الأدوية العشبية، أو الطبيعية كما يطلق عليها، والمصنّعة من الأعشاب أصبحت تشكل هوساً كبيراً عند الكثير من فئات المجتمع، واستغلت الشركات المصنعة، وبعض الأفراد من المصنعين أو التجار حاجة الناس أو الهوس بكل ما هو عشبي، من أجل تحقيق الربح الوفير .
الكل أصبح يتحدث عن الأعشاب واستخداماتها في كل شيء، بسبب ومن دونه، بمعايير وبمواصفات عشوائية .
الإعلانات في كل مكان ومجال تتغني بأن المنتج مصنّع من الأعشاب الطبيعية، وهكذا تجد طريقها للرواج، وهم العشبي والطبيعي طال كل شيء، الأدوية والشامبوهات والكريمات والمقويات، وغيرها الكثير الكثير من المنتوجات التي باتت مذيّلة بعبارة منتج عشبي .
البعض استغل هذا الرواج للأعشاب الطبية، وأصبح يدعي خبرته الواسعة في تقديم أنواع من الأدوية والمقويات على أنها العلاج الأكيد لأية حالة ضعف، كما استغل بعض أوجاع الناس في الترويج لمثل هذه المقويات، من خلال خلطات معينة، خاصة للذين يعانون الضعف الجنسي .
ولكن السؤال: هل كل دواء عشبي مفيد أو منتج بطريقة صحيحة؟ وهل كل مروّج له مختص، ويعرف طريقة تركيبه؟ أو أن هناك أخطاء، وغشاً في تلك الأدوية ومروجيها؟
تحاليل مختبرات الأدلة الجنائية بشرطة دبي كشفت عن وجود غش واضح في العديد من أنواع الأدوية العشبية، أو ما يطلق عليها هذا المسمى تجاوزاً، وأن هناك الكثير من تلك المواد العشبية والمقويات وغيرها تباع في أسواق الدولة من دون رقابة، ومن دون التأكد من صلاحيتها للاستخدام الآدمي، حيث تباع تلك الأدوية على الأرفف في محال البقالة، وفي الصالونات، وبعض المراكز الصحية الرياضية، وبعضها يباع في فترينات مستقلة في العديد من المراكز التجارية، والبعض الآخر يبيعه المروج سراً على أساس أنه هو صاحب براءة اختراعه .
خلطات المقويات
تفتح الخليج ملف الأدوية العشبية وآثارها السلبية في متعاطيها من دون التأكد من مواصفاتها التصنيعية .
بداية تحدث المقدم أحمد مطر المهيري مدير الإدارة العامة للأدلة الجنائية بشرطة دبي، مؤكداً أن غالبية الأدوية العشبية المتداولة بالأسواق مغشوشة، ضارباً مثالاً بالمقويات الجنسية التي تملأ الدعاية عنها كل ركن وأكثر من وسيلة إعلامية، مشيراً إلى أن المقوي الجنسي يؤخذ لسببين، إما عند صغار السن لإثبات رجولتهم بشكل أكبر، أو لآخرين نتيجة مرض أو ضعف جنسي، وبالتالي يؤخذ لسبب علاجي .
وقال: الضجر من العلاقات الجنسية، والضعف النفسي، والإجهاد، وتناول بعض الأدوية النفسية يسبب ارتخاء، مما يؤدي إلى الضعف الجنسي، وبالتالي اللجوء للعلاج بالمقويات، وأقربها تلك العشبية التي يتم الإعلان عنها وتداولها على أنها مواد طبيعية، وغالبيتها يكتب عليها أنها مخلوطة بالعسل، أو اللبان، وهنا تكمن الخطورة، حيث إن استخدام الأعشاب وخلطها لابد أن يكون بنسب محددة حتى لا تضر .
