في المنطقة، بمساعدة عدد من العمال، وعدد من آليات دائرة الأشغال والخدمات العامة برأس الخيمة، التي بادرت إلى مد يد العون لهم، إثر ما عاينته من جدية وحرص الشباب .
الشباب المواطنون تتراوح أعمارهم بين 35 عاماً و45 عاماً، وهم محمد راشد الزعابي، ومحمد هلال الزعابي، وعبد الله يوسف المياحي، وحمد إسماعيل الأحمد، فيما نجحت مباردتهم في تحريك همة وعزيمة أبناء الجزيرة الحمراء ومناطق أخرى برأس الخيمة، في إطار فزعة شعبية، وفي ظل حالة من الحماسة والعمل الشعبي وروح العمل الجماعي .
مبادرة الشباب، التي بدأت في الخامس من ديسمبر الماضي، مستمرة حتى الآن، وتحولت إلى مبادرة شعبية، لاسيما في منطقة الجزيرة الحمراء، الواقعة في مدخل إمارة رأس الخيمة، للقادمين من إمارات أم القيوين وعجمان والشارقة ودبي، عبر شارع الاتحاد .
أصحاب المبادرة أكدوا إنجاز 70% من مشروعهم التطوعي، مشيرين إلى أن العمل اشتمل على تنظيف المنطقة وإزالة المخلفات، من مهملات وقاذورات وعلب وأكياس وحجارة وأخشاب وسواها، وغطت عمليات التنظيف السكيك القديمة في القرية التاريخية وداخل المساكن الشعبية التراثية، وكل فريج على حدة، والساحات ومحيط البيوت، إلى جانب إزالة أشجار الغويف وسواها من النباتات الضارة، لتصل حصيلة المخلفات، التي رفعت من القرية القديمة حتى الآن، إلى حمولة 700 شاحنة على مدى شهرين ونصف الشهر تقريباً، وتزيين بعض المحال التجارية القديمة بمواد تراثية قديمة، كخوص النخيل والفوانيس القديمة والخيش الجواني، كما يسمى في اللهجة المحلية، وفتح الدروب الداخلية القديمة والضيقةالسكيك، من خلال إزالة المخلفات والأشجار الضارة، التي أغلقتها، في ظل حالة من الإهمال خلال المراحل الماضية .
تضمنت المبادرة، كما يقول محمد هلال الزعابي، أحد الشباب المشاركين فيها، ممن تكفلوا بإطلاقها، إنشاء مقهى تراثي على الطريقة القديمة وتزيينه، وإنشاء مرافق ومبان تراثية أصيلة، تعكس روح الحياة وأشكالها في ماضي الإمارات، فيما راعت المبادرة الشبابية والشعبية المحافظة على مكونات المساكن والمباني التراثية، مثل الحجارة المتساقطة منها، وإيداعها داخل المنازل، حتى إشعار آخر، إلى حين إيجاد آلية أو مبادرة جديدة لترميم المنطقة بصورة رسمية، وفق منهج علمي تخصصي .
واشتمل العمل أيضاً على فرش عدد من ساحات القرية ودفنها بالتراب، وصبغ الجدران بألوان مقاربة للألوان الأصلية، لإزالة الكتابات العشوائية عليها، التي تخدش المشهد التراثي والمظهر الجمالي والحضاري، فيما يحمل بعضها عبارات مسيئة، حفاظاً على روح المكان وطبيعته، وزراعة عدد من أشجار النخيل، وإنشاء مجسمات لآبار قديمة، مفردها طوي في اللهجة المحلية، وإعادة المحال القديمة إلى طبيعتها وسابق عهدها، من خلال إنشاء الدعون، وهي المظلات القديمة المصنوعة من خوص النخيل، والجندل، وهو نوع من الأعمدة المصنعة من خشب إفريقي، والجذوع، وهي أيضا أعمدة من جذوع النخيل، وعمل منامة تراثية قديمة، عبارة عن جلسة خارج المنازل أو استراحة، مرتفعة نسبياً عن الأرض ومكشوفة للهواء الطلق، وتزيين ساحة في أحد الفرجان بقارب تجديف تراثي محمل، ووضع سيارة جيب من طراز قديم في ساحة أخرى، كان بعض الأهالي يستخدمونها، وعمل دوار خاص لعلم الدولة، ونموذج لمدرسة قديمة وبسيطة .
