يرد التلفيق في اللغة العربية بأكثر من معنى، فهو بمعني الضم، ويكون بمعنى الملاءمة والكذب الملفق، ولعل الأخير يرد على الألسنة أكثر، حيث إنهم يقولون: فلان قدّم لنا كلاماً ملفقاً، ويقصدون به الكذب المزخرف الذي لا يصدق .
لكن الفقهاء عندما استخدموا مصطلح التلفيق أرادوا به ضم شيء معين إلى شيء آخر معين أيضاً، فاستخدموه في باب الحيض، وفي التوفيق بين الروايات المختلفة، وفي إدراك الجمعة بركعة ملفقة، وفي مسافة القصر، وفي صوم الشهرين في كفارة الظهار، وفي تتبع الرخص وغيرها .
ولكي يتضح أكثر نفصل فيه القول قليلاً، إذ إن الفقهاء مختلفون في استخداماته، ففي باب الحيض يقول الحنفية في إحدى رواياتهم: إن الطهر بين الدمين إذا كان أقل من خمسة عشر يوماً، لا يعد فاصلاً بل دماً متواصلاً، وعندئذ يقدر فيجعل بعضه حيضاً والباقي استحاضة .
والمالكية يقولون بالتلفيق في العبادة الواحدة من مذهبين: أحدهما بالمنع وهو مذهب المصريين، والثاني الجواز وهو مذهب المغاربة .
ويذكر الدكتور وهبة الزحيلي نقلاً عن الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير للدردير أن الصحيح جوازه وهو فسحة من الفسح المشروعة .
ويذكر الزحيلي أيضاً أن المعتمد عند المالكية والحنابلة هو الأخذ بالتلفيق في باب الحيض، أي ضم الدم إلى الدم، فإذا أتاها الدم في يوم مثلاً، وانقطع يوماً أو أكثر، ولم يبلغ الانقطاع خمسة عشر يوماً وهو أكثر مدة الحيض، فهي تلفق أي تضم الأيام إلى بعض وتعد حيضاً .
أما ما بينهما من النقاء فهو طهر صحيح ولو كان في أثناء الحيضة، وما على المرأة إلا أن تغتسل كلما انقطع دمها وتصلي وتصوم وتوطأ .
ولم يقل الشافعية بالتلفيق صراحة في الحيض، لأنهم قالوا: إن النقاء بين دماء أقل الحيض فأكثر، حيض تبعاً لها بشرط ألا يتجاوز خمسة عشر يوماً، ويكون النقاء بين دمين حيضاً .
أما إذا تجاوز الدم الخمسة عشر يوماً، فإنه يتحول إلى دم استحاضة .
وكذلك قال الشافعية والحنابلة بالتلفيق في صلاة الجمعة، حيث إن الشافعية قالوا: إذا لم يتمكن المزحوم من السجود في الركعة الأولى حتى شرع الإمام في ركوع الركعة الثانية من الجمعة، فإنه يسجد سجوده عن الركعة الأولى، ويحسب ركوعه الأول صحيحاً، ويركع الركعة الثانية، وبذلك يدرك الجمعة تلفيقاً، للخبر الوارد: من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى (رواه الحاكم)
وعند الحنابلة:من زال عذره بعد أن أدرك ركوع الركعة الأولى، وقد رفع الإمام من ركوع الثانية، فإنه يتابع الإمام في السجود، فتتم له ركعة ملفقة من ركعتي الإمام، ويدرك بها الجمعة .
وكذلك قال المالكية بالتلفيق في مسافة القصر في السفر، فإذا كان بعض سفره في البر وبعضه في البحر، فإنه يضم هذه إلى تلك تلفيقاً .
في حين أن الحنفية فرقوا بين البر والبحر في اعتبار مسافة القصر، فلكل منهما ما يليق بالحال .
والتلفيق بين المذاهب كأن يلمس متوضئ امرأة أجنبية من غير حائل، ويخرج منه نجاسة كدم من غير القبل والدبر، فإن صلى بهذا الوضوء، فإن صلاته إذا اعتبرناها صحيحة فإنها بالتلفيق، لأن وضوءه بطل باللمس عند الشافعية، وبطل بخروج الدم من غير السبيلين عند الحنفية .
وقد قال ابن عابدين: الحكم الملفق باطل .