أعطت الدولة منذ قيامها أولوية قصوى لتطوير نظام التعليم العالي، حيث بلغ إجمالي عدد الجامعات ومؤسسات التعليم العالي العاملة في الدولة حتى نهاية العام 2011 نحو 70 مؤسسة .

وبالرغم من هذا العدد الكبير، إلا أن المشهد التعليمي في مؤسسات التعليم العالي يعاني مشكلتين، سببهما الدارسون في هذه المؤسسات، تتمثل الأولى في غياب الاعتراف عن بعض المؤسسات غير المرخصة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والتي حصلت على ترخيص من الدوائر الاقتصادية والبلديات المحلية التي تصدر لها تراخيص مزاولة نشاط، والثانية في توجه عدد من الطلبة للدراسة بالخارج في جامعات غير معترف بها محلياً .

عدد من الطلاب المواطنين المبتعثين للدراسة داخل الدولة أو في الخارج على نفقة الجهات الحكومية التي يعملون بها، فوجئوا بعدم اعتراف وزارة التعليم العالي بحصولهم على البكالوريوس والماجستير والدكتوراه من تلك الجامعات، ورفض اعتماد شهاداتهم العلمية أكاديمياً نظراً لعدم الاعتراف بهذه الجامعات من قبلها .

كما اشتكى عدد من الطلبة المقيمين في الدولة، من عدم اعتراف الوزارات والهيئات الحكومية في بلدانهم، بالشهادات العلمية التي حصلوا عليها، خلال فترة دراستهم الجامعية في إحدى مؤسسات التعليم العالي الخاصة في الدولة، مشيرين إلى وجود عدد من الخريجين داخل الدولة، تخرجوا منذ أكثر من 3 أعوام، لم يجدوا حتى الآن أي وظائف بالوزارات أو بالقطاع الحكومي لأن شهادتهم لا يعترف بها أحد .

هذه القضية المتجددة في كل عام تعود في الأساس إلى إقبال الطلبة على التسجيل في كليات وجامعات غير معترف بها من قبل وزارة التعليم العالي، ومن المفترض وقبل أن ينضم أي طالب أو طالبة إلى أي جامعة خاصة، سؤال وزارة التعليم العالي عن الجامعة ومدى الاعتراف بالتخصصات التي تدرسها لتجنب مشكلة عدم الاعتراف بالشهادات بالذات خلال فترة الفترة التي يستعد فيها خريجو الثانوية العامة للالتحاق بمؤسسات التعليم العالي .

الخليج التقت عدداً من الطلبة الذين يعانون هذه المشكلة حيث تحدثوا عن معاناتهم .

الطالبة حنان أسعد تقول إنها فوجئت بأن الكلية الجامعية التي تدرس فيها في الدولة غير معترف بها حين رفضت بعض المؤسسات في بلدها الأم تدريبها مع مجموعة من الطلبة الزملاء وحين سألت في إحدى الجهات المسؤولة كان الجواب إن الكلية التي تدرسين بها غير معترف بشهادتها .

وقالت أصبت بخيبة أمل وتساءلت: ما معنى ضياع ثلاثة أعوام من عمري في دراسة غير معترف بها؟ في الوقت الذي عشت فيه أمل التخرج بعد عام حتى أتمكن من العمل وأساعد أهلي، فكيف سأعمل بشهادة لا تعترف بها المؤسسات والشركات التي تحتاج لموظفين؟

وأضافت زميلتها من نفس الجامعة إيمان زيدان : حين سألنا عن هذا الموضوع، أكدت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الدولة أن الجامعة معترف بها داخل الدولة، وتساءلت: ماذا سيفعل طلاب هذه الجامعات والكليات الذين تخرجوا ويعملون حالياً في الدولة، وسيعودون في يوم من الأيام إلى بلدانهم، والتي قد لا تعترف بالشهادات التي تحصلوا عليها؟

هناك نحو 50 طالباً وطالبة تخرجوا من جامعات خاصة تعمل في الدولة، تفاجأوا عند تقديمهم لبعض المؤسسات الحكومية في بلدانهم، بأن شهاداتهم غير معترف بها .

المهم العمل

يقول محمد التجاني أحد الخريجين من إحدى هذه الكليات: درست في أحد المعاهد العاملة في الدولة، وبعد التخرج بحثت عن عمل يناسب تخرجي فلم أجد لكن لم يقل لي أحد أن السبب شهادتي غير المعترف بها إلى أن وجدت عملاً بعيداً عن التخصص، بصراحة يهمنا كشباب العمل أكثر مما تخصصنا به وتعلمناه، حيث إننا مادمنا نجد في النهاية عملا ذا مردود مالي مناسب، فلا يهم التخصص أو الكلية فالنتيجة أن العمل قد يقدم لنا خبرة أهم من شهادة التخرج الجامعي .

وعن سبب عدم تمكنه من العمل في نفس مجال تخصصه، قال: إن المعهد الذي درس فيه، يعتبر حديث العهد في المجال التعليمي العالي، ورغم معرفتي، إلا أنني التحقت به، لانخفاض الرسوم الدراسية السنوية المقررة على كل طالب بالمقارنة بالجامعات والمعاهد العريقة في الدولة .