فئات المستحضرات
المقدم الخبير خالد السميطي مدير إدارة السموم بالإدارة العامة للأدلة الجنائية يقول: إن الأدوية المغشوشة ظاهرة تزداد انتشاراً، وتشمل المقويات الجنسية، والمسستحضرات النباتية لعلاج السمنة، لافتاً إلى أن تصنيع وبيع الأدوية المغشوشة ظاهرة خطرة آخذة في الانتشار عاماً تلو الآخر، وتطال في تأثيرها مختلف دول العالم، المتقدم منه والنامي .
وقال: إن المستحضرات الدوائية المغشوشة تندرج تحت عدة فئات، أولاها المستحضرات التي تحتوي على المادة أو المواد الدوائية الفعالة نفسها، ولكن بكميات أو تركيزات مختلفة عن المستحضر الحقيقي، كما قد تكون منتهية الصلاحية، والنتيجة إما عدم استفادة المريض من المستحضر، أو تعرضه لآثار جانبية خطرة فيما لو تمت إضافة كمية أكبر من مادة فعالة ذات هامش منخفض، أو أن تحتوي المستحضرات على مادة أو مواد فعالة مختلفة عن المادة الأصلية في المستحضر الأصلي، وهذه المواد تضاف كمادة مالئة (حشوة)، وقد يكون بعضها ساماً للإنسان، ويؤدي إلى عواقب خطرة، أما النوع الثالث فهو المستحضرات التي لا تحتوي على أية مادة فعالة، وهذه تترك المريض الذي يستخدمها فريسة الوهم بأنه يعالج مرضه، وتعرضه لخطر تفاقم الحالة وتطورها إلى درجة أشد، ونوه بأن إلى جانب ذلك هناك مستحضرات دوائية يجري ترخيصها في بعض الدول التي لا تمتلك هيئات متطورة للرقابة على جودة الأدوية على أنها مستحضرات عشبية خالصة، ويتم غشها باضافة مواد كيميائية دوائية فعالة أخرى، كما هو الحال في غش المستحضرات النباتية لعلاج السمنة بدواء سيبوترامين، وغش المقويات الجنسية النباتية بالمادة الدوائية المعروفة باسم سيلدينافيل أو مشابهاتها .
وأكد أن هذه المستحضرات تعرض المريض لخطر تفاقم حدة الآثار الجانبية، لاسيما إذا عمد إلى الإفراط في تناولها اعتقاداً منه أنها مجرد أعشاب .
مصادر الأدوية
وأوضح السميطي أنه عادة ما يجري تصنيع المستحضرات المغشوشة في أماكن غير نظامية أو غير مرخصة، ولا تستوفي شروط التصنيع الجيد، ولا تخضع لرقابة صحية مختصة، وهذه الأماكن تتراوح في سعتها مابين الغرفة العادية إلى المصانع الكبيرة المجهزة بأحدث معدات التزييف والغش التجاري، وغالباً ما تتواجد في المناطق التجارية الحرة، أو في مناطق تغيب عنها الرقابة الفعالة على تصنيع واستيراد وتصدير الأدوية، كما أن هذه المنتوجات تباع عبر شبكة الإنترنت عبر مواقع الكترونية غير مرخصة، وتعطي عناوين وهمية، أو تباع في بعض المحال التجارية إما علناً على انها أدوية نباتية أو سراً بأسعار رخيصة مغرية، كما يتم تهريبها عبر الحدود .
ضرر بالغ
وأكد أنه لا أحد في مأمن من آثار غش الأدوية، والضحايا بالدرجة الأولى هم المرضى وعائلاتهم، والطبيب الذي تفشل خطته العلاجية، وقد يتعرض للمقاضاة من قبل المريض بسبب هذا الفشل العلاجي .
أيضاً فإن النظام الصحي بأكمله مع انتشار هذه الأدوية المغشوشة، لن يكون في مأمن، في حال فقد المريض ثقته به، خاصة إذا عجز عن توفير العلاج النظيف، إلى جانب الخسائر الاقتصادية التي تتكبدها الحكومات، والشركات المصنعة للأدوية النظيفة، وهو ما يتطلب تضافر كافة الجهود المحلية والإقليمية والعالمية، لمكافحة هذه الظاهرة .
