وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) (النازعات) .
الدحو هو المد والبسط والإلقاء، ويقال: (دحا) الشيء (يدحوه) (دحواً) أي بسطه ومده، وذكر صاحبا تفسير الجلالين: الأرض بعد ذلك دحاها أي بسطها ومهدها لتكون صالحة للحياة، وكانت مخلوقة قبل السماء من غير دحو .
وذكر سيد قطب أن دحو الأرض هو تمهيدها وبسط قشرتها بحيث تصبح صالحة للسير عليها، وتكوين تربة تصلح للإنبات والله أخرج من الأرض ماءها سواء ما يتفجر من الينابيع أو ما ينزل من السماء والذي هو أصلاً من مائها الذي تبخر ثم نزل في صورة مطر، وأخرج من الأرض مرعاها، وهو النبات الذي يأكله الناس والأنعام وتعيش عليه الأحياء مباشرة أو بالواسطة . وإذا جئنا إلى كتب اللغة نجدها كلها، تنص على أن الدحو: البسط، والرمي، والإزالة، والتمهيد، فالبسط والتمهيد والرمي بالحجر المستدير في الحفرة الصغيرة معانٍ مشتركة، وكلها تفسر دحاها بمعنى بسطها ومهدها . وإن الأدحية هي مكان مبيض النعام لا بيضه كما يقولون، وسمي بذلك لأن النعامة تدحوه بيدها لتبيض فيه، إذ لا عش لها .
هذا الاستعراض يدل على أن المفسرين السابقين يجمعون على أن معاني دحو الأرض إخراج الماء والمرعى من داخلها على هيئة العيون وإنبات النبات . ويضيف المفسرون في معنى والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها أن العرب في قلب الجزيرة العربية كانوا يرون الأرض تتفجر منها عيون الماء، ويرون الأرض تكسى بالعشب الأخضر بمجرد سقوط المطر ففهموا هذا المعنى الصحيح الجميل من هاتين الآيتين الكريمتين .
الكوكب المائي
كوكب الأرض هو أغنى كواكب مجموعتنا الشمسية بالمياه، ولذلك يطلق عليه اسم الكوكب المائي أو الكوكب الأزرق، وقد حار العلماء منذ القدم في تفسير كيفية تجمع هذا الكم الهائل من المياه على سطح الأرض وماهية مصدره .
وقد وضعت نظريات عدة لتفسير نشأة الغلاف المائي للأرض، حيث ترى إحداها أن ماء الأرض في المراحل الأولى من خلق الكوكب نشأ من تفاعل كل من غازي الهيدروجين والأوكسجين في حالتهما الذرية في الغلاف الغازي المحيط بالأرض . وترى نظرية ثانية أن ماء الأرض أصله من جليد المذنبات، في حين تقول نظرية ثالثة إن كل ماء الأرض قد أخرج أصلاً من داخل الأرض . والشواهد العديدة التي تجمعت لدى العلماء تؤكد أن كل ماء الأرض قد أخرج أصلاً من جوفها ولايزال خروجه مستمراً من داخل الأرض عبر الثورات البركانية .
من خلال تحليل الأبخرة المتصاعدة من فوهات البراكين في أماكن مختلفة من الأرض اتضح أن بخار الماء تصل نسبته إلى أكثر من 70% من مجموع تلك الغازات والأبخرة البركانية، بينما تكون الباقي من أخلاط مختلفة من الغازات مثل: ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين وأبخرة حمض الهيدروكلوريك والنيتروجين وفلوريد الهيدروجين وثاني أكسيد الكبريت وكبريتيد الهيدروجين وغازي الميثان والأمونيا وغيرها .
ويصعب تقدير كمية المياه المندفعة على هيئة بخار الماء إلى الغلاف الغازي للأرض من فوهات البراكين الثائرة، ولكن مع التسليم بأن الثورات البركانية في بدء خلق الأرض كانت أشد تكراراً وعنفاً من معدلاتها الراهنة، فإن الحسابات التي أجريت بضرب متوسط ما تنتجه الثورة البركانية الواحدة من بخار الماء من فوهة واحدة في متوسط مرات ثورانها في عمر البركان في عدد الفوهات والشقوق البركانية النشيطة والخامدة الموجودة اليوم على سطح الأرض قدمت رقماً قريباً جداً من الرقم المحسوب لكمية المياه على سطح الأرض .