بدوره، أشار محمد راشد الزعابي إلى أن المنطقة القديمة استعادت الكثير من بهائها وعافيتها، ما اجتذب عدداً من كبار السن وأبناء المنطقة من الأجيال المختلفة للعودة إليها والالتقاء في ربوعها، واستعادة الذكريات والماضي الجميل، من خلال عقد جلسات حميمية هناك وجمع شملهم، مع أداء الصلاة في المسجد القديم، وحث الشباب على بذل الجهد والمزيد من العطاء في مبادرتهم الاجتماعية التراثية .
ولفت حمد إسماعيل الأحمد إلى الدور الذي لعبه عدد من الشخصيات من أبناء الجزيرة الحمراء في دعم المبادرة، مشيرا إلى حرص الأمم الحية على ماضيها وتراثها، عبر صيانة وحماية المواقع الأثرية والتراثية، باعتبارها تجسد شخصيتها التاريخية، ومصدر اعتزاز شعبي، ودليل حي على مكانتها وإنجازاتها عبر التاريخ، فضلاً عن كونها رسالة للأجيال المتعاقبة بما قدمه وأنجزه أبناء الوطن من الآباء في خدمته .
عبد الله يوسف المياحي قال إن ما دفع الشباب إلى تبني المبادرة وإخراجها إلى النور هو حرصهم على حماية التراث العمراني الوطني وبقية أشكال الموروث الشعبي المتجسدة في المنطقة القديمة، والمحافظة على ذاكرة الوطن، إضافة إلى تلبية حنينهم الجارف إلى الماضي، في مكان تسكنه وجوه الأحبة من الراحلين، من الآباء والأجداد، الذين عاشوا في المنطقة سنوات طويلة، وترتسم ذكرياتهم على الجدران القديمة، وتنبعث روح الأصالة من ثنايا الفريج وتحت أشجاره .
على صعيد متصل، قرر أصحاب المبادرة والأهالي تنظيم حفل خاص في القرية القديمة ذاتها، في الرابع والعشرين من فبراير/ شباط الجاري، بحضور مسؤولين وأهالي المنطقة وممثلي المناطق الأخرى، في إطار احتفال شعبي، بما وصف بإنجاز شعبي .
سعود بن صقر يدعم المبادرة
قدم صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم رأس الخيمة، دعماً سخياً للمبادرة، حين أمر بتخصيص 100 ألف درهم لمصلحتها، ووجه دائرة أشغال رأس الخيمة بتقديم الدعم والمساندة للمبادرة، من خلال آلياتها، في ظل حرص حكومة رأس الخيمة على حماية التراث الوطني والشعبي، والمحافظة على الذاكرة التاريخية للدولة، التي تتمثل في القيمة التراثية للمكان، وبما يضم من نماذج التراث العمراني .
77 متبرعاً بينهم نساء
أصحاب المبادرة تحملوا في البداية جزءاً من الأعباء المادية للمشروع التراثي الشعبي، وصلت إلى 15 ألف درهم، تغطي أجور العمال وسواها من النفقات، قبل أن يتوسع نطاق المبادرة والتبرع، ليشمل الكثير من أهالي الجزيرة الحمراء وعدداً من أبناء إمارة رأس الخيمة من مناطق متفرقة .
ودفعت المبادرة بعد ذيوع صيتها شباب وأهالي آخرين إلى المساهمة في العمل والجهد، بينهم 4 سياح أجانب، أسهموا في العمل التطوعي من تلقاء أنفسهم، فيما وصل إجمالي تبرعات الأهالي لمصلحة المبادرة إلى 86 ألف درهم، وبلغ عدد المتبرعين 77 مواطناً، أغلبيتهم من الجزيرة الحمراء، بجانب آخرين من مناطق رأس الخيمة الأخرى، وعدد من أهالي أبوظبي، ومن بين المتبرعين عدد من النساء .
المبادرة تدفع الأهالي لصيانة مساكنهم
المبادرة الشعبية وما حققت من نجاح كبير حفزت 4 من مواطني الجزيرة الحمراء، من مالكي المساكن القديمة في القرية التراثية، التي توارثوها عن آبائهم، إلى المبادرة بصيانتها وترميمها على نفقتهم، ما يبشر بعودة الألق إلى القرية الإماراتية الأصيلة، عبر تحولها إلى مقصد شعبي ووجهة سياحية، وموقع لتصوير الأعمال السينمائية والدرامية والفنية، وهو ما استغل لهذا الغرض في حالات عدة سابقا، وأيضا منطقة لدراسة التراث وترسيخه بين الأجيال .