ويري أن الاعتقاد السائد لدى الناس عند تناول أي شيء ذي طبيعة عشبية فهو في مأمن، وإن لم يستفد منه فلن يضر، وعلى سبيل المثال ما يخص المقويات الجنسية، فنظراً لطبيعة أعشاب الجنيسج المقوية أو المأكولات البحرية، فنجد أن المصنعين اتخذوا من هذه الأمور مدخلهم لترويج بضاعتهم المغشوشة، وذلك بخلط العسل بالجينسج، وغيرها من الأعشاب ذات الصيت والسمعة لدى االناس .
التدليس
من جانبه، قال الدكتور فؤاد علي تربح خبير أول سموم جنائية بالإدارة العامة للأدلة الجنائية، إنه بفحص عينات بعض المستحضرات الدوائية العشبية التي وردت للإدارة من جهات عدة، تبين أن مجموعة المقويات الجنسية تضاف إليها مواد كيميائية صرفة، صنعت لأغراض علاجية، ولكن تبين أن لها تأثيرات في زيادة وقوة الرغبة لدى الرجال مثلاً، وبالتالي تم النصح باستخدامها كمقوٍ جنسي، وتبين أن هناك تسرباً في هذه المواد الكيميائية من قبل غير المختصين، وإدراجها تحت النواتج الطبيعية، والتي يرى الإنسان عدم وجود أية خطورة منها بالفطرة، وبالتالي روجت بالأسواق رغم خطورتها، وتركيبتها الكيميائية .
وأشار إلى أنه لوحظ أن هذه المواد تخلط بمواد يستسيغها الإنسان مثل العسل، خاصة ما أطلق عليه المروجون العسل الملكي، أو ملكات النحل، حتى تظهر أمام المريض على أنها من مشتقات العسل .
وأشار إلى أن العسل بطبيعته مادة سكرية ومنتج للطاقة، وبالتالي فارتفاع نسبة السكر في الدم تعطي نوعاً من الحيوية للمستهلك، ولا توجد خطورة منه إلا على مريض السكري، ولكن الضرر ينتج بخلطه بمواد كيميائية غير مطابقة للمعايير الدولية الصحية المعتادة من منظمة الصحة العالمية والأغذية .
وأكد أنه بفحص بعض تلك الأدوية تبين خلطها بأكثر من منتج حتى يزداد تأثير مفعولها سريعاً، وبالتالي زيادة وسرعة الربح للمصنع .
ولفت إلى أن الخطورة في الأمر أنه عندما يجرب شخص منتجاً ويشعر باستفادته الأولية، ينصح من حوله بتعاطيه، من دون أن يعرف كل شخص حالته الصحية، وهل يتوافق معه المنتج أم لا، مما قد تنتج عنه آثار خطرة متعلقة بالجهاز التنفسي وغيرها، وقد تؤدي إلى نتائج صحية وخيمة والوفاة في بعض الحالات .
من الواقع
ويستطرد الخبير أول خالد السميطي قائلاً: إن هناك نوعاً من الفياغرا يجري تداولها على أنها مادة عشبية، وأيضاً العسل، أضيفت إليه مواد مغشوشة وسوِّق على أنه منتج عشبي يزيد القدرة الجنسية، أيضاً من خلال الفحوص المخبرية تبيّن أن غالبية مشروبات الطاقة مضافة إليها مواد كيميائية ذات تأثيرات سلبية في الصحة .