الصهارة الصخرية
وفي الآونة الأخيرة ثبت أن المياه تحت سطح الأرض موجودة على أعماق تفوق كثيراً جميع التقديرات السابقة، كما ثبت أن بعض مياه البحار والمحيطات تتحرك مع رسوبيات قيعانها الزاحفة إلى داخل الغلاف الصخري للأرض بتحرك تلك القيعان تحت كتل القارات ويتسرب الماء إلى داخل الغلاف الصخري للأرض عبر شبكة هائلة من الصدوع والشقوق التي تمزق ذلك الغلاف في مختلف الاتجاهات، وتحيط بالأرض إحاطة كاملة بعمق يراوح بين 65 و150 كيلومتراً .
ويبدو أن الصهارة الصخرية هي مصدر رئيسي للمياه الأرضية وتلعب دوراً مهماً في حركة المياه من داخل الأرض إلى السطح وبالعكس، وذلك لأنه لولا امتصاصها للمياه ما انخفضت درجة حرارة انصهار الصخور ولتوقفت ديناميكية الأرض بما في ذلك الثورات البركانية التي ثبت أنها المصدر الرئيسي للغلاف المائي والغازي للأرض .
ولاتزال ثورات البراكين تلعب دوراً مهماً في إثراء الأرض بالمياه، وفي تغيير التركيب الكيميائي لغلافها الغازي وهو المقصود بدحو الأرض .
ولقد ثبت للباحثين أن الماء هو السائل الغالب في الصهارات الصخرية وعلى الرغم من أن نسبته المئوية إلى كتلة الصهارة قليلة بصفة عامة، إلا أن نسبة عدد جزيئات الماء إلى عدد جزيئات مادة الصهارة تصل إلى نحو 15% . وعندما تتبرد الصهارة الصخرية تبدأ مركباتها في التبلور بالتدرج وتتضاغط الغازات الموجودة فيها إلى حجم أقل وتتزايد ضغوطها حتى تفجر الغلاف الصخري للأرض بقوة تصل إلى مئة مليون طن، فتشق ذلك الغلاف وتبدأ الغازات بالتمدد والانفلات من الذوبان في الصهارة الصخرية، ويندفع كل من بخار الماء والغازات المصاحبة له والصهارة الصخرية إلى خارج فوهة البركان أو الشقوق المتصاعدة منها مرتفعة إلى كيلومترات عدة، لتصل إلى كل أجزاء نطاق التغيرات المناخية (8-18 كيلومتراً فوق مستوى سطح البحر)، وقد تصل هذه النواتج البركانية في بعض الثورات البركانية العنيفة إلى نطاق (30 - 80 كيلومتراً فوق مستوى سطح البحر)، وأغلبية مادة السحاب الساخن الذي تراوح درجة حرارته بين 250 و500 درجة مئوية يعاود الهبوط إلى الأرض بسرعات تصل إلى 200 كيلومتر في الساعة، لأن كثافته أعلى من كثافة الغلاف الغازي للأرض .
وقد يصاحب الثورات البركانية عدد من الينابيع والنافورات الحارة وهي ثورات دورية للمياه والأبخرة شديدة الحرارة تندفع إلى خارج الأرض بفعل الطاقة الحرارية العالية المخزونة في أعماق القشرة الأرضية .
ويعتقد علماء الأرض أن وشاح كوكبنا كان في بدء خلقه منصهراً انصهاراً كاملاً أو جزئياً، وكانت هذه الصهارة هي المصدر الرئيسي لبخار الماء وعدد من الغازات التي اندفعت من داخل الأرض . وقد لعبت هذه الأبخرة والغازات التي تصاعدت عبر كل من فوهات البراكين وشقوق الأرض - ولاتزال تلعب - دوراً مهماً في تكوين وإثراء كل من الغلافين المائي والغازي للأرض وهو المقصود بالدحو .