اكتشاف

وقال عيسي بشارة الحاج: لدي ابنه وحيدة، ورأيت أنه من المناسب أن تدرس في إحدى الجامعات الخاصة العاملة في الدولة بدلاً من السفر إلى الأردن للدراسة فيها، حتى تكون قريبة مني .

وأضاف: بعد تخرج ابنتي واجهتني بعض الظروف المعيشية الصعبة، التي دفعتني إلى إرسال زوجتي وابنتي إلى الأردن، وهنالك تفاجئنا أن الشهادة الجامعية التي حصلت عليها غير معترف بها، الأمر الذي حتم علي البحث عن عمل يناسبها داخل الدولة، وهو ما لم أنجح فيه حتى الآن .

سنوات الدراسة

وقالت مريم المزروعي: إن الهيئة التي تعمل بها تقوم سنويا بارسل نحو 15 موظفاً مواطناً للدراسة على نفقتها في إحدى الجامعات العاملة في الخارج، بهدف صقل وتطوير مهاراتهم، مشيرة إلى أن معظم الموظفين الذين تم ارسالهم للدراسة في الهند وباكستان مثلاً، رفضت إدارة معادلة الشهادات في وزارة التعليم العالي والبحث العملي، معادلة شهادات تخرجهم بالبكالوريوس والماجستير والدكتوراه على أنها شهادات أكاديمية من جامعات غير معترف بها .

وأوضحت أن الفترة الدراسية المعتمدة لبعض الجامعات في الهند وباكستان للحصول على البكالوريوس هي ثلاث سنوات لمعظم التخصصات، وأربع سنوات للصيدلة، مؤكدة أن المناهج الدراسية في الهند مناهج مكثفة، مقارنة بغيرها من البلدان .

وأضافت: أن أكثر ما فاجأني هو عدم اعتراف وزارة التعليم العالي، بشهادات أكاديمية لموظفين درسوا داخل الدولة تحديدا في إحدى مؤسسات التعليم العالي الخاصة، وهو الأمر الذي يشكل صدمة كبرى لهؤلاء الموظفين وجميع الطلبة الذين يرغبون في دخول إحدى المؤسسات العلمية الخاصة في الدولة .

الرجوع عن القرار

وقالت سمية جمعة: إن النهضة العلمية التي تشهدها الجامعات الهندية، معترف بها من قبل النظم التعلمية في الدولة، متساءلة: على أي أساس تم إصدار مثل هذه القرارات بحق الطلاب الدارسين في الهند، من دون غيرهم من الطلاب الدارسين في نفس الدولة لكن من جامعات أخرى .

وناشدت وزارة التعليم العالي بالعدول عن هذا القرار، وهذه الإجراءات بحق الطلاب الخريجين من الجامعات الهندية، ومعادلة شهادات تخرجهم وظيفياً وأكاديمياً كغيرهم من الخريجين من جامعات الدول الأخرى .

الاعتماد الأكاديمي

من جانبها حذرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، الطلبة من الالتحاق بالمؤسسات التعليمية الخاصة العاملة داخل الدولة وخارجها غير المعترف بها، مشيرا إلى أنها سبق أن أعلنت عن أسماء الجامعات والكليات والبرامج التعليمية المعتمدة في مؤسسات التعليم العالي الخاصة في الدولة .

وأكدت أهمية تعرف الطالب إلى الموقف الأكاديمي للبرنامج الذي يود الالتحاق به والتأكد من حصول البرنامج على الاعتماد الأكاديمي من الوزارة، مشيراً إلى أن هيئة الاعتماد الأكاديمي في الوزارة تتولى تقييم البرامج بصورة دورية من خلال فرق المقيمين الخارجيين الذين يتم استقطابهم للتأكد من سلامة البرامج التعليمية المطروحة في تلك المؤسسات وبما يضمن تحقيق معايير الجودة الشاملة لهذه البرامج موضحاً أن الوزارة على اتم الاستعداد لاستقبال استفسارات الطلبة وأولياء أمورهم عن الجامعات والتخصصات المعترف بها من قبل الوزارة .

فروع ليست دولية

وأكد سيف راشد المزروعي، وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، المساعد للخدمات المؤسسية والمساندة وجود معاهد وجامعات غير مرخصة في الدولة سببه بعض الدوائر والبلديات التي تصدر لهم تراخيص مزاولة نشاط لهذه المؤسسات، من دون الرجوع للوزارة، مشيراً إلى وجود العديد من الجامعات والمعاهد الآسيوية والإنجليزية في الدولة، والتي ينضم إليها الكثير تحت خدعة أن شهاداتها معترف بها دولياً، ويفاجأوا بأن شهاداتهم غير معترف بها داخل الدولة .

وشدد على ضرورة تحقق هيئات الترخيص في البلديات ودوائر التنمية الاقتصادية من موافقة وزارة التعليم العالي قبل منح الترخيص لهذه المؤسسات، لافتاً إلى قيام بعض الجهات الحكومية بإرسال موظفيها في بعثات دراسية بجامعات غير معتمدة، وتطالب بعد ذلك بمعادلة شهاداتهم، وهو ما ترفضه الوزارة .