وأشار إلى أن العينات الواردة للفحص تأتي عبر الجمارك، وبلدية دبي، ولكن المطلوب الآن هو تكاتف جميع الأطراف المعنية من الجمارك، والبلديات، وأجهزة الشرطة، وهيئات الصحة ووزارة الصحة، للحد من دخول الأدوية المغشوشة، مع تفعيل عمليات الضبط والرقابة والتفتيش، وأيضاً المطلوب قوانين تنظم عملية تداول الأدوية ذات الصفة العشبية، بحيث لا يجري تداولها إلا بعد التأكد من صلاحيتها، والرقابة على عمليات بيعها، وعدم السماح بتداولها في محال غير مرخصة طبياً .
وأشار إلى أن دور مختبر السموم هو فحص تلك العينات الواردة سواء من البلدية أو الجمارك أو الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، إذا كانت هناك شبهة لبيان ما إذا كانت تحتوي على مواد مدرجة في جداول المخدرات، وفقاً للقانون الاتحادي رقم 14 لعام ،1995 في شأن مكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، حيث تبين من خلال الفحص أن بعض هذه الأدوية العشبية يستخدم في عمليات الإجهاض، وهي تروج بصورة غير مشروعة، وأخرى تروج على أنها مقويات جنسية، وبعضها يحتوي على سموم كيميائية، وأخرى مواد مخدرة .
4 عناصر للتصدي
قال المقدم خالد السميطي إن هناك 4 عناصر أساسية للتصدي لمشكلة الأدوية المغشوشة أو المزيفة، وهي المستهلك، والحكومات، وشركات الأدوية، والصيادلة، سواء كانوا عاملين في صيدليات أو مستودعات أدوية، فالمستهلك يجب أن يتحلى بالوعي الكافي لتمييز الدواء المغشوش، وعدم الانخداع ببعض المواقع الوهمية لبيع الأدوية علي شبكة الانترنت، لا سيما الأدوية المهدئة أو المنومات أو المقويات الجنسية، حيث احتمالية الغش كبيرة .
أما الحكومات فتلعب دوراً أساسياً في نشر الوعي بين أفراد المجتمع حول الظاهرة وسن القوانين الرادعة للمخالفين، وفرض العقوبات عليهم، وتأسيس آليات للرقابة الدوائية لمراقبة جودة الأدوية المنتشرة في الأسواق، وتعزيز الرقابة على الحدود، والمناطق الحرة، وتزويد النقاط الجمركية بمختبرات مصغرة (ميني لاب) ومتابعة خط سير شحنات الأدوية المستوردة لمعرفة مصدرها الرئيسي .
وبالنسبة لشركات الأدوية عليها دور مهم من خلال اعتماد التقنيات الحديثة في توسيم الأدوية وشراء المواد الدوائية الفعالة من مصادر موثوقة، والتعاون مع الحكومات في إعداد قواعد بيانات تخزن فيها المواصفات المميزة للأدوية الأصلية، بحيث تكون في متناول سلطات الجمارك وكافة الجهات المعنية الأخرى، بما فيها جمعيات حماية المستهلك ومفتشي الصحة .
وأخيراً، دور الصيادلة في نشر الوعي بين المستهلكين، وفي شراء الأدوية من مصادر موثوقة، وعدم الانسياق وراء دافع الربح المادي الكبير الذي يمكن تحقيقه من جراء شراء الأدوية المغشوشة بأثمان زهيدة، وبيعها للمستهلك بأسعار الأدوية الأصلية، على حساب مصلحة المريض وضد الأعراف والمبادئ المهنية .
أدوية علاج السكري لم تسلم من الغش
هناك نوع من الأدوية التي دخل عليها الغش والتدليس بادعاء أنها من الأدوية العشبية، ألا وهي أدوية علاج مرض السكري .
فقد استغل بعض التجار والمروجين إقبال المرضى على كل ما هو عشبي، ولجأوا إلى تكوين خلطات من أعشاب متنوعة، وإضافة مواد كيميائية لها مثل مادتي ميتوفورمين وجلين كلاميند، وهما مادتان تستخدمان في علاج السكري، ولكن مع إضافتها لأعشاب مخلوطة، لا أحد يعرف ما هي النتائج المترتبة عليها .