أجمعت آراء عدد من التربويين على أن معظم طلبة المرحلة المتوسطة والثانوية يعانون ضعفاً في القراءة والكتابة باللغة العربية، وتحتوي دفاترهم وأوراقهم على أخطاء إملائية قاتلة، مؤكدين أن أسباب الضعف الكتابي للطلبة متعددة ومتداخلة، وعدم اكتساب الطالب مهارات الكتابة والإملاء منذ الصغر سبب رئيس لتلك الأخطاء، وأنه أسِّسَ على خطأ منذ بداياته الأولى في المدرسة .
ورصدت الخليج جملة من الأخطاء الإملائية في كراسات وأوراق طلبة يدرسون في المرحلتين الثانية والثانوية، ما يعد مؤشراً خطراً يهدد لغتنا العربية، ودلالة على وجود قصور مرَدّه إلى من يَدْرُس ويُدَرِّس منهج اللغة العربية .
لا نعلم أهو إهمال أم سهو أم هو قصور؟ ولكن ما نعلمه هو أن الفرد يمثل ذاته ومجتمعه، وما يخطه قلمه يَشِي عما بداخله من فكر وثقافة، فلندع الحديث لهم لأن ينضحوا بما في دلائهم من آراء ومقترحات من مختلف المحاور والقضايا حول موضوعنا، الذي حرصت الخليجعلى مناقشته لمجابهة الضعف الكتابي الشائع بين الطلبة، ولرصد الأسباب الحقيقية التي تقف أمام العربي والتي تحول بينه وبين الكتابة السليمة، لعلنا نجد عذراً نقدمه لِلُغتنا لِما جنيناه ضدها من خلط بين حروفها وكلماتها ومعانيها .
في بداية جولتنا اتفقت الآراء على أن أكثر أخطاء الكتابة شيوعا تتمثل في الجمع وأنواعه، الخلط بين همزتي الوصل والقطع، وبين الهاء المربوطة والتاء المربوطة، وبين حرفي الضاد والظاء، وغيرها .
وفي هذا الصدد صنَّف الدكتور محمد عيادات، موجه اللغة العربية في وزارة التربية والتعليم أخطاء الكتابة إلى ثلاثة أقسام : أخطاء نحوية ويقصد بها قصور في ضبط الكلمات وكتابتها ضمن قواعد النحو، وأخطاء إملائية ويقصد بها قصور في كتابة الكلمات مطابقة لحروفها، وأخطاء في الأسلوب تتمثل في صياغة الجمل من حيث بنائها وحروف الربط فيها .
وأكد أن الأسباب التي تقف وراء الضعف الكتابي للطلبة متعددة ومتداخلة، وعدم اكتساب الطالب مهارات الكتابة والإملاء منذ الصغر سبب رئيس لتلك الأخطاء، وأسِّسَ الطالب على خطأ منذ بداياته الأولى في المدرسة .
ويضيف أن تشتت الذهن وعدم التركيز أثناء الكتابة وعدم تغذية العقل بقراءة الكتب النافعة يؤدي بالطالب إلى وقوعه في الخطأ الإملائي، ولو كان كثير القراءة، لاسيما كتاب الله كونه مصدر اللغة العربية وفصاحتها، لاستوعب عقله كَمّاً هائلاً من الكلمات، ولوفر على نفسه الوقوع في الأخطاء الإملائية .
عدم الممارسة
معلم اللغة العربية السيد جابر، يقول إن سبب الأخطاء الإملائية لدى الطلاب هو إهمال الطالب للقراءة وعدم ممارسته الكتابة بأنواعها، فقد بات الأطفال في مراحلهم الدراسية الأولى لا يتعلمون القراءة والكتابة كالأجيال السابقة فسرعان ما تأثرت لغتهم العربية، وجهل الطالب للقواعد النحوية والإملائية الصحيحة هو سبب أخطائه الإملائية، وطبيعة اللغة العربية من حيث قواعدها واختلاف المذاهب فيها سبب لأخطاء الطالب الكتابية، إضافة إلى الأسباب التي تعود إلى الطالب نفسه ومنها ضعفه في القراءة، ما يؤدي إلى وقوعه في أخطاء كثيرة أثناء كتابته .
ويضيف أن هناك أسباباً تربوية منهجية وإدارية وأسباباً تتعلق بالمعلم من حيث ضعفه، وعدم تمكنه من طرائق وأساليب التدريس والتقويم .
غير مؤهل
أما ولي الأمر أحمد الكعبي فأكد أن اللوم يقع على عاتق المعلم الذي قد يكون غير مؤهل للتدريس، لاسيما مادة اللغة العربية، لوقوعه في أخطاء إملائية كثيرة، ويجهل الطالب تلك الأخطاء فيكون ضحيتها .