وحذّر من انضمام الطلاب إلى جامعات ومعاهد غير معتمدة داخل الدولة أو خارجها، ثم مطالبة الوزارة بمعادلة هذه الشهادات، مطالبا بضرورة الرجوع إلى الوزارة قبل الالتحاق بأية مؤسسة تعليمية، أو قبل النقل من جامعة إلى جامعة أخرى، أو من تخصص إلى تخصص مغايير .

وشدد الدكتور محمد بدر الدين أبو العلا، مدير هيئة الاعتماد الأكاديمي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، أن عملية الاعتماد الأكاديمي بمنزلة ضمان وتأكيد لجودة البرامج وحماية للدارس، بحيث يضمن عند تخرجه بنجاح أن لديه من المعارف والمهارات ما يمكنه من الالتحاق بسوق العمل بنجاح .

كما أن الاعتماد الأكاديمي يمثل ضمانا لجودة خريج البرنامج عند انتقاله للعمل في دولة أخرى أو عند التحاقه لاستكمال دراسته لمرحلة متقدمة في مؤسسات تعليمية أخرى داخل الدولة وخارجها .

وأكد أن الجامعات المرخصة لها رسالة وأهداف مناسبة وهيكل تنظيمي ولوائح ونظم أكاديمية وإدارية ومالية تتماشى مع المعايير المتعارف عليها عالمياً، كما أن لديها مرافق وتجهيزات تناسب نوعية البرامج التي تطرحها، وأعضاء هيئة تدريس ذوي مؤهلات أكاديمية وخبرات مهنية جيدة، وأن لديها نظاماً جيداً لمراقبة جودة أدائها وللتقييم المستمر لفعالية برامجها وأنشطتها .

وأوضح أن أي برنامج لكي يحصل على الاعتماد الأكاديمي لابد أن يخضع لعملية تقييم خارجي من قبل لجان متخصصة من الخبراء لإجازته ضمن المعايير المتعارف عليها عالمياً التي تشمل رسالته وأهدافه ومدى تماشيه مع حاجة المجتمع وسوق العمل، وحداثة الخطة الدراسية للبرنامج ومساقه الدراسي، وأن تكون مخرجاته التعليمية من معارف ومهارات وكفايات تتماشى مع المستويات المتعارف عليها عالمياً في حقل التخصص المعني بهذا المستوى الدراسي .

وذكر أن الوزارة خصصت نافذة على الموقع الإلكتروني www .caa .ae الخاصة بها، يشمل قائمة بأسماء جميع مؤسسات التعليم العالي الخاص المرخصة والبرامج المطروحة بها والتي حصلت على الاعتماد الأكاديمي .

60 طلباً يومياً

وداد الزعابي، مدير إدارة معادلة الشهادات في وزارة التعليم، أكدت أن الإدارة تتسلم يوميا ما يقرب من 60 طلب معادلة شهادة، وأن إجمالي الشهادات العلمية الصادرة من خارج الدولة، التي وافقت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على معادلتها خلال العام الماضي، بلغ 6393 شهادة من إجمالي 6767 شهادة علمية تلقتها لجنة معادلة الشهادات، ورفضت معادلة ،437 وتم اكتشاف شهادة واحدة مزوّرة .

وأوضحت أن الشهادات المزوّرة قلّت عن السابق بسبب الإجراءات التي اعتمدتها اللجنة في الفترة الأخيرة، مشيرة إلى أن لجنة المعادلات تجتمع مرتين شهرياً، وأن طلب المعادلة لا يحتاج الرد عليه أكثر من 15 يوماً إلا في حالة الحاجة إلى مراسلة الجهة الصادر عنها الشهادة، حيث ينتظر رد الجهة المرسل إليها للبت في الأمر .

وأكدت وداد الزعابي أن لجنة معادلة الشهادات عقدت خلال العام الماضي 25 اجتماعاً اتخذت خلالها 1771 قراراً، منها 374 قراراً بالاعتذار لعدم انطباق شروط المعادلة، و1397 قراراً بالمعادلة، مشيرة إلى أن الوزارة نظرت في طلبات معادلة 798 مؤهلاً صادراً عن مؤسسات التعليم العالي في دول الخليج العربية، و2843 مؤهلاً صادراً عن مؤسسات التعليم العالي في دول عربية، و1527 مؤهلاً صادراً عن مؤسسات التعليم العالي في دول أجنبية .

وأشارت إلى أن التحاق الطالب ببرنامج معتمد أكاديمياً من الوزارة يضمن تصديق الوزارة على الشهادة الحاصل عليها الطالب بعد تخرجه، وهو أمر تتطلبه المؤسسات الاتحادية وكثير من جهات التوظيف المحلية للتعيين بها أو الاعتداد بالشهادة المصدق عليها كأساس للترقي والابتعاث خارج الدولة للحصول على درجات علمية أعلى .