يقول : للأسف ليس كل المعلمين يمتلكون الكفاءة ليكونوا قدوة لطلابهم، فالمعلم نفسه قد يُخطئ نحويا وإملائيا؛ لذلك يجب إعطاء المدرسين دورات تدريبية حول القواعد اللغوية وعليه ممارستها أثناء شرح الدرس وتقديمه للطلبة، وما يعقد المشكلة هو أن بعضهم لا يقبل التصحيح من قِبل الطالب، والذي يزيدها تعقيداً أن بعضهم يستغل لهجته العامية أثناء الشرح .
اللهجة العامية
وأوضحت ولية الأمر مريم الكعبي، أنه يجب على المعلم البعد قدر الإمكان عن اللهجات العامية، واستعمال اللغة العربية الفصحى؛ نظراً لوجود وافدين من جاليات مختلفة تجمعهم لغة واحدة ألا وهي اللغة العربية الفصحى .
ومعظم المعلمين بحاجة إلى تمكين وإعادة تأهيل في هذا الجانب، وهذا التأهيل يكون لمعلمي جميع المواد الدراسية، مع التركيز على معلمي اللغة العربية .
وتضيف أن استغلال المعلم للغته الدارجة في تعليم اللغة العربية لها أثر سلبي في الطالب، وهنا تكمن المشكلة، فما نلحظه مثلاً أثناء تصويب أعمال الطلبة، وخاصة التعبير الكتابي خلط الطالب بين اللهجة المحلية والفصحى، وأحد أسباب ذلك هو خلط المعلم نفسه في شرحه بين المحلية والفصحى، وهذا يُعد من الأخطاء النحوية، وتحدّث المعلم باللغة الدارجة وتعليمه اللغة الفصحى في آن لا يتفقان . إذ إن اللغة العربية يجب تدريسها باللغة نفسها .
الهوية العربية
منصور شكري مدير مدرسة دبي الثانوية للبنين، يقول : يصبح الطالب غير قادر على التعامل مع نفسه من خلال كتاباته من ناحية، ومع المجتمع من ناحية أخرى، وتؤدي آثار أخطاء الطالب الكتابية إلى فقدان المجتمع لهويته العربية ألا وهي اللغة العربية كونها العمود الفقري للمجتمع وهي لغة القرآن الكريم .
وأضاف أن الطالب لن يستطيع التقدم لمستويات عليا، ما يؤدي إلى عدم نجاحه مستقبلاً، وبالتالي عدم التطور الحضاري السليم؛ لوجود أجيال لا تعي الكتابة بلغتها الأم .
إن كثرة الأخطاء السلبية تؤدي إلى نمو مجتمع غير واعٍ بأهمية اللغة التي يمتلكها، لأن اللغة العربية هي الوسيلة التي يتم التواصل عن طريقها بين كل أفراد المجتمع .
ليس كافياً
وفي سياق متصل، ترى الطالبة الجامعية شيخه علي، أن مناهج اللغة العربية الآن لا يوجد فيها ما يشجع الطالب على الكتابة، فلا توجد حصَّة إملاء يُمتحن الطالب فيها كتابياً، وإن كان هناك التعبير الكتابي، إلا أنه ليس كافياً؛ لأنه لا يتم في كل وقت وإنما في وقت معين من السنة الدراسية فقط، وهو ليس كافياً لتحسين مستوى الطالب الكتابي .
وتعارضها في الرأي الطالبة الجامعية خلود العوضي التي أكدت أن قصور المنهج العلمي ليس كبيرا، وتَدَرُّج القواعد النحوية المعطاة للطالب في كل صف دراسي مناسبة، ولكن طريقة ووسيلة توصيلها هي التي ينبغي النظر فيها .
ويمكن أن نجد قصوراً طفيفاً في المنهج العلمي لا يكاد يتضح للطالب، ولكن الإكثار من الأمثلة يساعد الطالب على الكتابة النحوية الصحيحة وطريقة شرح المعلم للدرس نفسه، ونفت وجود أية قصور في المنهج العلمي وإنما القصور مرَدّه إلى من يَدْرُس ويُدَرِّس المنهج العلمي .
من المسؤول؟
وأكدت ياسمين عبدالله المازمي، رئيسة قسم الإرشاد الطلابي في وزارة التربية والتعليم أن الطالب والمعلم وأولياء الأمور كلهم مسؤولون أمام أخطاء الطلبة الإملائية والنحوية، ولو أسِّس الطالب على حب القراءة وتلاوة القرآن تلاوة صحيحة لما وقع في تلك الأخطاء .
وتؤكد أن صعوبة المادة المختصة بالنحو والإملاء، وإن كان الطالب هو السبب الرئيس أمام أخطائه الإملائية لعدم اهتمامه بتصويبها، إلا أن عدم توفُّر المعلم أو الشخص الذي يُكسب الطالب مهارات الكتابة السليمة، سبب آخر في تفشي الظاهرة .
في ما يخص آثار الأخطاء النحوية والإملائية السلبية على الطالب حالياً ومستقبلاً أوضحت أن الطالب ينشأ متعلما ولكنه يحمل معه أخطاء قد ينقلها لأبنائه، وبالتالي يُنشئُ جيلاً يسير على الخطأ نفسه .
وترى أن الطالب سوف يخسر الدرجات حالياً، وبالتالي يتدنى مستواه التحصيلي، ما يؤدي إلى ضياع بعض الوظائف منه، والتأثير في أبنائه مستقبلاً وتكون النتيجة ضعف أبناء المجتمع في قواعد لغتهم الأم التي تمثل هويتهم، وبالتالي ضعف العربية شيئاً فشيئاً .
ويفتقد الطالب إلى القدرة على التعبير عما في نفسه إضافة إلى الضعف في جميع المواد الدراسية لعدم تمكنه من كتابة الإجابات بطريقة صحيحة ومفهومة .
وتعقب حديثها بأن للمجتمع أثراً سلبياً نتيجة لضعف مخرجات التعليم فيه، وكذلك انعدام طرق التواصل، إضافة إلى قلة الأدباء وضياع اللغة التي تشكل الهوية .
دروس نموذجية
من جانبه قال صالح فاضل، مستشار اللغة العربية ووكيل المدرسة المتحدة إن ابتكار دروس نموذجية تجعل من المادة عامل جذب للطالب، وكذلك تخصيص وقت معين للتعبير عن أي موضوع والتعاون بين المعلم والوسائل التعليمية من أفضل الأساليب للحد من تفشي الظاهرة، إضافة إلى تركيز الطالب على الأخطاء، وتدريبه على الكتابة الصحيحة، ومناقشته حول الأخطاء النحوية وخطورة زيادتها، وتأثيرها في المجتمع، والتوضيح بأهمية اللغة العربية كونها لغة القرآن الكريم .
وينبغي علينا الشعور بالولاء والانتماء للغتنا العربية أولاً وأخيراً، وهذا يبدأ من المعلم نفسه من شعوره بالمسؤولية الكبيرة للحفاظ على لغة الضاد؛ ليستطيع بذلك غرس حب العربية في نفوس طلابه، والذي سيدفعهم إلى تطوير أدائهم اللغوي والكتابي ذاتياً .
ويبقى السؤال
ويبقى السؤال قائماً : هل إجادة اللغة مكفولة بإجادة قواعدها إذا اعتبرنا أن اللغة جملة من المهارات التي تكتسب بالتدرّب والممارسة؟
قُبَيل الإجابة عن هذا السؤال، لِنَمنح النفس فرصة للتأمل في الهدف الرئيس من تعليم وتعلّم لغة الثمانية وعشرين حرفاً، عُقب ذلك يكون الحق للسائل بطرح سؤاله .
إن الهدف الرئيس من تعليم لغتنا العربية هو تمكين أبناء المجتمع العربي من القراءة السليمة وتقويم ألسنتهم على الأداء النطقي السليم وتدريبهم على التعبير الصحيح عما يعرض لهم من شؤون الفكر ومواقف الحياة، وفروع اللغة العربية الأخرى من نحو وبلاغة وإملاء ما هي إلا وسائل لخدمة هذا الهدف الكبير، فهل سعى أبناء اللغة العربية لخدمة هذا الهدف؟
وهل تعلمها يندرج ضمن أهدافنا وطموحاتنا التي وضعناها نصب أعيننا ونسعى إلى تحقيقها؟
وهل حقاً إجادة اللغة مكفولة بإجادة قواعدها، إذ اللغة جملة من المهارات التي تُكسب بالتدرّب والممارسة؟
ثَّمَّة تساؤلات تبقى عالقة بالأذهان تفتش لها عن إجابة .
اقتراحات تمهّد للحلول
من بين ثنايا الآراء انتقينا بعضاً من المقترحات لمجابهة الضعف الكتابي والحد من الظاهرة، فترى سناء عبدالعظيم موجه أول رعاية نفسية في وزارة التربية والتعليم أنه لابد من التركيز على تحديد سبب الضعف أولا ثم وضع طرق وخطط العلاج من منطلق السبب، ولابد من كثرة التدريبات واستخدام طرائق تدريس متنوعة ووسائل متطورة إذا كان الأمر يتعلق بالطالب، وتدريب المعلم وإخضاعه للدورات التدريبية لتطوير خبراته وعليه الإكثار من الجانب التطبيقي وعدم التركيز على الجانب النظري .
وترى أن تبسيط القواعد النحوية ودراسة ما يستخدمه الطالب في حياته والبعد عن الجزئيات والاختلافات وسيلة للحد من الخطأ الكتابي، إضافة إلى الاهتمام بتدريس مهارات اللغة العربية بالمنهج التكاملي بدلاً من الفروع، وتنشئة الطفل على حُب اللغة العربية وتعليمه القرآن الكريم أمر مهم، وللدورات التدريبية لقواعد النحو وأصوله أهمية كبيرة ودور فعّال في تنمية مهارات الطالب اللغوية والإملائية، والتعلم الذاتي أيضاً وسيلة فعّالة لتنمية مهارات الكتابة، إضافة إلى تعويد النفس على الكتابة الصحيحة، والتأكد دائماً من الكلمات والألفاظ التي نشك في صحتها من مصدر موثوق .